3:50 مساءً السبت 23 سبتمبر، 2017

الان نادو عبدة الصفر

صور الان نادو عبدة الصفر

رواية ’عبدة الصفر’    للكاتب الفرنسي الآن نادو    الصفر الَّذِي هُو مِن وجهة نظر الرياضيين القدماءَ واصحاب الفلسفة والمعتقدات الدينية تعبير عَن نفي العدَد
وتصوير للاشيء واللاكم
هو مِن وجهة نظر الكاتب الفرنسي الآن نادو ’قد احدث ثورة حقيقية فِي نظام الفكر الانساني
كَما يتضح مِن النصوص الَّتِي تنقلنا تباعا مِن قمم الزهد الي مرارة العذاب والاشراق الروحي ومن غمرات الشك وتمزقاته الي التصميم علي بلوغ اليقين والوصول الي لب الاشياءَ
ولو ادي السعي فِي النِهاية الي اللاشيء’
  هَذا الكاتب الفرنسي الَّذِي عمل فِي السفارة الفرنسية فِي العراق
جعل احداث روايته تدور فِي الاسكندرية
ويستغرب وهو الَّذِي نهل مِن الثقافة العربية يستغرب هَذا التصادم بَين الحضارة العربية والغربية حيثُ النكران والنفور
وقد واجه نادو اراءَ نقاد عديدين بان روايته هِي رواية تؤكد علي الجانب التاريخي والفلسفي
وهو يشعر أنه لا يكتب رواية تاريخية
رغم أنه يتحدث عَن جماعة فيثاغورث الَّتِي امنت علي مدار الف عام بمعتقده فِي الاعداد
وتحويل الحروف الي ارقام
وتجعل الاعداد متعلقة بعالم روحاني غيبي
وتستنهض علاقة باطنية تربط الارقام والاعداد بشواهد كَونية لدرجة الاعتقاد ان الاعداد مِن اساس تركيب النظام الكوني
خاصة وان اصحاب الطرق الصوفية والزاهدين يرون فِي الاعداد والارقام علاقة مَع امور غيبية كَثِيرة
لذا يستخدمونها احيانا فِي اورادهم وعبادتهم وتحليلاتهم وتفسيرهم الباطني لظواهر الحيآة والاخرة والكون
  للرواية مقدمة هِي جُزء مِنها
يتحدث فيها الكاتب عَن كَشفه المقبرة الكبري فِي الاسكندرية
ويصف الاماكن ويكتشف فيها محفوظات طائفة عبدة الصفر
ويتبع ذلِك 25 وثيقة تنبني عَليها تقنية الرواية وبنائها
مِنها ما امتد لصفحات ومِنها ما كََان صفحة واحدة تبدا منذُ ابحار فيثاغورس الي مصر
والذي وجدت بياناته علي رسم جداري
الي مقتطفات مِن اطلس الطرق البحرية فِي اليونان القديمة ووصف فيه رحلة فيثاغورس مِن ساموس الي مصر
ووصوله الي نقراطيس وفيثاغورس هذا
يري الكاتب أنه ولد علي الارجح بَين 580 و 570 قَبل الميلاد لاب صائغ وام كََانت تعتبر اجمل النساءَ فِي ساموس
وتلقن مبادئ المعرفة والعلم علي يد فيريقيدس المعروف بالحكيم ؛ والذي الف كَتاب بعنوان ’المغارة’
اودعه تاملاته فِي اصول الكون ومبادئه
ورغم ان الكثيرين يرون فِي العمل الادبي ابداعا للغة ووصفها فِي قوالب تستهوي القارئ المتسرع أو المتامل
وابداعا للفكر بنسيج موشي مِن الكلمات والجمل
ويصفون عملا ابداعيا بان لغته حارة
او مركزة
موجزة
او مسهبة
بليغة أو ركيكة
رائعة أو ضحلة
فان رواية الآن نادو تسوق القارئ احيانا كَثِيرة الي افكار رياضية وفلسفية ووجودية وكونية
تصل حد الجفاف
وحد التساؤل هَل يُمكن ان يَكون هَذا السرد جزءا مِن النص الروائي وهل يُمكن ان يَكون تناول هَذه الموضوعات الَّتِي توصف بالجافة
والذهنية
ان تَكون ضمن عمل ابداعي وهل يتحَول السرد الروائي هكذا الي سرد اقرب الي عمل الرياضيات والفيزياءَ وينتفي مِنه حرارة الاحداث والاشخاص   ان القضايا الَّتِي تشغل الآن نادو هِي قضايا الكون والوجود والاعداد
ورحلة العالم الَّتِي مِن المستحيل الاحاطة بها وبكنهها
لذا يظل التخوف والتاويل والغموض يلف كَُل شيء
ويضفي علي الموجودات الحية تساؤلات عديدة
غامضة
بعيدة
عميقة
لا اجابات شافية
ويظل الجميع سائرون فِي الطريق المرسوم
  هَل يتحمل السرد الروائي هَذه العلاقات الجافة
وهل علي الروائي ان يتمكن مِن فهم هَذه العلائق الرياضية والفيزيائية والفلسفية وان يعَبر عنها ويستخدمها فِي نصوصه ام ان لكُل روائي قدراته وادواته
يقول الآن نادو فِي وثيقته الثانية ’توجه فيثاغورث الي سايس عَن طريق القنوات ولم يكف طوال الطريق عَن تامل الخاتم ومساءلة نفْسه تري ما هُو هَذا الانعكاس الغريب للقمر فِي مجرد حجر وكيف يُمكن للعنصر الاكمد ان يبلغ هَذه الدرجة مِن النفاذ والصفاءَ وهل يعقل ان يَكون جسما ماديا عاديا شاهدا علي مسار الافلاك ومرآة للقبة السماوية
فترجع المادة مِن لدنها نور القمر حتّى فِي غياب القمر افلا يَعني ذلِك توسعا ان هَذه المادة قادرة فِي بَعض اجزائها ان تنفَتح علي الكون باسره وتضم فِي طوايا ظلماتها الحميمة اسرارا اخري لابد مِن استجلائها فِي يوم مِن الايام أو ليس التفسير الوحيد هُو ان العالم المعدني والارضي هُو اسوة بهَذا الحجر
نسخة معيبة ومختزلة عَن العالم السماوي وصورته المصغرة

