10:06 مساءً الخميس 13 ديسمبر، 2018

الانتحار في السويد


الانتحار في السويد

 

ذكرت تقارير صحافيه عديده صادره عن جهات مختلفة ان “السويد” تاتي في مقدمه دول العالم في معدلات الانتحار.

وهي ظاهره بالاضافه لكونها مقلقه،

تستحق الوقوف امامها طويلا،

والبحث في اسبابها ومسبباتها،

ولكن،

قبل تحليل دلالاتها وابعادها ينبغي التاكد اولا من مدى مصداقيه هذه التقارير.

وجه الغرابه في هذه التقارير،

ان بلدا ينعم بالامن والاستقرار والرفاهيه،

اكثر من اي بلد اخر في العالم من المفترض ان يكون مواطنيه راضين وسعداء،

فلماذا ينتحر اي منهم ولديه كل اسباب الحياة الكريمه ومقوماتها

!

فاذا كان هذا ما يحدث مع شعب السويد المترف؛

فماذا ابقوا لشعوب العالم الثالث الذين لديهم الف سبب للانتحار

!

ربما يكون مشهد الانتحار افظع واغرب عمل يمكن ان يقدم عليه اي انسان،

فهو من ناحيه يمثل قمه التراجيديه الانسانيه على مسرح الحياه،

حيث يكون فيها “بطل” المشهد هو القاتل والقتيل في نفس الوقت.

ومن ناحيه ثانية هو من بين اكثر الموضوعات اثاره للحيره والدهشه،

اي الدهشه من تلك القوه الغريبة التي تسيطر على الانسان وتدفعه لانهاء حياته.

واغرب ما في المشهد لحظه تنفيذ قرار الانتحار



اللحظه التي تمثل ذروه الماساه؛

حين يفقد المنتحر كل امل في الحياه،

ويختار طائعا او مكرها ان يغادرها على الفور.

الانتحار ليس بالظاهره الجديده؛

فقد عرفتها الشعوب القديمه،

وادخلتها طقوسها الدينيه والفلسفيه؛

فمثلا انقسم فلاسفه الاغريق حول الانتحار،

فيما اعتبر محاربو “الفايكنج” القدامى الموت الطبيعي امرا مهينا للمحارب؛

فاذا ما احس احدهم انه موشك على الموت فانه يضع حدا لحياته بنفسه بطريقة “لائقه”،

اما محاربو “الساموراي”،

فلقد لجئوا الى الانتحار على طريقة “الهاراكيري”،

فاذا ما احس مقاتل بانه سيقع في الاسر؛

فانه يقطع احشائه بسيفه.

والتاريخ قدم لنا ايضا العديد من الامثله عن حالات انتحار لشخصيات مرموقه لم تجد امامها خيارا حينما امتحنت كرامتها سوى الانتحار:

هنيبعل،

وكليوباترا وزنوبيا وغيرهم.

الا ان الكرامه ليست السبب الوحيد للانتحار.

فهناك حالات انتحار لشخصيات ناجحه بالمعايير المجتمعيه السائده،

مثل الروائي الامريكي ارنست همنجواي ،



والكاتب السويدي وليام موبيري ،



والممثله الشهيره مارلين مونرو .

وجاء في تقرير اصدرته منظمه الصحة العالميه،

بان اكثر من مليون و200 الف شخص يقدمون على الانتحار في العالم سنويا.

وكشف التقرير الذي صدر في العام 2019 ان اعمار غالبيه الفئات المنتحره تتراوح ما بين 15 ~ 45 عاما،

وان الامراض النفسيه والذهنيه كالاكتئاب،

وانفصام الشخصيه،

والوسواس القهري،

والادمان على الكحول والمخدرات تاتي في مقدمه اسباب الانتحار،

يليها اسباب اجتماعيه ونفسيه اخرى مثل الفشل في الدراسه،

او انهيار علاقه عاطفيه،

او البطاله،

او الافلاس،

وايضا هناك الامراض المزمنه والمستعصيه،

والفراغ والوحده والياس،

والقلق .

.

وكلها دوافع لاقدام الكثيرين في القارات الخمس على الانتحار بارادتهم “المهزوزه” او “القويه” .

.

لا فرق.

ومع ان الكثير من هذه الاسباب موجوده في المجتمع،

ويعاني منها اغلب الناس،

لكنهم يتعاطون معها بطرق ودرجات متفاوته،

وقله قليلة منهم تختار “الانتحار”،

ذلك لانه ليس بالقرار السهل الذي يمكن ان يتخذه الانسان كل يوم.

