3:13 مساءً الأربعاء 20 مارس، 2019

الانشاء فصل الربيع

فصل الربيع من اعدل الفصول و اجملها ، ليله و نهاره معتدلان بين الحر و البرد، و نسيمه معتدل بين اليبوسه و الرطوبه و شمسه معتدله في العلو و الهبوط ، و قمره معتدل في اول درجه من الليالى البيض ، قال بعض العلماء كانت ولاده النبى صلى الله عليه و سلم في شهر ربيع الاول و في فصل الربيع ايضا، و انشد في ذلك:

يقول لسان الحال منه و قول الحق يعذب للسميع

فوجهى و الزمان و شهر وضعى ربيع في ربيع في ربيع

فالربيع حديقه غناء و جمال ساحر، يشهد للحق في سره، ويناجى الخالق بروعه دلاله و بهجه جماله، كان ما ده شعريه للشعراء، سحرهم بجماله و بهرهم بدلاله فجادت قرائحهم اجمل الاشعار و اروع الكلمات فقال الشاعر صفى الدين الحلي:

خلع الربيع على غصون البان حللا فواضلها على الكثبان

ونمت فروع الدوح حتى صافحت كفل الكثيب ذوائب الاغصان

وتتوجت هام الغصون و ضرجت خد الرياض شقائق النعمان

وقال الشاعر مصطفي بطران:

سكب الربيع على الزمان جمالا و سري الجمال على التلال تلالا

لا لست انكر ان سحرك رائع و بديع حسنك قد حباك جمالا

سر و انطلق ها لون زهرك ناضر و عبير و ردك كم يفوح زلالا

وقال ابن خاتمه الانصاري:

اهلا بايام الربيع و طيبها انس الخليع و نزهه المتبتل

فالربيع يانس به الفقير الذى يري في جماله ما يعوضه عن الحرمان و في ضحكته ما يجدد في نفسه الامال ، و في نسماته عبير المستقبل ، و هو روضه للعابدين و انس للموحدين و سعاده للمشتاقين، يرون الجمال في الخلق فيسبحون الخالق، و التجدد في الازهار فتتجدد لهم الامال بغد ايمانى تتفتح فيه ازاهير الطاعات في نفوسهم ، فلا يجد كل منهم نفسه الا و هو يتساءل مع الشاعر مصطفي بطران:

من يا تري اعطاك اكبر قوه عجبا و حقا هل اروم سؤالا

من ذا الذى سواك تبعث بهجه في العالمين و تسعد الاحوال

ثم يجيب على لسان كل موحد و كل مؤمن ليكشف سر جمال الربيع

انا يا ربيع اراك نفحه خالق و هب الحياه محبه و جلالا

ان الذى سواك رب مبدع يهب الجمال لمن يشاء جمالا

فاني و جدت الجمال فاسال عن مبدعه و اني رايت الصنعه فاسال عن صانعها، لا تجعل الجمال يحول بينك و بين من سواه، و لا تشغل نفسك بالرساله و تغفل عن مرسلها.

فالربيع له رساله يبعث بها عبر نسماته و ازهاره و عبيره ، رساله من كلمات:

اولا: يحكى بلسان حاله حكايه الانسان، و تغير احواله، كيف و جد و كيف كبر و كيف شب ثم كيف عاد الكره الى ضعف و ذبول ثم موت ثم بعث من جديد، كل و رده من و ردات الربيع و كل زهره من زهراته و كل نسمه من نسماته هى شريط مصور، هى تاريخ متحرك هى سيره خلق تخاطب كل عاقل: اعلموا انما الحياه الدنيا لعب و لهو و زينه و تفاخر بينكم و تكاثر في الاموال و الاولاد كمثل غيث اعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما و في الاخره عذاب شديد و مغفره من الله و رضوان و ما الحياه الدنيا الا متاع الغرور الحديد: 20)، و اضرب لهم مثل الحياه الدنيا كماء انزلناه من السماء فاختلط به نبات الارض فاصبح هشيما تذروه الرياح و كان الله على كل شيء مقتدرا}‏، الكهف: الايه 45)‏.

