3:53 صباحًا الثلاثاء 20 نوفمبر، 2018

الانشاء فصل الربيع


فصل الربيع من اعدل الفصول واجملها ،



ليلة ونهاره معتدلان بين الحر والبرد،

ونسيمه معتدل بين اليبوسه والرطوبه،

وشمسه معتدله في العلو والهبوط ،



وقمره معتدل في اول درجه من الليالي البيض ،



قال بعض العلماء كانت ولاده النبي صلى الله عليه وسلم في شهر ربيع الاول وفي فصل الربيع ايضا،

وانشد في ذلك:

يقول لسان الحال منه وقول الحق يعذب للسميع

فوجهي والزمان وشهر وضعي ربيع في ربيع في ربيع

فالربيع حديقه غناء وجمال ساحر،

يشهد للحق في سره،

ويناجي الخالق بروعه دلاله وبهجه جماله،

كان مادة شعريه للشعراء،

سحرهم بجماله وبهرهم بدلاله فجادت قرائحهم اجمل الاشعار واروع الكلمات فقال الشاعر صفي الدين الحلي:

خلع الربيع على غصون البان حللا فواضلها على الكثبان

ونمت فروع الدوح حتى صافحت كفل الكثيب ذوائب الاغصان

وتتوجت هام الغصون وضرجت خد الرياض شقائق النعمان

وقال الشاعر مصطفى بطران:

سكب الربيع على الزمان جمالا وسرى الجمال على التلال تلالا

لا لست انكر ان سحرك رائع وبديع حسنك قد حباك جمالا

سر وانطلق ها لون زهرك ناضر وعبير وردك كم يفوح زلالا

وقال ابن خاتمه الانصاري:

اهلا بايام الربيع وطيبها انس الخليع ونزهه المتبتل

فالربيع يانس به الفقير الذي يرى في جماله ما يعوضه عن الحرمان وفي ضحكته ما يجدد في نفسه الامال ،



وفي نسماته عبير المستقبل ،



وهو روضه للعابدين وانس للموحدين وسعادة للمشتاقين،

يرون الجمال في الخلق فيسبحون الخالق،

والتجدد في الازهار فتتجدد لهم الامال بغد ايماني تتفتح فيه ازاهير الطاعات في نفوسهم ،



فلا يجد كل منهم نفسه الا وهو يتساءل مع الشاعر مصطفى بطران:

من يا ترى اعطاك اكبر قوه عجبا وحقا هل اروم سؤالا

من ذا الذي سواك تبعث بهجه في العالمين وتسعد الاحوال

ثم يجيب على لسان كل موحد وكل مؤمن ليكشف سر جمال الربيع

انا يا ربيع اراك نفحه خالق وهب الحياة محبه وجلالا

ان الذي سواك رب مبدع يهب الجمال لمن يشاء جمالا

فانى وجدت الجمال فاسال عن مبدعه وانى رايت الصنعه فاسال عن صانعها،

لا تجعل الجمال يحول بينك وبين من سواه،

ولا تشغل نفسك بالرساله وتغفل عن مرسلها.

فالربيع له رساله،

يبعث بها عبر نسماته وازهاره وعبيره ،



رساله من كلمات:

اولا:

يحكي بلسان حالة حكايه الانسان،

وتغير احواله،

كيف وجد وكيف كبر وكيف شب ثم كيف عاد الكره الى ضعف وذبول ثم موت ثم بعث من جديد،

كل ورده من وردات الربيع وكل زهره من زهراته وكل نسمه من نسماته هي شريط مصور،

هي تاريخ متحرك هي سيره خلق تخاطب كل عاقل:

اعلموا انما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينه وتفاخر بينكم وتكاثر في الاموال والاولاد كمثل غيث اعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفي الاخره عذاب شديد ومغفره من الله ورضوان وما الحياة الدنيا الا متاع الغرور الحديد:

20)،

واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء انزلناه من السماء فاختلط به نبات الارض فاصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا}‏،

الكهف:

الايه 45)‏.

رساله تقول:

{كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام الرحمن:

الايه 26)،

فالبقاء لله تعالى خالق الجمال ومبدع الالوان ،



فهو حي لا يموت ،



لا يحول ولا يزول،

روى البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول:

” اللهم لك اسلمت ،



وبك امنت ،



وعليك توكلت ،



واليك انبت،

وبك خاصمت،

اللهم اني اعوذ بعزتك لا اله الا انت ان تضلني،

انت الحي الذي لا يموت والجن والانس يموتون” .