لهذا فان البعض اعتبر الشخص المنتحر شجاع وذو اراده صلبه،

لم يقبل بان تمتهن كرامته،

فاختار الموت على حياة بلا معنى.

بينما اعتبر اخرون ان المنتحر جبان واناني وذو شخصيه مهزوزه وغير قادر على المواجهه،

فاختار الهروب.

ومنهم من راى في المنتحر شخص مضحي،

اراد ان يعبر عن احتجاجه على قضية ما،

ولكن بالتضحيه بحياته.

وبالرغم من هذا الخلاف الا ان المجتمعات الانسانيه كلها ترفض الانتحار وتدينه،

والديانات السماويه كلها شددت على تحريم الانتحار،

والاسلام اعتبر الانتحار نوعا من قتل النفس التي حرم الله.

علماء النفس وعلماء الاجتماع،

كتبوا الكثير عن هذه القضيه،

ومن خلال تقسيمهم المنتحرين الى فئات عمريه،

وجنسيه،

والى طبقات وشرائح اجتماعيه،

ومستويات تعليميه،

وماديه،

وتحليل البيانات والاحصاءات المتعلقه بهذا الموضوع،

توصلوا لنتائج عديده،

اهمها ان العوامل النفسيه الضاغطه التي توصل الشخص للانتحار من الصعب اختزالها في عامل واحد،

او ارجاعها لسبب محدد،

او حصرها في منطقة ما دون غيرها.

وبالرجوع للتقارير الصحافيه والمقالات التي تحدثت عن نسب الانتحار في الدول المختلفه،

نجد ان اغلبها اجمعت على ان “السويد” تحتل المرتبه الاولى في نسب الانتحار في بورصه الانتحار العالميه.

ولكن بالتدقيق نجد الكثير من التباينات والتناقضات بين هذه التقارير،

كما نجد المبالغات والارقام غير المنطقيه،

والتفسيرات السطحيه المجتزاه،

التي ترى الحقيقة بعين واحده،

وبجكم مسبق.

ومع ذلك،

لا احد ينكر – بما في ذلك المصادر الرسمية السويديه – ان ظاهره الانتحار موجوده فعلا في الدول الاسكندينافيه بمعدلات مقلقه،

لكن الخلاف حول اسباب هذه الظاهره؛

باحثين كثر اعتبروا ان الفراغ الروحي والملل والخواء الفكري اهم دوافع الانتحار في تلك البلدان،

حيث تؤدي تلك العوامل الى التيه والضياع وتعميق الشعور بالوحده،

وبالتالي فقدان حافز الاستمرار في الحياه.

واخرين اضافوا قله الوازع الديني؛

حيث ان غالبيه السويديين لا علاقه لهم بالدين،

ولا يرتادون الكنيسه،

ولا يؤمنون بالله.

ولكن الفراغ الروحي والازمات النفسيه وضغوطات الحياة ليست حكرا على السويد؛

انها نتاج الراسماليه،

وهي موجوده في كل المجتمعات الصناعيه تقريبا.

وبالنسبة للوازع الديني هناك مجتمعات لا دينيه كثيرة حول العالم،

ومع ذلك لم تركز التقارير على معدلات الانتحار فيها،

كما ركزت على السويد.

واذا ما استبعدنا العوامل الماديه والاقتصاديه كاسباب محتمله للانتحار،

نظرا لان الدول الاسكندينافيه وفي مقدمتها السويد توفر الدعم المادي والسكن وفرص العمل والتعليم المجاني والتامين الصحي والرعايه الاجتماعيه لكافه الفئات المجتمعيه،

لا يبق امامنا سوى البحث في التفسير البيولوجي لشعوب تلك الدول والبيئه المناخيه التي يعيشون فيها لعلنا نجد فيهما الجواب.

ومعروف ان تلك البلدان تعيش شتاءات طويله وشديده البروده،

يترافق معها احتجاب شبه كامل للشمس لفترات طويله جدا،

وبالتالي ربما تكون هذه الظاهره هي المسئوله عن زياده اعداد المنتحرين،

حيث تبعث الظلمه على الاكتئاب،

وتسبب الغمه في النفوس.

وبما ان معدلات المنتحرين في تلك الدول في الصيف هي تقريبا نفسها معدلات انتحار نظرائهم في الشتاء،

فان تفسير ذلك يعود لطول فترات ظهور الشمس،

الامر الذي يؤدي الى خلل واضطرابات في الساعة البيولوجيه للانسان في الصيف والشتاء)،

يتسبب بعدم انتظام ساعات النوم،

وبالتالي اختلال توازن الدماغ،

ينشا عنه تعب وارهاق نفسي قد يصل الى حد الاكتئاب.

