7:59 صباحًا الإثنين 18 فبراير، 2019








الانتحار في السويد

الانتحار في السويد

 

ذكرت تقارير صحافيه عديده صادره عن جهات مختلفه ان “السويد” تاتى في مقدمه دول العالم في معدلات الانتحار.

و هى ظاهره بالاضافه لكونها مقلقه تستحق الوقوف امامها طويلا،

و البحث في اسبابها و مسبباتها،

و لكن،

قبل تحليل دلالاتها و ابعادها ينبغى التاكد اولا من مدي مصداقيه هذه التقارير.

وجه الغرابه في هذه التقارير،

ان بلدا ينعم بالامن و الاستقرار و الرفاهيه اكثر من اي بلد اخر في العالم من المفترض ان يكون مواطنيه راضين و سعداء،

فلماذا ينتحر اي منهم و لديه كل اسباب الحياه الكريمه و مقوماتها

!

فاذا كان هذا ما يحدث مع شعب السويد المترف؛

فماذا ابقوا لشعوب العالم الثالث الذين لديهم الف سبب للانتحار

!

ربما يكون مشهد الانتحار افظع و اغرب عمل يمكن ان يقدم عليه اي انسان،

فهو من ناحيه يمثل قمه التراجيديه الانسانيه على مسرح الحياه حيث يكون فيها “بطل” المشهد هو القاتل و القتيل في نفس الوقت.

و من ناحيه ثانيه هو من بين اكثر الموضوعات اثاره للحيره و الدهشه اي الدهشه من تلك القوه الغريبه التى تسيطر على الانسان و تدفعه لانهاء حياته.

و اغرب ما في المشهد لحظه تنفيذ قرار الانتحار



اللحظه التى تمثل ذروه الماساة؛

حين يفقد المنتحر كل امل في الحياه و يختار طائعا او مكرها ان يغادرها على الفور.

الانتحار ليس بالظاهره الجديدة؛

فقد عرفتها الشعوب القديمه و ادخلتها طقوسها الدينيه و الفلسفية؛

فمثلا انقسم فلاسفه الاغريق حول الانتحار،

فيما اعتبر محاربو “الفايكنج” القدامي الموت الطبيعى امرا مهينا للمحارب؛

فاذا ما احس احدهم انه موشك على الموت فانه يضع حدا لحياته بنفسه بطريقه “لائقة”،

اما محاربو “الساموراي”،

فلقد لجئوا الى الانتحار على طريقه “الهاراكيري”،

فاذا ما احس مقاتل بانه سيقع في الاسر؛

فانه يقطع احشائه بسيفه.

و التاريخ قدم لنا ايضا العديد من الامثله عن حالات انتحار لشخصيات مرموقه لم تجد امامها خيارا حينما امتحنت كرامتها سوي الانتحار: هنيبعل،

و كليوباترا وزنوبيا و غيرهم.

الا ان الكرامه ليست السبب الوحيد للانتحار.

فهناك حالات انتحار لشخصيات ناجحه بالمعايير المجتمعيه السائده مثل الروائى الامريكى ارنست همنجواى ،



و الكاتب السويدى و ليام موبيرى ،



و الممثله الشهيره ما رلين مونرو .

وجاء في تقرير اصدرته منظمه الصحه العالميه بان اكثر من مليون و 200 الف شخص يقدمون على الانتحار في العالم سنويا.

و كشف التقرير الذى صدر في العام 2019 ان اعمار غالبيه الفئات المنتحره تتراوح ما بين 15 ~ 45 عاما،

و ان الامراض النفسيه و الذهنيه كالاكتئاب،

و انفصام الشخصيه و الوسواس القهري،

و الادمان على الكحول و المخدرات تاتى في مقدمه اسباب الانتحار،

يليها اسباب اجتماعيه و نفسيه اخري مثل الفشل في الدراسه او انهيار علاقه عاطفيه او البطاله او الافلاس،

و ايضا هناك الامراض المزمنه و المستعصيه و الفراغ و الوحده و الياس،

و القلق .

.

و كلها دوافع لاقدام الكثيرين في القارات الخمس على الانتحار بارادتهم “المهزوزة” او “القوية” .

.

لا فرق.

ومع ان الكثير من هذه الاسباب موجوده في المجتمع،

و يعانى منها اغلب الناس،

لكنهم يتعاطون معها بطرق و درجات متفاوته و قله قليله منهم تختار “الانتحار”،

ذلك لانه ليس بالقرار السهل الذى يمكن ان يتخذه الانسان كل يوم.

