9:01 مساءً الأحد 17 فبراير، 2019








البيعة تحت الشجرة

بالصور البيعة تحت الشجرة unnamed file 817

القارئ لسيره النبى صلى الله عليه و سلم،

و تاريخ دعوه الاسلام يجد ارتباطا و ثيقا بين احداثها و مجرياتها،

و خير ما يشهد لهذه المقوله بيعه الرضوان،

اذ كانت ذات علاقه و ثيقه بصلح الحديبيه و ربما كانت سببا مباشرا لهذا الصلح،

الذى كان خيرا للمسلمين،

و فتحا مبينا للجماعه المؤمنة.

و فيما يلى شيء من تفصيل مجريات و ملابسات بيعه الرضوان،

ذلك الحدث الجلل في حياه الدعوه الاسلاميه و تاريخها المجيد .

ذلك انه لما استقر امر المسلمين بالمدينه و اسسوا دولتهم الفتيه و اخذت الامور تسير الى حد كبير لصالحهم،

بدات طلائع الفتح الاسلامي،

و رايات الدعوه الاسلاميه تبدو شيئا فشيئا،

و بدات التمهيدات و الاستعدادات لاقرار حق المسلمين في اداء عبادتهم في المسجد الحرام،

الذى كان قد صد عنه المشركون منذ سته اعوام ‏.‏

وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم قد راى في المنام،

و هو بالمدينه انه داخل هو و اصحابه المسجد الحرام،

و اخذ مفتاح الكعبه و طائف بالبيت العتيق.

فاخبر بذلك اصحابه،

ففرحوا بهذه الرؤيه فرحا شديدا،

و تشوقت نفوسهم لتلك الساعه و حسبوا انهم داخلو مكه خلال وقت ليس بالبعيد ‏.‏

ثم ان رسول الله صلى الله عليه و سلم،

و على اثر تلك الرؤيا المبشره اخبر اصحابه انه معتمر،

و طلب منهم ان ياخذوا اهبه السفر،

فتجهزوا لما امرهم به،

و استخلف رسول الله صلى الله عليه و سلم على المدينه ابن ام مكتوم‏ .

‏ و خرج قاصدا مكه غره ذى القعده من السنه السادسه للهجره و صحبته في هذا السفر زوجته ام سلمه رضى الله عنها،

و كان عدد الذين خرجوا معه يريدون مكه قد قاربوا الفا و اربعمائه رجل،

و لم يخرج معه احد بسلاح المعركه بل خرج الكل بسلاح المسافر‏ فحسب ‏.

وكانت قريش لما سمعت بخروج النبى صلى الله عليه و سلم قد عقدت جلسه طارئه لبحث الموقف و تداعياته،

و خرجت من تلك الجلسه بقرار جماعي،

حاصله صد المسلمين عن البيت الحرام كيفما كان،

و مهما كلفها ذلك من ثمن .

ثم ان قريشا بدات خطواتها التنفيذيه و اجراءاتها العمليه لمواجهه الموقف؛

بارسال الرسل للمفاوضه مع رسول الله صلى الله عليه و سلم،

عسي ان تثمر تلك المفاوضات عن ثنيه عن عزمه و قصده من دخول البيت الحرام .

ولما راى شباب قريش الطائشون،

الطامحون الى الحرب،

رغبه زعمائهم في الصلح،

فكروا في خطه تحول بينهم و بين الصلح،

و اخذوا زمام المبادره اذ ان الموقف – حسب منطق هؤلاء – لم يكن يحتمل المفاوضه و لا يتسع للاخذ و المناوره فقرروا – حسما للموقف – ان يخرجوا ليلا،

و يتسللوا الى معسكر المسلمين،

و يحدثوا احداثا تشعل نار الحرب،

و تؤجج سعير المعركة.

و فعلا قاموا بتنفيذ هذا القرار،

و اتخذوا خطوات عمليه و ميدانيه في هذه الاتجاه،

فخرج منهم سبعون او ثمانون رجلا ليلا،

و هبطوا من جبل التنعيم،

و حاولوا التسلل الى معسكر المسلمين .