لكن الملاحظ ان اغلبيه الناس تمارس الرياضه وتشارك في النشاطات التطوعيه بكثره.

وعلى ما يبدو ان اغلب التقارير والدراسات التي زعمت ان السويد تتربع على قمه معدلات الانتحار في العالم،

هي تقارير موجهه،

ذات دوافع ايديولوجيه وسياسية واضحه،

تريد ان توصل الينا رساله مفادها ان نظام الحكم في السويد فاشل،

وان الرخاء والرفاهيه تدفع الناس للانتحار،

وبالتالي فهي “كماليات” غير مطلوبه،

مع التاكيد على ان نماذج الحكم في العالم الثالث هي الافضل،

(سواء الانظمه القائمة فعليا،

او الانظمه الافتراضيه التي تنتظر فرصتها في الحكم)،

حيث لا يقبل رعايا هذه الانظمه على الانتحار.

ولزياده التاكيد على ان نموذج الحكم السويدي فاشل وغير صالح،

وانه بحد ذاته بيئه مفرخه للمنتحرين،

داب كثير من الكتاب على التنقيب على مثالب ومساوئ اخرى في المجتمع السويدي،

مع شيء من المبالغه،

من خلال استعراض تقارير واخبار تتحدث عن الجرائم والمخدرات،

او عن حالات التحرش والاعتداء الجنسي،

او تلك التي تصف تفكك الاسرة وانحلال المجتمع،

وسقوط القيم الاخلاقيه،

وخواء الانسان وضياعه …

القضية هنا ليست دفاعا عن السويد،

ولا عن النظام الراسمالي .

.

انها قراءه في عقليه منهجيه تجد في اخطاء الاخرين عزاء لها،

وتغطيه على فشلها.

فلا شك ان مناظر السويد الخلابه تخفي ورائها الكثير من السلبيات والمثالب،

وانه بالرغم من جهود الدوله وبرامجها الهادفه لخدمه المواطنين،

الا ان الانسان فيها ما زال يعاني من الازمات النفسيه وضغوطات الحياة الخانقه،

التي قد تدفع بالبعض للانتحار.

وفي هذا دليل بان الحضارة الغربيه الراسماليه ما زالت عاجزه عن تحقيق سعادة الانسان.

وبالتعمق اكثر في الادبيات الماركسيه والاشتراكيه والاسلامية سنجد كل عيوب الراسماليه على اقبح ما تكون.

لكن الدول الاسكيندنافيه عامة قدمت نموذجا مختلفا في الاقتصاد الراسمالي؛

نموذجا فيه الكثير من الاشتراكيه والعداله الاجتماعيه والانصاف في توزيع الثروه،

وحقوق العمال،

وشفافيه الدوله.

(رئيس الوزراء السويدي السابق،

“يوران برشون”،

اضطر للانتظار اكثر من سته اشهر كي ياتيه الدور لاجراء عملية جراحيه في العمود الفقري).

بعض الدراسات اشارت الى ان نسبة الانتحار في الدول العربية والاسلامية هي الاقل.

البعض ارجع ذلك لموقف الاسلام المتشدد بتحريم الانتحار.

لكن الاسلام حرم ايضا القتل والسرقه والكذب والغش… ومع ذلك فان كثير من الناس في المجتمعات الاسلامية تمارس هذه الموبقات اكثر من غيرها



بعض المفسرين اوضحوا هذا التناقض معتبرين ان المؤمن حين يقدم على اقتراف اي معصيه فانه يبرر لنفسه ذلك،

على امل انه سيعيش طويلا الى ان يجد الفرصه للتكفير عن اخطائه،

اما المنتحر فلن يجد اي فرصه للتوبه.

لكن هذه التفسيرات تنطلق من فرضيه ان الشخص المنتحر كان لديه ترف الخيار والتفكير.

ومع ذلك،

التسليم بهذه الفرضيات فيه الكثير من التسرع،

ذلك لان دول العالم الثالث وبشكل خاص الدول العربية ليس لديها نظام توثيق فعال،

وتفتقر للشفافيه وللاحصاءات الدقيقه،

وربما لديها حالات انتحار اكثر مما نعرف،

ولكن يتم التستر عليها،

او اهمالها،

حيث في كثير من الاحيان يتم اخفاء اسباب الوفاه,

او يتم دفن الميت بحجه اكرامه دون تشخيص سبب الوفاه الحقيقي وبحضور طبيب شرعي.

