3:48 صباحًا الإثنين 20 مايو، 2019

البيعة تحت الشجرة

صور البيعة تحت الشجرة

القارئ لسيره النبى صلى الله عليه و سلم،

 

و تاريخ دعوه الاسلام يجد ارتباطا و ثيقا بين احداثها و مجرياتها،

 

و خير ما يشهد لهذه المقوله بيعه الرضوان،

 

اذ كانت ذات علاقه و ثيقه بصلح الحديبية،

 

و ربما كانت سببا مباشرا لهذا الصلح،

 

الذى كان خيرا للمسلمين،

 

و فتحا مبينا للجماعة المؤمنة.

 

و فيما يلى شيء من تفصيل مجريات و ملابسات بيعه الرضوان،

 

ذلك الحدث الجلل في حياة الدعوه الاسلامية و تاريخها المجيد .

 

ذلك انه لما استقر امر المسلمين بالمدينة،

 

و اسسوا دولتهم الفتية،

 

و اخذت الامور تسير الى حد كبير لصالحهم،

 

بدات طلائع الفتح الاسلامي،

 

و رايات الدعوه الاسلامية تبدو شيئا فشيئا،

 

و بدات التمهيدات و الاستعدادات لاقرار حق المسلمين في اداء عبادتهم في المسجد الحرام،

 

الذى كان قد صد عنه المشركون منذ سته اعوام ‏.‏

وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم قد راي في المنام،

 

و هو بالمدينة،

 

انة داخل هو و اصحابة المسجد الحرام،

 

و اخذ مفتاح الكعبة،

 

و طائف بالبيت العتيق.

 

فاخبر بذلك اصحابه،

 

ففرحوا بهذه الرؤية فرحا شديدا،

 

و تشوقت نفوسهم لتلك الساعة،

 

و حسبوا انهم داخلو مكه خلال وقت ليس بالبعيد ‏.‏

ثم ان رسول الله صلى الله عليه و سلم،

 

و على اثر تلك الرؤيا المبشرة،

 

اخبر اصحابة انه معتمر،

 

و طلب منهم ان ياخذوا اهبه السفر،

 

فتجهزوا لما امرهم به،

 

و استخلف رسول الله صلى الله عليه و سلم على المدينه ابن ام مكتوم‏ .

 

‏ و خرج قاصدا مكه غره ذى القعده من السنه السادسة للهجرة،

 

و صحبتة في هذا السفر زوجتة ام سلمه رضى الله عنها،

 

و كان عدد الذين خرجوا معه يريدون مكه قد قاربوا الفا و اربعمائه رجل،

 

و لم يخرج معه احد بسلاح المعركة،

 

بل خرج الكل بسلاح المسافر‏ فحسب ‏.

وكانت قريش لما سمعت بخروج النبى صلى الله عليه و سلم قد عقدت جلسه طارئة،

 

لبحث الموقف و تداعياته،

 

و خرجت من تلك الجلسه بقرار جماعي،

 

حاصلة صد المسلمين عن البيت الحرام كيفما كان،

 

و مهما كلفها ذلك من ثمن .

 

ثم ان قريشا بدات خطواتها التنفيذية،

 

و اجراءاتها العملية لمواجهه الموقف؛

 

بارسال الرسل للمفاوضه مع رسول الله صلى الله عليه و سلم،

 

عسي ان تثمر تلك المفاوضات عن ثنية عن عزمة و قصدة من دخول البيت الحرام .

 

ولما راي شباب قريش الطائشون،

 

الطامحون الى الحرب،

 

رغبه زعمائهم في الصلح،

 

فكروا في خطة تحول بينهم و بين الصلح،

 

و اخذوا زمام المبادرة،

 

اذ ان الموقف – حسب منطق هؤلاء – لم يكن يحتمل المفاوضة،

 

و لا يتسع للاخذ و المناورة،

 

فقرروا – حسما للموقف – ان يخرجوا ليلا،

 

و يتسللوا الى معسكر المسلمين،

 

و يحدثوا احداثا تشعل نار الحرب،

 

و تؤجج سعير المعركة.

 

و فعلا قاموا بتنفيذ هذا القرار،

 

و اتخذوا خطوات عملية و ميدانيه في هذه الاتجاه،

 

فخرج منهم سبعون او ثمانون رجلا ليلا،

 

و هبطوا من جبل التنعيم،

 

و حاولوا التسلل الى معسكر المسلمين .

 

بيد ان عيون المسلمين كانت لهم بالمرصاد،

 

فحالما تسلل اولئك النفر الى المكان الذى كان ينزل فيه المسلمون اعتقلوا كلا،

 

و فشلت محاولتهم التي كانوا يرمون اليها،

 

و اخذوا الى رسول الله صلى الله عليه و سلم ليقرر في امرهم ما يراة مناسبا للموقف ‏.‏

ورغبه منه صلى الله عليه و سلم في الصلح،

 

و تمشيا مع القصد الذى خرج صلى الله عليه و سلم لاجله،

 

فقد اطلق سراحهم و عفا عنهم،

 

و في ذلك انزل الله‏ قوله الكريم:‏ ‏{‏ و هو الذى كف ايديهم عنكم و ايديكم عنهم ببطن مكه من بعد ان اظفركم عليهم ‏}‏ ‏الفتح‏:24 .