بيد ان عيون المسلمين كانت لهم بالمرصاد،

فحالما تسلل اولئك النفر الى المكان الذى كان ينزل فيه المسلمون اعتقلوا جميعا،

و فشلت محاولتهم التى كانوا يرمون اليها،

و اخذوا الى رسول الله صلى الله عليه و سلم ليقرر في امرهم ما يراه مناسبا للموقف ‏.‏

ورغبه منه صلى الله عليه و سلم في الصلح،

و تمشيا مع القصد الذى خرج صلى الله عليه و سلم لاجله،

فقد اطلق سراحهم و عفا عنهم،

و في ذلك انزل الله‏ قوله الكريم:‏ ‏{‏ و هو الذى كف ايديهم عنكم وايديكم عنهم ببطن مكه من بعد ان اظفركم عليهم ‏}‏ ‏الفتح‏:24 .



ثم ان رسول الله صلى الله عليه و سلم اراد ان يبلغ قريشا موقفه و هدفه و غايته من هذا السفر؛

فعزم على ان يبعث اليها سفيرا يؤكد لها موقفه ذلك،

فانتدب عمر بن الخطاب رضى الله عنه ليرسله اليهم،

فاعتذر عمر رضى الله عنه قائلا‏:‏ يا رسول الله،

ليس لى احد بمكه من بنى عدى بن كعب ،



يغضب لى ان اوذيت،

فارسل عثمان بن عفان ،



فان عشيرته بها،

و انه مبلغ ما اردت.

فدعي رسول الله صلى الله عليه و سلم عثمان رضى الله عنه،

و ارسله الى قريش،

و قال‏:‏ اخبرهم انا لم نات لقتال و حرب،

و انما جئنا عمارا – اي: نبتغى العمره – و ادعهم الى الاسلام،

و امره ان ياتى رجالا بمكه مؤمنين،

و نساء مؤمنات،

فيبشرهم بالفتح،

و يخبرهم ان الله عز و جل مظهر دينه بمكه حتى لا يستخفى فيها احد بالايمان ‏.‏

فانطلق عثمان رضى الله عنه لما و جهه اليه رسول الله صلى الله عليه و سلم،

و اتي قريشا،

و بلغ زعماءها الرساله التى حمله اياها رسول الله صلى الله عليه و سلم،

فلما فرغ من ابلاغ رسالته،

عرضوا عليه ان يطوف بالبيت،

فرفض هذا العرض،

و ابى ان يطوف الا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم‏ .

فلما رات قريش هذا الموقف من عثمان رضى الله عنه،

و هو موقف لم يرق لها بحال،

لجات الى اسلوب الضغط و التهديد،

فاحتبست عثمان عندها – و لعلها ارادت من و راء هذه الخطوه ان تتشاور فيما بينها في الوضع الراهن،

و تبرم امرها.

او لعلها ارادت ان تتخذ من عمليه اعتقال عثمان رضى الله عنه ورقه ضغط في وجه المسلمين – و اشاعت خبر ذلك بين المسلمين،

و طال احتباس عثمان رضى الله عنه،

حتي شاع بين المسلمين انه قتل.

فلم بلغ خبر تلك الاشاعه رسول الله صلى الله عليه و سلم،

قال‏:‏ ‏ ‏لا نبرح حتى نناجز القوم ‏)‏ ثم دعا اصحابه الى البيعه فثاروا اليه يبايعونه على الا يفروا،

و بايعته جماعه على الموت،

و اول من بايعه ابو سنان الاسدي،

و بايعه سلمه بن الاكوع على الموت ثلاث مرات،

فى اول الناس و وسطهم و اخرهم،

و اخذ رسول الله صلى الله عليه و سلم بيد نفسه و قال‏:‏ ‏(‏ هذه عن عثمان‏)‏‏.‏ و لم يتخلف عن هذه البيعه الا رجل من المنافقين يقال له‏:‏ جد بن قيس .

وقد ذكر القران الكريم خبر هذه البيعه و مدح اصحابها،

و رضا الله عنهم،

قال تعالى في ذلك: لقد رضى الله عن المؤمنين اذ يبايعونك تحت الشجره فعلم ما في قلوبهم فانزل السكينه عليهم و اثابهم فتحا قريبا الفتح:18 و لاجل ما ذكر الله،

سميت هذه البيعه بيعه الرضوان و قد اخذ رسول الله صلى الله عليه و سلم هذه البيعه من صحابته رضوان الله عليهم تحت شجره و كان عمر رضى الله عنه اخذا بيده،

و معقل بن يسار اخذا بغصن الشجره يرفعه عن رسول الله صلى الله عليه و سلم .