رساله تقول: كل من عليها فان و يبقي وجه ربك ذو الجلال و الاكرام الرحمن: الايه 26)، فالبقاء لله تعالى خالق الجمال و مبدع الالوان ، فهو حى لا يموت ، لا يحول و لا يزول، روي البخارى و مسلم عن ابن عباس رضى الله عنهما ان رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يقول: ” اللهم لك اسلمت ، و بك امنت ، و عليك توكلت ، و اليك انبت، و بك خاصمت، اللهم انى اعوذ بعزتك لا اله الا انت ان تضلني، انت الحى الذى لا يموت و الجن و الانس يموتون” .

ثانيا: ان الجمال يحمل نقيضه ، و الحسن يخفى ضده، ففى مقاله نشرها المركز الفلسطينى للاعلام على الانترنت تكلم فيها كاتبها عن نباتات الربيع و منها نبات اللوف و يحمل الاسم العلمى لوف فلسطيني ، و تحمل هذه النبته تناقضات كثيره داخلها ، فهى خضراء غامقه بشكل جميل و ساطع ، و في الوقت ذاته فان اوراقها تبدو خشنه ، و الاغرب انها سامه بجميع اجزائها ، و رغم ذلك فان هناك من يبحث عنها لياكلها و تشكل طبقا مفضلا لدي كثير من الفلاحين الفلسطينيين .

وعززت معلومات نشرت عنها كنبته مقاومه للسرطان ، الى اقدام اجيال شابه بالبحث عنها، و اختراع اطباق مختلفه منها تختلف عن تلك التقليديه التى تجيد طهيها كبيرات السن، و يقول ابو حسن عوينه و هو خبير اعشاب: ان اللوف مقاوم فعلا لامراض السرطان، وان فوائده الطبيه معروفه للعرب منذ القدم، و يضيف انه بعد تجفيفه فانه يصبح غير سام ، و يتم طهيه بعد تجفيفه للتخلص من سميته و للتخفيف من دسمه.

فالطبيعه الجميله هى سلاح ذو حدين، فهى هدايه لمن نظر اليها بعين الحكمه و هى غوايه لمن غفل عن الحكمه فيها ، شانها كشان نبات اللوف جميل المنظر نافع لعلاج الامراض لمن اهتدي للسر المودع فيه، و لكنه خشن الملمس سم قاتل لمن غفل عن سره و اشتغل بمظهره.

ثالثا: ان التغير في الطبيعه من تنقل الفصول و تلون الزهور و تفتح الورود كل ذلك شاهد توحيد و برهان ايمان، فالطبيعه الجميله تشير بلسان الحال لمبدعها و تهدى في تغير الاحوال لخالقها:

تامل سطور الكائنات فانها من الملك الاعلي اليك رسائل

وقد خط فيها لو تاملت خطها الا كل شيء ما خلا الله باطل

تشير باثبات الصفات لربها فصامتها يهدى و من هو قائل

ومن الحوارات التمثيليه التى تبرز هذا المعني ما افترضه بديع الزمان النورسى من حوار بين شخص يمثل الشرك بانواعه و يتحدث باسم الاسباب الماديه و الفلسفه الضاله و يقابله المخلوقات التى شهدت بلسان حالها حكمه البارى و حسن تنظيمه، فيقول المشرك:

– انتم ايها البشر تبدون في فوضى، فلا اري نظاما ينظمكم، فانا لكم رب و ما لك ، او في الاقل لى حصه فيكم، فرد عليه حالا نوع الانسان بلسان الحق و الحقيقه و بلغه الحكمه و الانتظام: ان كنت ربا و ما لكا – ايها المدعى فاين قدرتك التى تمكنك ان تلبس الكره الارضيه حله قشيبه ملونه بالوان زاهيه منسوجه بكمال الحكمه بخيوط انواع النباتات و الحيوانات التى تزيد على ما ئه الف نوع الشبيهه بنوعنا الانساني، و تكون بوسعها نسج ذلك البساط البديع المفروش على الارض من خيوط مئات الالاف من انواع الكائنات الحيه و التى هى في ابدع نقش و اجمله. و فضلا عن خلق هذا البساط الرائع، تجدده دوما و بحكمه تامة!

ثم يذهب ذلك المدعى الى البساط الزاهى المفروش على وجه الارض و الحله القشيبه المزينه التى البست، فخاطبه باسم الاسباب و بلغه الطبيعه و لسان الفلسفة: اننى اتمكن من التصرف في شؤونك ، فانا اذن ما لك لك و لى حظ فيك في الاقل.