 

 

ثم ان رسول الله صلى الله عليه و سلم اراد ان يبلغ قريشا موقفة و هدفة و غايتة من هذا السفر؛

 

فعزم على ان يبعث اليها سفيرا يؤكد لها موقفة ذلك،

 

فانتدب عمر بن الخطاب رضى الله عنه ليرسلة اليهم،

 

فاعتذر عمر رضى الله عنه قائلا‏:‏ يا رسول الله،

 

ليس لى احد بمكه من بنى عدى بن كعب ،

 

 

يغضب لى ان اوذيت،

 

فارسل عثمان بن عفان ،

 

 

فان عشيرتة بها،

 

و انه مبلغ ما اردت.

 

فدعي رسول الله صلى الله عليه و سلم عثمان رضى الله عنه،

 

و ارسلة الى قريش،

 

و قال‏:‏ اخبرهم انا لم نات لقتال و حرب،

 

و انما جئنا عمارا – اي: نبتغى العمره – و ادعهم الى الاسلام،

 

و امرة ان ياتى رجالا بمكه مؤمنين،

 

و نساء مؤمنات،

 

فيبشرهم بالفتح،

 

و يخبرهم ان الله عز و جل مظهر دينة بمكة،

 

حتى لا يستخفى فيها احد بالايمان ‏.‏

فانطلق عثمان رضى الله عنه لما و جهة الية رسول الله صلى الله عليه و سلم،

 

و اتي قريشا،

 

و بلغ زعماءها الرساله التي حملة اياها رسول الله صلى الله عليه و سلم،

 

فلما فرغ من ابلاغ رسالته،

 

عرضوا عليه ان يطوف بالبيت،

 

فرفض هذا العرض،

 

و ابي ان يطوف الا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم‏ .

 

فلما رات قريش هذا الموقف من عثمان رضى الله عنه،

 

و هو موقف لم يرق لها بحال،

 

لجات الى اسلوب الضغط و التهديد،

 

فاحتبست عثمان عندها – و لعلها ارادت من و راء هذه الخطوة،

 

ان تتشاور فيما بينها في الوضع الراهن،

 

و تبرم امرها.

 

او لعلها ارادت ان تتخذ من عملية اعتقال عثمان رضى الله عنه و رقه ضغط في و جة المسلمين – و اشاعت خبر ذلك بين المسلمين،

 

و طال احتباس عثمان رضى الله عنه،

 

حتى شاع بين المسلمين انه قتل.

 

فلم بلغ خبر تلك الاشاعه رسول الله صلى الله عليه و سلم،

 

قال‏:‏ ‏ ‏لا نبرح حتى نناجز القوم ‏)‏ ثم دعا اصحابة الى البيعة،

 

فثاروا الية يبايعونة على الا يفروا،

 

و بايعتة جماعة على الموت،

 

و اول من بايعة ابو سنان الاسدي،

 

و بايعة سلمه بن الاكوع على الموت ثلاث مرات،

 

فى اول الناس و وسطهم و اخرهم،

 

و اخذ رسول الله صلى الله عليه و سلم بيد نفسة و قال‏:‏ ‏(‏ هذه عن عثمان‏)‏‏.‏ و لم يتخلف عن هذه البيعه الا رجل من المنافقين يقال له‏:‏ جد بن قيس .

 

وقد ذكر القران الكريم خبر هذه البيعة،

 

و مدح اصحابها،

 

و رضا الله عنهم،

 

قال تعالى في ذلك: لقد رضى الله عن المؤمنين اذ يبايعونك تحت الشجره فعلم ما في قلوبهم فانزل السكينه عليهم و اثابهم فتحا قريبا الفتح:18 و لاجل ما ذكر الله،

 

سميت هذه البيعه بيعه الرضوان و قد اخذ رسول الله صلى الله عليه و سلم هذه البيعه من صحابتة رضوان الله عليهم تحت شجرة،

 

و كان عمر رضى الله عنه اخذا بيده،

 

و معقل بن يسار اخذا بغصن الشجرة،

 

يرفعة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم .

 

وقد ذكرت كتب السيره خبر هذه البيعه بطرق متعددة،

 

و بالفاظ متقاربة؛

 

من ذلك ما رواهالطبرى عن سلمه بن الاكوع رضى الله عنه،

 

قال: بينما نحن قافلون من الحديبية،

 

نادي منادى النبى صلى الله عليه و سلم: ايها الناس،

 

البيعه البيعه

 

 

نزل روح القدس.

 

قال: فسرنا الى رسول الله،

 

و هو تحت شجره سمرة،

 

قال: فبايعناه،

 

قال: و ذلك قول الله تعالى: لقد رضى الله عن المؤمنين اذ يبايعونك تحت الشجره فاخبر سبحانة نبية انه قد رضى عن اصحابك المؤمنين،

 

لمبايعتهم اياك على الجهاد،

 

و مواجهه قريش في موقفها العنيد،

 

و على ان لا يفروا و لا يولوهم الادبار،

 

مهما كلفهم ذلك من التضحيات .