ثانيا:

ان الجمال يحمل نقيضه ،



والحسن يخفي ضده،

ففي مقاله نشرها المركز الفلسطيني للاعلام على الانترنت تكلم فيها كاتبها عن نباتات الربيع ومنها



نبات اللوف ويحمل الاسم العلمي لوف فلسطيني ،



و تحمل هذه النبته تناقضات كثيرة داخلها ،



فهي خضراء غامقه بشكل جميل و ساطع ،



و في الوقت ذاته فان اوراقها تبدو خشنه ،



و الاغرب انها سامه بجميع اجزائها ،



و رغم ذلك فان هناك من يبحث عنها لياكلها و تشكل طبقا مفضلا لدى كثير من الفلاحين الفلسطينيين .

وعززت معلومات نشرت عنها كنبته مقاومه للسرطان ،



الى اقدام اجيال شابه بالبحث عنها،

و اختراع اطباق مختلفة منها تختلف عن تلك التقليديه التي تجيد طهيها كبيرات السن،

و يقول ابو حسن عوينه و هو خبير اعشاب:

ان اللوف مقاوم فعلا لامراض السرطان،

وان فوائده الطبيه معروفة للعرب منذ القدم،

و يضيف انه بعد تجفيفه فانه يصبح غير سام ،



و يتم طهيه بعد تجفيفه للتخلص من سميته و للتخفيف من دسمه.

فالطبيعه الجميلة هي سلاح ذو حدين،

فهي هدايه لمن نظر اليها بعين الحكمه وهي غوايه لمن غفل عن الحكمه فيها ،



شانها كشان نبات اللوف جميل المنظر نافع لعلاج الامراض لمن اهتدى للسر المودع فيه،

ولكنه خشن الملمس سم قاتل لمن غفل عن سره واشتغل بمظهره.

ثالثا:

ان التغير في الطبيعه من تنقل الفصول وتلون الزهور وتفتح الورود كل ذلك شاهد توحيد وبرهان ايمان،

فالطبيعه الجميلة تشير بلسان الحال لمبدعها وتهدي في تغير الاحوال لخالقها:

تامل سطور الكائنات فانها من الملك الاعلى اليك رسائل

وقد خط فيها لو تاملت خطها الا كل شيء ما خلا الله باطل

تشير باثبات الصفات لربها فصامتها يهدي ومن هو قائل

ومن الحوارات التمثيليه التي تبرز هذا المعنى ما افترضه بديع الزمان النورسي من حوار بين شخص يمثل الشرك بانواعه ويتحدث باسم الاسباب الماديه والفلسفه الضاله ويقابله المخلوقات التي شهدت بلسان حالها حكمه الباري وحسن تنظيمه،

فيقول المشرك:

– انتم ايها البشر تبدون في فوضى،

فلا ارى نظاما ينظمكم،

فانا لكم رب ومالك ،



او في الاقل لي حصه فيكم،

فرد عليه حالا نوع الانسان بلسان الحق والحقيقة وبلغه الحكمه والانتظام:

ان كنت ربا ومالكا – ايها المدعي فاين قدرتك التي تمكنك ان تلبس الكره الارضيه حله قشيبه ملونه بالوان زاهيه منسوجه بكمال الحكمه بخيوط انواع النباتات والحيوانات التي تزيد على مائه الف نوع الشبيهه بنوعنا الانساني،

وتكون بوسعها نسج ذلك البساط البديع المفروش على الارض من خيوط مئات الالاف من انواع الكائنات الحيه،

والتي هي في ابدع نقش واجمله.

وفضلا عن خلق هذا البساط الرائع،

تجدده دوما وبحكمه تامه!

ثم يذهب ذلك المدعي الى البساط الزاهي المفروش على وجه الارض والحله القشيبه المزينه التي البست،

فخاطبه باسم الاسباب وبلغه الطبيعه ولسان الفلسفه:

انني اتمكن من التصرف في شؤونك ،



فانا اذن مالك لك ولي حظ فيك في الاقل.