لهذا فان البعض اعتبر الشخص المنتحر شجاع و ذو اراده صلبه لم يقبل بان تمتهن كرامته،

فاختار الموت على حياه بلا معنى.

بينما اعتبر اخرون ان المنتحر جبان و انانى و ذو شخصيه مهزوزه و غير قادر على المواجهه فاختار الهروب.

و منهم من راى في المنتحر شخص مضحي،

اراد ان يعبر عن احتجاجه على قضيه ما ،



و لكن بالتضحيه بحياته.

و بالرغم من هذا الخلاف الا ان المجتمعات الانسانيه كلها ترفض الانتحار و تدينه،

و الديانات السماويه كلها شددت على تحريم الانتحار،

و الاسلام اعتبر الانتحار نوعا من قتل النفس التى حرم الله.

علماء النفس و علماء الاجتماع،

كتبوا الكثير عن هذه القضيه و من خلال تقسيمهم المنتحرين الى فئات عمريه و جنسيه و الى طبقات و شرائح اجتماعيه و مستويات تعليميه و ما ديه و تحليل البيانات و الاحصاءات المتعلقه بهذا الموضوع،

توصلوا لنتائج عديده اهمها ان العوامل النفسيه الضاغطه التى توصل الشخص للانتحار من الصعب اختزالها في عامل واحد،

او ارجاعها لسبب محدد،

او حصرها في منطقه ما دون غيرها.

وبالرجوع للتقارير الصحافيه و المقالات التى تحدثت عن نسب الانتحار في الدول المختلفه نجد ان اغلبها اجمعت على ان “السويد” تحتل المرتبه الاولي في نسب الانتحار في بورصه الانتحار العالمية.

و لكن بالتدقيق نجد الكثير من التباينات و التناقضات بين هذه التقارير،

كما نجد المبالغات و الارقام غير المنطقيه و التفسيرات السطحيه المجتزاه التى تري الحقيقه بعين واحده و بجكم مسبق.

ومع ذلك،

لا احد ينكر – بما في ذلك المصادر الرسميه السويديه – ان ظاهره الانتحار موجوده فعلا في الدول الاسكندينافيه بمعدلات مقلقه لكن الخلاف حول اسباب هذه الظاهرة؛

باحثين كثر اعتبروا ان الفراغ الروحى و الملل و الخواء الفكرى اهم دوافع الانتحار في تلك البلدان،

حيث تؤدى تلك العوامل الى التيه و الضياع و تعميق الشعور بالوحده و بالتالى فقدان حافز الاستمرار في الحياة.

و اخرين اضافوا قله الوازع الديني؛

حيث ان غالبيه السويديين لا علاقه لهم بالدين،

و لا يرتادون الكنيسه و لا يؤمنون بالله.

ولكن الفراغ الروحى و الازمات النفسيه و ضغوطات الحياه ليست حكرا على السويد؛

انها نتاج الراسماليه و هى موجوده في كل المجتمعات الصناعيه تقريبا.

و بالنسبه للوازع الدينى هناك مجتمعات لا دينيه كثيره حول العالم،

و مع ذلك لم تركز التقارير على معدلات الانتحار فيها،

كما ركزت على السويد.

واذا ما استبعدنا العوامل الماديه و الاقتصاديه كاسباب محتمله للانتحار،

نظرا لان الدول الاسكندينافيه وفى مقدمتها السويد توفر الدعم المادى و السكن و فرص العمل و التعليم المجانى و التامين الصحى و الرعايه الاجتماعيه لكافه الفئات المجتمعيه لا يبق امامنا سوي البحث في التفسير البيولوجى لشعوب تلك الدول و البيئه المناخيه التى يعيشون فيها لعلنا نجد فيهما الجواب.

و معروف ان تلك البلدان تعيش شتاءات طويله و شديده البروده يترافق معها احتجاب شبه كامل للشمس لفترات طويله جدا،

و بالتالى ربما تكون هذه الظاهره هى المسئوله عن زياده اعداد المنتحرين،

حيث تبعث الظلمه على الاكتئاب،

و تسبب الغمه في النفوس.

و بما ان معدلات المنتحرين في تلك الدول في الصيف هى تقريبا نفسها معدلات انتحار نظرائهم في الشتاء،

فان تفسير ذلك يعود لطول فترات ظهور الشمس،

الامر الذى يؤدى الى خلل و اضطرابات في الساعه البيولوجيه للانسان في الصيف و الشتاء)،

يتسبب بعدم انتظام ساعات النوم،

و بالتالى اختلال توازن الدماغ،

ينشا عنه تعب و ارهاق نفسى قد يصل الى حد الاكتئاب.