الخلاصه

الانتحار ممارسه غير مسؤوله من شخص فقد القدره على المواجهه واختار الهروب،

لكن هذه الظاهره المؤسفه موجوده في كافه المجتمعات الانسانيه على حد سواء.

الارقام التي تزعم بان معدلات الانتحار في الدول الصناعيه هي الاعلى غير دقيقه،

ذلك لان دول العالم الثالث تفتقر لنظم الاحصاء والتوثيق،

وبالتالي فان المقارنة غير موضوعيه.

الفرق بين الدول المتقدمه والمتخلفه لا يكمن في نظام التوثيق وحسب؛

بل والاهم من ذلك في كيفية التصرف تجاه ظاهره الانتحار وغيرها من الظواهر السلبيه،

فمثلا يستفيد المختصون من تلك الاحصاءات في البحث عن سبل معالجه هذه الظاهره،

وبشكل علني وفعال،

على عكس ما يحدث في الدول المتخلفه.

وحتى ردود افعال المجتمع تكون مختلفه.

في الدول المتحضره وفي مقدمتها السويد سرعان ما يلحظ الزائر حسن التنظيم ودقته في الشوارع والمؤسسات وفي سلوك الناس،

وفي اداء الحكومة وخدماتها،

وتعاملها مع المواطنين،

فمثلا لا ترى جنديا بسلاحه ولا حتى شرطي المرور،

ومع ذلك فان النظام والقانون يطبق بكل احترام.

بينما في الدول المتخلفه ومن بينها بلداننا العربية فان مظاهر الفوضى والعنف والقذاره وغياب القانون تجدها بكل وضوح بعد خمسه دقائق من دخولك لاي بلد عربي.

واذا ما تعمقت اكثر في حياة الناس الاجتماعيه ستسمع كل ما هو عجيب وغريب من قصص واحداث ومشاكل مجتمعيه،

وستصدم بما تراه من امراض نفسيه وسلوكيات غير سويه وظواهر سلبيه وعقليات متخلفه … وحتى افرازات النظام الراسمالي وسلبيات المجتمعات الصناعيه ستجدها في الدول العربية مع فارق بسيط،

انها مجتمعات استهلاكيه غير منتجه،

اخذت من الغرب اسوا ما فيه،

وتركت كل ما يمكن ان يكون مفيدا وصالحا.

وهذا لا يعني ابدا ان كل الناس في البلدان العربية على نفس الشاكله،

وهذا ليس جلدا للذات،

او ترفعا عن المجتمع،

او الادعاء باكتشاف ظواهر غير معروفة .

.

كل من يعيش في البلدان العربية يعرف تماما كم نحن متخلفون.

وفي نفس الوقت هذا الكلام لا يعني ابدا ان المجتمعات الغربيه خاليه من العيوب والمشاكل،

وان الانسان فيها يحيا حياة سعيده.

لا شك ان من يبحث ويتعمق في المجتمعات الغربيه عامة بما فيها السويد وبعد ان يتخلص من تاثير المفاجاه،

ومن حالة الانبهار بالتنظيم والنظافه وجمال المناظر … سيجد فيها الكثير من السلبيات والمساوئ والعيوب،

ليس لانه لا يوجد مجتمع مثالي في العالم،

وحسب؛

بل لانها مجتمعات صناعيه راسماليه يختبئ في وسطها نظام متوحش،

وقد ازدادت هذه الانظمه توحشا في ظل نظام العولمه،

في هذه المجتمعات يعاني المواطن من ازمات عديده،

ومن شعور بالاغتراب الذاتي،

وحتى الحريه التي طالما تغنى بها النظام الراسمالي،

سرعان ما يتكشف وجهها الحقيقي،

فاذا بها عبوديه لمعظم طبقات المجتمع؛

عبوديه ناجمه عن استغلال الطبقات لبعضها،

وعن صراع الفرد مع المجتمع،

المجتمع الذي يشعر فيه الانسان بضالته امام الاله،

وامام المدينه التي تبتلعه دون ان يشعر به احد.

المفارقه اذا كانت فعلا مفارقه ان الهاربين من جحيم بلدانهم المؤمنه ومن نيران حروبهم الاهليه ليس عليهم سوى دخول الحدود السويديه الكافره وتسليم انفسهم لاقرب مخفر شرطه،

ليعرفوا حينها وربما لاول مره المعنى الحقيقي لاحترام الانسان.

  • الانتحار في السويد
  • ظاهرة الانتحار في السويد
  • الانتحار فى السويد
  • نسبة الانتحار في السويد
  • هل هو صحيح أن معدلات الانتحار في السويد
280 views

الانتحار في السويد