فيتكلم البساط المزركش والحله القشيبه بلغه الحقيقة وبلسان الحكمه المودعه فيهما:ان كانت لك قدره نافذه واتقان بديع يجعلانك تنسج كل هذه البسط المفروشه والحلل البهيه التي تخلع على الارض بعدد القرون والسنين ثم تنزعها عنها بنظام تام وتنشرها على حبل الزمان الماضي،

ومن بعد ذلك تخيط ما تخلع عليها من حلل زاهره بنقوشها وتفصل تصاميمها في دائره القدر..

وكذا ان كنت مالكا ليد معنويه ذات قدره وحكمه بحيث تمتد الى كل شيء ابتداء من خلق الارض الى دمارها،

بل من الازل الى الابد،

فتجدد وتبدل افراد لحمه بساطي هذا وسداه..

وكذا ان كنت تستطيع ان تقبض على زمام الارض التي تلبسنا وتكتسي بنا وتتستر..

نعم ان كنت هكذا فادع الربوبيه علي..

والا فاخرج مذموما مدحورا من الارض.

فليس لك مقام هنا؛

اذ فينا من تجليات الوحدانيه واختام الاحديه بحيث من لم يكن كل الكائنات في قبضه تصرفه ولم ير كل الاشياء بجميع شؤونها دفعه واحده،

ولم يستطع ان يعمل امورا لا تحد في ان واحد،

ولم يكن حاضرا ورقيبا في كل مكان ومنزها عن المكان والزمان..

لا يتمكن ان يكون مالكا لنا ابدا،

بل لا يمكن ان يتدخل في امورنا مطلقا.

اي من لم يكن مالكا لقدره مطلقه وحكمه مطلقه وعلم مطلق،

لا يمكن ان يتحكم فينا ويدعي المالكيه علينا.

رابعا:

ان الجمال في الربيع يجعل النفوس تتشوف الى من ابدعه وان الحسن يجعل الارواح تشتاق الى اصله وان النظام يحرك العقل والقلب الى قانونه،

فينتقل المتامل من الطبيعه الى خالقها ومن الجمال الى مبدعه فتتعلق النفوس بصفات الخالق في جمالها وكمالها



يقول بديع الزمان النورسي في احدى اشاراته:

” ان محبتك للاشياء الجميلة وللربيع،

اي نظرك اليها من زاويه قولك:

(ما اجمل خلقه! وتوجيه محبتك الى ما وراء ذلك الشيء الجميل من جمال الافعال وانتظامها،

والى ما وراء تلك الافعال المنسقه من جمال تجليات الاسماء الحسنى،

والى ما وراء تلك الاسماء الحسنى من تجليات الصفات الجليلة وهكذا..

ان نتيجة هذه المحبه المشروعه هي:

مشاهدة جمال اسمى من ذلك الجمال الذي شاهدته في المصنوعات بالوف الوف المرات.

اي مشاهدة تجليات الاسماء الحسنى وجمال الصفات الجليلة بما يليق بالجنه ودار البقاء” .

فالحجاب الذي يمنع الانسان من رؤية الجمال السامي ومشاهدة التجليات الجليلة هو حجاب الغفله من الناظر ،



ينظر ببصره لا ببصيرته وبعين راسه لا بعين قلبه،

وبعين الاسباب والطبيعه لا بعين الحكمه والتوحيد،

فاذا تامل بتدبر ونظر بتفكر اهتدى الى الجمال الحقيقي وعاش حياة تناسق وتناغم بينه وبين الطبيعه،

لا تحجبه عن الله ولا تمنعه من رؤية مولاه ،



بل يراه في كل زهره او ورده من رياض الربيع،

واذ به يردد مع ابن عطاء السكندري في حكمه:

” كيف يتصور ان يحجبه شيء وهو الذي اظهر كل شيء



كيف يتصور ان يحجبه شيء وهو الذي ظهر بكل شيء



كيف يتصور ان يحجبه شيء وهو الذي ظهر في كل شيء



كيف يتصور ان يحجبه شيء وهو الذي ظهر لكل شيء



كيف يتصور ان يحجبه شيء وهو الظاهر قبل وجود كل شيء



كيف يتصور ان يحجبه شيء وهو اظهر من كل شيء



كيف يتصور ان يحجبه شيء وهو الواحد الذي ليس معه شيء كيف يتصور ان يحجبه شيء وهو اقرب اليك من كل شيء،

كيف يتصور ان يحجبه شيء ولولاه ما كان وجود كل شيء



.

160 views

الانشاء فصل الربيع