لكن الملاحظ ان اغلبيه الناس تمارس الرياضه و تشارك في النشاطات التطوعيه بكثرة.

وعلي ما يبدو ان اغلب التقارير و الدراسات التى زعمت ان السويد تتربع على قمه معدلات الانتحار في العالم،

هى تقارير موجهه ذات دوافع ايديولوجيه و سياسيه و اضحه تريد ان توصل الينا رساله مفادها ان نظام الحكم في السويد فاشل،

و ان الرخاء و الرفاهيه تدفع الناس للانتحار،

و بالتالى فهى “كماليات” غير مطلوبه مع التاكيد على ان نماذج الحكم في العالم الثالث هى الافضل،

(سواء الانظمه القائمه فعليا،

او الانظمه الافتراضيه التى تنتظر فرصتها في الحكم)،

حيث لا يقبل رعايا هذه الانظمه على الانتحار.

ولزياده التاكيد على ان نموذج الحكم السويدى فاشل و غير صالح،

و انه بحد ذاته بيئه مفرخه للمنتحرين،

داب كثير من الكتاب على التنقيب على مثالب و مساوئ اخري في المجتمع السويدي،

مع شيء من المبالغه من خلال استعراض تقارير و اخبار تتحدث عن الجرائم و المخدرات،

او عن حالات التحرش و الاعتداء الجنسي،

او تلك التى تصف تفكك الاسره و انحلال المجتمع،

و سقوط القيم الاخلاقيه و خواء الانسان و ضياعه …

القضيه هنا ليست دفاعا عن السويد،

و لا عن النظام الراسمالى .

.

انها قراءه في عقليه منهجيه تجد في اخطاء الاخرين عزاء لها،

و تغطيه على فشلها.

فلا شك ان مناظر السويد الخلابه تخفى و رائها الكثير من السلبيات و المثالب،

و انه بالرغم من جهود الدوله و برامجها الهادفه لخدمه المواطنين،

الا ان الانسان فيها ما زال يعانى من الازمات النفسيه و ضغوطات الحياه الخانقه التى قد تدفع بالبعض للانتحار.

و في هذا دليل بان الحضاره الغربيه الراسمالية ما زالت عاجزه عن تحقيق سعاده الانسان.

و بالتعمق اكثر في الادبيات الماركسيه و الاشتراكيه و الاسلاميه سنجد كل عيوب الراسماليه على اقبح ما تكون.

لكن الدول الاسكيندنافيه عامه قدمت نموذجا مختلفا في الاقتصاد الراسمالي؛

نموذجا فيه الكثير من الاشتراكيه و العداله الاجتماعيه و الانصاف في توزيع الثروه و حقوق العمال،

و شفافيه الدولة.

(رئيس الوزراء السويدى السابق،

“يوران برشون”،

اضطر للانتظار اكثر من سته اشهر كى ياتيه الدور لاجراء عمليه جراحيه في العمود الفقري).

بعض الدراسات اشارت الى ان نسبه الانتحار في الدول العربيه و الاسلاميه هى الاقل.

البعض ارجع ذلك لموقف الاسلام المتشدد بتحريم الانتحار.

لكن الاسلام حرم ايضا القتل و السرقه و الكذب و الغش… و مع ذلك فان كثير من الناس في المجتمعات الاسلاميه تمارس هذه الموبقات اكثر من غيرها



بعض المفسرين اوضحوا هذا التناقض معتبرين ان المؤمن حين يقدم على اقتراف اي معصيه فانه يبرر لنفسه ذلك،

علي امل انه سيعيش طويلا الى ان يجد الفرصه للتكفير عن اخطائه،

اما المنتحر فلن يجد اي فرصه للتوبة.

لكن هذه التفسيرات تنطلق من فرضيه ان الشخص المنتحر كان لديه ترف الخيار و التفكير.

ومع ذلك،

التسليم بهذه الفرضيات فيه الكثير من التسرع،

ذلك لان دول العالم الثالث وبشكل خاص الدول العربية ليس لديها نظام توثيق فعال،

و تفتقر للشفافيه و للاحصاءات الدقيقه و ربما لديها حالات انتحار اكثر مما نعرف،

و لكن يتم التستر عليها،

او اهمالها،

حيث في كثير من الاحيان يتم اخفاء اسباب الوفاه او يتم دفن الميت بحجه اكرامه دون تشخيص سبب الوفاه الحقيقى و بحضور طبيب شرعي.