فيتكلم البساط المزركش و الحله القشيبه بلغه الحقيقه و بلسان الحكمه المودعه فيهما:ان كانت لك قدره نافذه و اتقان بديع يجعلانك تنسج كل هذه البسط المفروشه و الحلل البهيه التى تخلع على الارض بعدد القرون و السنين ثم تنزعها عنها بنظام تام و تنشرها على حبل الزمان الماضي، و من بعد ذلك تخيط ما تخلع عليها من حلل زاهره بنقوشها و تفصل تصاميمها في دائره القدر.. و كذا ان كنت ما لكا ليد معنويه ذات قدره و حكمه بحيث تمتد الى كل شيء ابتداء من خلق الارض الى دمارها، بل من الازل الى الابد، فتجدد و تبدل افراد لحمه بساطى هذا و سداه.. و كذا ان كنت تستطيع ان تقبض على زمام الارض التى تلبسنا و تكتسى بنا و تتستر.. نعم ان كنت هكذا فادع الربوبيه علي.. و الا فاخرج مذموما مدحورا من الارض. فليس لك مقام هنا؛ اذ فينا من تجليات الوحدانيه و اختام الاحديه بحيث من لم يكن كل الكائنات في قبضه تصرفه و لم ير كل الاشياء بجميع شؤونها دفعه واحده و لم يستطع ان يعمل امورا لا تحد في ان واحد، و لم يكن حاضرا ورقيبا في كل مكان و منزها عن المكان و الزمان.. لا يتمكن ان يكون ما لكا لنا ابدا، بل لا يمكن ان يتدخل في امورنا مطلقا. اي من لم يكن ما لكا لقدره مطلقه و حكمه مطلقه و علم مطلق، لا يمكن ان يتحكم فينا و يدعى المالكيه علينا.

رابعا: ان الجمال في الربيع يجعل النفوس تتشوف الى من ابدعه وان الحسن يجعل الارواح تشتاق الى اصله وان النظام يحرك العقل و القلب الى قانونه، فينتقل المتامل من الطبيعه الى خالقها و من الجمال الى مبدعه فتتعلق النفوس بصفات الخالق في جمالها و كمالها يقول بديع الزمان النورسى في احدي اشاراته: ” ان محبتك للاشياء الجميله و للربيع، اي نظرك اليها من زاويه قولك: ما اجمل خلقه! و توجيه محبتك الى ما و راء ذلك الشيء الجميل من جمال الافعال و انتظامها، و الى ما و راء تلك الافعال المنسقه من جمال تجليات الاسماء الحسنى، و الى ما و راء تلك الاسماء الحسني من تجليات الصفات الجليله و هكذا.. ان نتيجه هذه المحبه المشروعه هي: مشاهده جمال اسمي من ذلك الجمال الذى شاهدته في المصنوعات بالوف الوف المرات. اي مشاهده تجليات الاسماء الحسني و جمال الصفات الجليله بما يليق بالجنه و دار البقاء” .

فالحجاب الذى يمنع الانسان من رؤيه الجمال السامى و مشاهده التجليات الجليله هو حجاب الغفله من الناظر ، ينظر ببصره لا ببصيرته و بعين راسه لا بعين قلبه، و بعين الاسباب و الطبيعه لا بعين الحكمه و التوحيد، فاذا تامل بتدبر و نظر بتفكر اهتدي الى الجمال الحقيقى و عاش حياه تناسق و تناغم بينه و بين الطبيعه لا تحجبه عن الله و لا تمنعه من رؤيه مولاه ، بل يراه في كل زهره او و رده من رياض الربيع، و اذ به يردد مع ابن عطاء السكندرى في حكمه: ” كيف يتصور ان يحجبه شيء و هو الذى اظهر كل شيء كيف يتصور ان يحجبه شيء و هو الذى ظهر بكل شيء كيف يتصور ان يحجبه شيء و هو الذى ظهر في كل شيء كيف يتصور ان يحجبه شيء و هو الذى ظهر لكل شيء كيف يتصور ان يحجبه شيء و هو الظاهر قبل وجود كل شيء كيف يتصور ان يحجبه شيء و هو اظهر من كل شيء كيف يتصور ان يحجبه شيء و هو الواحد الذى ليس معه شيء كيف يتصور ان يحجبه شيء و هو اقرب اليك من كل شيء، كيف يتصور ان يحجبه شيء و لولاه ما كان وجود كل شيء .

208 views
الانشاء فصل الربيع