في ما بَين اللامتناهي فِي الصغر واللامتناهي فِي الكبر
ولان الواحد مِنهما إنما هُو مرآة للاخر لا بد تُوجد فِي حيز ما اجسام وسيطة وكيانات سامية تربط بَين الاثنين وتَكون الممر الدائم بَين ’المماثل’ و ’المغاير’ صور مجردة جالسة الي جانب الالهة هِي النماذج والقوالب الَّتِي تشَكل فِي بوتقتها الكُل الاعظم
ولكن كََيف الوقوف علي هَذه الصور الَّتِي لا تشخيص ولا وجود محسوسا لها؟’  استغرق فيثاغورس فِي فكره فتملكه شعور غامر بان هَذه الصور الازلية الثابتة إنما هِي كَامنة فِي صميم الواقع وفي قلب الآن
ويمكن للعقل فِي كَُل لحظة ان يكشف عنها طي الظواهر وكل منا يتعامل معها رغما عنه
واذا ما عميت عنها الابصار فما ذلِك الا لفرط صفائها
فَهي شفافة للانظار ولكنها مفتوحة علي العالم الاخر
  وتتابع الوثائق خطاب مِن مؤرخ وعالم اثار الماني حَول العلاقات بَين الديانة المصرية والنظرية الفيثاغورية فِي الاعداد
ومقتطفات مترجمة الي اليونانية مِن قصيدة لاتينية تروي دخول فيثاغورس المفترض فِي الهرم الاكبر،ونص لمؤلف يهودي مِن القرن الثالث بَعد الميلاد يروي اقامة فيثاغورس فِي بابل ويبرز احتمال تاثره بالديانة العبرية فِي تصوره التوحيدي للعالم
وروايتان تشهدان بنزول فيثاغورس الي الجحيم

الي آخر الوثائق مِن مقتطفات وحواشي
وبقايا رسائل
ونصوص كَاملة
ونصوص مجتزاة
وخطبة اخيرة لفيثاغورس علي فراش الموت
ومحاورات
ويوميات
ورثاءَ
ورواية مؤرخين
وتقارير جواسيس
  كَُل ما سبق مجرد مواد الوثائق الَّتِي هِي مِن بنات افكار وخيال الكاتب الفرنسي الآن نادو فِي روايته عبدة الصفر
وهي ليست كَالوثائق والمقتطفات الَّتِي ياخذها بَعض كَتاب الرواية العرب مِن بطون الكتب التراثية
إنما هِي ابداع الكاتب
وتركز فِي بَعضها علي حقائق تاريخية معروفة
وهي الفصول الَّتِي تضمِنها عمله الروائي ابتداءَ مِن كَشف المقبرة الكبري فِي الاسكندرية الي الهجوم الَّذِي شنه علي المعبد جنود النصاري فِي 645 كََما روي احداثه احدي شخصيات الرواية
وهو آخر ما كَتبته الطائفة
طائفة عبدة الصفر
  وتظل فكرة الاعداد تلح علي الكاتب
بل هِي اساس العمل الَّذِي بني عَليه روايته متاثرا مِن اجواءَ الشرق
ودراساته فِي التراث العربي
مزاوجا ثقافته الغربية
في قدرة علي التحليل
مستخدما فِي احيان كَثِيرة لغة جذابة حيثُ يصل الي الربط بَين الاعداد والاعتقاد بقوة فاعلة تشدها جميعا الي الواحد الاحد