وقد ذكرت كتب السيره خبر هذه البيعه بطرق متعدده و بالفاظ متقاربة؛

من ذلك ما رواهالطبرى عن سلمه بن الاكوع رضى الله عنه،

قال: بينما نحن قافلون من الحديبيه نادي منادى النبى صلى الله عليه و سلم: ايها الناس،

البيعه البيعه



نزل روح القدس.

قال: فسرنا الى رسول الله،

و هو تحت شجره سمره قال: فبايعناه،

قال: و ذلك قول الله تعالى: لقد رضى الله عن المؤمنين اذ يبايعونك تحت الشجره فاخبر سبحانه نبيه انه قد رضى عن اصحابك المؤمنين،

لمبايعتهم اياك على الجهاد،

و مواجهه قريش في موقفها العنيد،

و على ان لا يفروا و لا يولوهم الادبار،

مهما كلفهم ذلك من التضحيات .

وكان اول من بايع بيعه الرضوان رجل يقال له ابو سنان ،



اتي النبى صلى الله عليه و سلم،

فقال: يا رسول الله ابسط يديك حتى ابايعك،

فقال: على ما ذا،

قال: على ما في نفسك،

قال: و ما في نفسي،

قال: الفتح او الشهادة.

فبايعه،

و كان الناس يجيئون فيقولون: نبايع على بيعه ابى سنان .

قال ابن اسحاق صاحب السيرة: فبايع رسول الله صلى الله عليه و سلم الناس،

و لم يتخلف عنه احد من المسلمين حضرها،

الا الجد بن قيس ،



اخو بنى سلمه قال: كان جابر بن عبدالله رضى الله عنه،

يقول: لكانى انظر اليه،

لاصقا بابط ناقته،

قد ضبا اي: لصق بها و اختبا اليها،

يستتر بها من الناس .

ولما تمت البيعه المرضيه رجع عثمان رضى الله عنه الى رسول الله صلى الله عليه و سلم،

فقال له بعضهم: اشتفيت يا ابا عبدالله من الطواف بالبيت

فقال: بئس ما ظننتم بي،

و الذى نفسى بيده لو مكثت بها سنه و رسول الله صلى الله عليه و سلم مقيم بالحديبيه ما طفت بها،

حتي يطوف بها رسول الله صلى الله عليه و سلم.

و لقد دعتنى قريش الى الطواف بالبيت فابيت،

فقال المسلمون: رسول الله صلى الله عليه و سلم كان اعلمنا بالله،

و احسننا ظنا .

وقد ثبت في صحيح الحديث – ناهيك على ما جاء في القران – الشهاده بالجنه لجميع من شهد بيعه الرضوان عام الحديبية؛

فعن ام مبشر رضى الله عنها: انها سمعت النبى صلى الله عليه و سلم يقول عند حفصه رضى الله عنها: لا يدخل النار – ان شاء الله – من اصحاب الشجره احد،

الذين بايعوا تحتها ،



قالت: بلي يا رسول الله،

فانتهرها،

فقالت حفصه وان منكم الا و اردها مريم:71 فقال النبى صلى الله عليه و سلم قد قال الله عز و جل: ثم ننجى الذين اتقوا و نذر الظالمين فيها جثيا مريم:72 رواه مسلم ،



و في “سنن” ابى داود: لا يدخل النار احد ممن بايع تحت الشجره و في “المصنف” ل ابن ابى شيبه ،

قال: السابقون الاولون،

من ادرك بيعه الرضوان.

و قد و عد سبحانه هؤلاء بالجنه قال الله تعالى: و السابقون الاولون من المهاجرين و الانصار و الذين اتبعوهم باحسان رضى الله عنهم و رضوا عنه و اعد لهم جنات تجرى تحتها الانهار خالدين فيها ابدا ذلك الفوز العظيم التوبة:100 .