الخلاصة

الانتحار ممارسه غير مسؤوله من شخص فقد القدره على المواجهه و اختار الهروب،

لكن هذه الظاهره المؤسفه موجوده في كافه المجتمعات الانسانيه على حد سواء.

الارقام التى تزعم بان معدلات الانتحار في الدول الصناعيه هى الاعلي غير دقيقه ذلك لان دول العالم الثالث تفتقر لنظم الاحصاء و التوثيق،

و بالتالى فان المقارنه غير موضوعية.

الفرق بين الدول المتقدمه و المتخلفه لا يكمن في نظام التوثيق و حسب؛

بل و الاهم من ذلك في كيفيه التصرف تجاه ظاهره الانتحار و غيرها من الظواهر السلبيه فمثلا يستفيد المختصون من تلك الاحصاءات في البحث عن سبل معالجه هذه الظاهره و بشكل علنى و فعال،

علي عكس ما يحدث في الدول المتخلفة.

و حتى ردود افعال المجتمع تكون مختلفة.

فى الدول المتحضره وفى مقدمتها السويد سرعان ما يلحظ الزائر حسن التنظيم و دقته في الشوارع و المؤسسات و في سلوك الناس،

و في اداء الحكومه و خدماتها،

و تعاملها مع المواطنين،

فمثلا لا تري جنديا بسلاحه و لا حتى شرطى المرور،

و مع ذلك فان النظام و القانون يطبق بكل احترام.

بينما في الدول المتخلفه ومن بينها بلداننا العربية فان مظاهر الفوضي و العنف و القذاره و غياب القانون تجدها بكل و ضوح بعد خمسه دقائق من دخولك لاى بلد عربي.

و اذا ما تعمقت اكثر في حياه الناس الاجتماعيه ستسمع كل ما هو عجيب و غريب من قصص واحداث و مشاكل مجتمعيه و ستصدم بما تراه من امراض نفسيه و سلوكيات غير سويه و ظواهر سلبيه و عقليات متخلفه … و حتى افرازات النظام الراسمالى و سلبيات المجتمعات الصناعيه ستجدها في الدول العربيه مع فارق بسيط،

انها مجتمعات استهلاكيه غير منتجه اخذت من الغرب اسوا ما فيه،

و تركت كل ما يمكن ان يكون مفيدا و صالحا.

وهذا لا يعنى ابدا ان كل الناس في البلدان العربيه على نفس الشاكله و هذا ليس جلدا للذات،

او ترفعا عن المجتمع،

او الادعاء باكتشاف ظواهر غير معروفه .

.

كل من يعيش في البلدان العربيه يعرف تماما كم نحن متخلفون.

و في نفس الوقت هذا الكلام لا يعنى ابدا ان المجتمعات الغربيه خاليه من العيوب و المشاكل،

و ان الانسان فيها يحيا حياه سعيدة.

لا شك ان من يبحث و يتعمق في المجتمعات الغربيه عامه بما فيها السويد و بعد ان يتخلص من تاثير المفاجاه و من حاله الانبهار بالتنظيم و النظافه و جمال المناظر … سيجد فيها الكثير من السلبيات و المساوئ و العيوب،

ليس لانه لا يوجد مجتمع مثالى في العالم،

و حسب؛

بل لانها مجتمعات صناعيه راسماليه يختبئ في و سطها نظام متوحش،

و قد ازدادت هذه الانظمه توحشا في ظل نظام العولمه في هذه المجتمعات يعانى المواطن من ازمات عديده و من شعور بالاغتراب الذاتي،

و حتى الحريه التى طالما تغني بها النظام الراسمالي،

سرعان ما يتكشف و جهها الحقيقي،

فاذا بها عبوديه لمعظم طبقات المجتمع؛

عبوديه ناجمه عن استغلال الطبقات لبعضها،

و عن صراع الفرد مع المجتمع،

المجتمع الذى يشعر فيه الانسان بضالته امام الاله و امام المدينه التى تبتلعه دون ان يشعر به احد.

المفارقه اذا كانت فعلا مفارقة ان الهاربين من جحيم بلدانهم المؤمنة و من نيران حروبهم الاهليه ليس عليهم سوي دخول الحدود السويديه الكافرة و تسليم انفسهم لاقرب مخفر شرطه ليعرفوا حينها وربما لاول مرة المعني الحقيقى لاحترام الانسان.

  • الانتحار في السويد
  • ظاهرة الانتحار في السويد
  • الانتحار فى السويد
  • نسبة الانتحار في السويد
  • هل هو صحيح أن معدلات الانتحار في السويد
324 views

الانتحار في السويد