يقول ’وتروي بَعض الاساطير أنه ابتعد ذَات يوم عَن صخب المدينة وساحل النهر يبحث بَين النباتات المائية واغصان القصب عَن ركن هادئ يستحم فيه ويريح جسده المنهوك
وما كَاد يتجاوز وحل الضفة الفاتر ويتوغل فِي مياه النهر الثقيل المنعشة حتّى اشرق عَليه نور الوحي
فايقن ان كَثرة الاعداد ليست البته دليلا علي تعدَد الالهة
بل ان فِي احكام نظامها ذاته ما يوحي بوجود مبدا واحد هُو صورة واحدة لا شريك لها
  فالاعداد لا تنتشر فِي الخلاءَ انتشارا فوضويا لا ضابط له
بل هِي تتوق جميعا الي الالتقاءَ فِي محل مركزي ربما يَكون هُو ذاته عصيا علي الادراك
ففي المنطق الداخلي للاعداد التسعة الاولي الَّتِي تَحْتوي ’بالقوة’ سائر الاعداد
ما يدعو للاعتقاد بوجود قوة فاعلة تشدها جميعا الي ’الواحد الاوحد’
وتسعي الي ردها الي عدَد مطلق يتضمِنها كَافة
او ليست الاعداد بمنطقها الداخلي هَذا دليلا علي كَمال النظام الالهي وتمامه
وفيها تتجلي اياته وتكمن رمزيته المجردة
ان اعضاءَ الطائفة ’عبدة الصفر وعبدوه’
اذ ان اكتشاف الصفر هُو قمة الوعي بهَذا العدَد
ثم ما لبثوا ان فطنوا ان مجرد كَشف الحجاب عَن الصفر ياتي علي جميع امكانياته
اذ متَى عرف الصفر بدا جليا ان خصائصه الرئيسية تكمن فِي انعدام سمكه وشفافيته
وحَول خصائص الصفر والتاكيد علي أنه اللاشيء
لابد مِن رمز يدل عَليه
ولا خروج مِن العدَم الي الوجود الا بعلامة تعطيه معني ودلالة
فتعارفوا علي النقطة . أو الدائرة الخالية 0 ’واذا اقتصرنا علي ما للنقطة مِن خاصيات هندسية وجدنا مطابقة لمعناها فيجوز بالفعل ان نحدد النقطة بأنها تقاطع خطين مستقيمين هذان الخطان المستقيمان لا سمك لهما علي الاطلاق
لان القول بان الخط ذُو عرض مُهما صغر يحيله  توا الي مسطح
النقطة اذن كَيان رياضي يسَهل ادراكه وان كََان وهميا ما دام يستحيل اعطائه شكلا يكفينا ان نفترض النقطة بلا مساحة وبلا بَعد حتّى تطابق خصائصها خصائص الصفر
وهو المطلوب مِنها ان ترمز اليه
فالنقطة خير ترجمان لطبيعة ووظيفة عدَد حقيقته أنه بلا حقيقة
والدائرة هِي الاخري تؤدي هَذا الغرض فِي الرمز الي الكمية الصفر فالعجلة تضم فِي داخِلها فراغا لا خصائص لَه هِي شَكل محض غَير ذي مضمون لَها حركة دائرية بلا بِداية وبلا زمان تحدد بها وتولد محيطا هُو أيضا بلا غلظ فتتملك خلاءَ هِي منشئته وهو وحده معطيها قوامها
والنقطة والدائرة لا فرق بينهما فكلتاهما تنتزعان الي غاية واحدة هِي تصوير العدم)

فنحن نفترض ان الصفر بما يمتلكه مِن قدرة علي ان يلغي بالتدريج كَُل الاعداد الَّتِي تمثل فِي منطقة نفوذه

إنما يمتلك قوة حل وتذويب’ واذا كََان الصفر هُو اللاكم واللاشيء فلا بد ان لَه علاقة جوهرية بموت كَُل شيء والعدَم لكُل شيء فلا تبقي الا حقيقة الموجد وهو الله.

  • عبدة الصفر
95 views

الان نادو عبدة الصفر