وعلي العموم،

فان و قائع هذه البيعه تفيد العديد من العبر،

و يستنتج منها الكثير من الفوائد،

و هاك بعضا من ذلك:

– صحه ايمان الذين بايعوا النبى صلى الله عليه و سلم بيعه الرضوان،

و صدق بصائرهم, و انهم كانوا مؤمنين على الحقيقه اولياء لله; اذ من غير الجائز ان يخبر الله برضاه عن قوم باعيانهم،

الا و باطنهم كظاهرهم في صحه البصيره و صدق الايمان, و قد اكد ذلك المعني سبحانه،

بقوله: فعلم ما في قلوبهم فانزل السكينه عليهم الفتح:18 و هذا يدل دلاله و اضحه على ان التوفيق و التسديد و التاييد مصاحب و ملازم لمن صدق النيه مع الله, و هذا الملحظ في معنى قوله تعالى: ان يريدا اصلاحا يوفق الله بينهما النساء:35 .

– كانت تلك البيعه مقدمه و تمهيدا و سببا مباشرا لابرام صلح الحديبيه ذلك الصلح الذى كان فتحا مبينا،

و كسبا عظيما للمسلمين.

فعندما علمت قريش بتلك البيعه و مدي صلابه المسلمين في موقفهم،

و قوتهم،

و صبرهم،

و ثباتهم مع رسول الله صلى الله عليه و سلم،

علمت ان ذلك هو الحق،

فارسلت الى المسلمين فريقا للتفاوض معهم،

و ابرام الصلح .

– و مما يستفاد من هذه الحادثه قوه العلاقه و الترابط و التلاحم بين رسول الله صلى الله عليه و سلم و اصحابه الكرام؛

اذ انهم بايعوه على الثبات و المصابره و عدم التولي،

و مواجهه الموقف بكل ما يقتضيه من ايمان و اخلاص؛

يتجلي ذلك في سرعه استجابه الصحابه لما دعاهم اليه رسول الله،

و مسارعتهم لتلبيه متطلبات و مستحقات الايمان بالله،

و برساله نبيه عليه الصلاه و السلام،

اذ ان الصدق في الايمان سبيل الى تحصيل رضا الرحمن اولا،

و هو طريق ايضا لحصول نصره و تاييده و لينصرن الله من ينصره ان الله لقوى عزيز الحج:40 .

– على ان من الدلالات المهمه في هذه البيعه و التى تدل على كل ما سبق و تدعمه،

ما يستفاد من مواقف الصحابه رضوان الله عليهم من رسولهم صلى الله عليه و سلم،

فيما ذكره اصحاب السير من ان عروه – و هو احد اعضاء و فد قريش،

الذين ذهبوا للمفاوضه و المصالحه – و كان قد رجع الى اصحابه يصف لهم ما راى،

قال: اي قوم



و الله لقد و فدت على الملوك،

علي كسري و قيصر و النجاشى ،



و الله ما رايت ملكا يعظمه اصحابه،

ما يعظم اصحاب محمد محمدا،

و الله ان تنخم نخامه الا و قعت في كف رجل منهم،

فدلك بها و جهه و جلده،

و اذا امرهم ابتدروا امره،

و اذا توضا كادوا يقتتلون على و ضوئه،

و اذا تكلم خفضوا اصواتهم عنده،

و ما يحدون اليه النظر تعظيما له.

و في فعل الصحابه هذا على ما وصفعروه ما يدل على انه لا ايمان برسول الله صلى الله عليه و سلم دون محبه له،

و ان هذه المحبه ليست معنى عقلانيا مجردا،

و انما هى اثر ملموس،

و سلوك مشهود،

يستحوذ على القلب،

فيطبع صاحبه،

بمثل الطابع الذى وصف به عروه بن مسعود اصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم .

ومما يتصل بهذا الحدث،

و يحمل من الدلاله ما يحمل،

حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم،

و هو في “الصحيحين” عن جابر بن عبدالله رضى الله عنهما،

قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه و سلم يوم الحديبية: انتم خير اهل الارض قال جابر – و كان قد كف بصره و لو كنت ابصر اليوم،

لاريتكم مكان الشجره .

وقد قطعت هذه الشجره و نسى مكانها،

و كان في ذلك خير للمسلمين؛

اذ لو بقيت الى اليوم،

لشدت اليها الرحال،

و لضربت عليها القباب،

و لظن الناس فيها الظنونا،

و لربما كانت قبله لبعض الجهال،

و لكن الله غالب على امره و لكن اكثر الناس لا يعلمون .

221 views

البيعة تحت الشجرة