 

وكان اول من بايع بيعه الرضوان رجل يقال له ابو سنان ،

 

 

اتي النبى صلى الله عليه و سلم،

 

فقال: يا رسول الله ابسط يديك حتى ابايعك،

 

فقال: على ما ذا،

 

قال: على ما في نفسك،

 

قال: و ما في نفسي،

 

قال: الفتح او الشهادة.

 

فبايعه،

 

و كان الناس يجيئون فيقولون: نبايع على بيعه ابي سنان .

 

قال ابن اسحاق صاحب السيرة: فبايع رسول الله صلى الله عليه و سلم الناس،

 

و لم يتخلف عنه احد من المسلمين حضرها،

 

الا الجد بن قيس ،

 

 

اخو بنى سلمة،

 

قال: كان جابر بن عبدالله رضى الله عنه،

 

يقول: لكانى انظر اليه،

 

لاصقا بابط ناقته،

 

قد ضبا اي: لصق بها و اختبا اليها،

 

يستتر بها من الناس .

 

ولما تمت البيعه المرضية،

 

رجع عثمان رضى الله عنه الى رسول الله صلى الله عليه و سلم،

 

فقال له بعضهم: اشتفيت يا ابا عبدالله من الطواف بالبيت

 

فقال: بئس ما ظننتم بي،

 

و الذى نفسي بيدة لو مكثت بها سنه و رسول الله صلى الله عليه و سلم مقيم بالحديبيه ما طفت بها،

 

حتى يطوف بها رسول الله صلى الله عليه و سلم.

 

و لقد دعتنى قريش الى الطواف بالبيت فابيت،

 

فقال المسلمون: رسول الله صلى الله عليه و سلم كان اعلمنا بالله،

 

و احسننا ظنا .

 

وقد ثبت في صحيح الحديث – ناهيك على ما جاء في القران – الشهاده بالجنه لجميع من شهد بيعه الرضوان عام الحديبية؛

 

فعن ام مبشر رضى الله عنها: انها سمعت النبى صلى الله عليه و سلم يقول عند حفصه رضى الله عنها: لا يدخل النار – ان شاء الله – من اصحاب الشجره احد،

 

الذين بايعوا تحتها ،

 

 

قالت: بلي يا رسول الله،

 

فانتهرها،

 

فقالت حفصه وان منكم الا و اردها مريم:71 فقال النبى صلى الله عليه و سلم قد قال الله عز و جل: ثم ننجى الذين اتقوا و نذر الظالمين فيها جثيا مريم:72 رواة مسلم ،

 

 

و في “سنن” ابي داود: لا يدخل النار احد ممن بايع تحت الشجره و في “المصنف” ل ابن ابي شيبه ،

 

قال: السابقون الاولون،

 

من ادرك بيعه الرضوان.

 

و قد و عد سبحانة هؤلاء بالجنة،

 

قال الله تعالى: و السابقون الاولون من المهاجرين و الانصار و الذين اتبعوهم باحسان رضى الله عنهم و رضوا عنه و اعد لهم جنات تجرى تحتها الانهار خالدين فيها ابدا ذلك الفوز العظيم التوبة:100 .

 

وعلى العموم،

 

فان و قائع هذه البيعه تفيد العديد من العبر،

 

و يستنتج منها الكثير من الفوائد،

 

و هاك بعضا من ذلك:

– صحة ايمان الذين بايعوا النبى صلى الله عليه و سلم بيعه الرضوان،

 

و صدق بصائرهم, و انهم كانوا مؤمنين على الحقيقة اولياء لله; اذ من غير الجائز ان يخبر الله برضاة عن قوم باعيانهم،

 

الا و باطنهم كظاهرهم في صحة البصيرة،

 

و صدق الايمان, و قد اكد ذلك المعنى سبحانه،

 

بقوله: فعلم ما في قلوبهم فانزل السكينه عليهم الفتح:18 و هذا يدل دلاله و اضحه على ان التوفيق و التسديد و التاييد مصاحب و ملازم لمن صدق النيه مع الله, و هذا الملحظ في معنى قوله تعالى: ان يريدا اصلاحا يوفق الله بينهما النساء:35 .

 

– كانت تلك البيعه مقدمه و تمهيدا و سببا مباشرا لابرام صلح الحديبية،

 

ذلك الصلح الذى كان فتحا مبينا،

 

و كسبا عظيما للمسلمين.

 

فعندما علمت قريش بتلك البيعة،

 

و مدي صلابه المسلمين في موقفهم،

 

و قوتهم،

 

و صبرهم،

 

و ثباتهم مع رسول الله صلى الله عليه و سلم،

 

علمت ان ذلك هو الحق،

 

فارسلت الى المسلمين فريقا للتفاوض معهم،

 

و ابرام الصلح .

 

– و مما يستفاد من هذه الحادثه قوه العلاقه و الترابط و التلاحم بين رسول الله صلى الله عليه و سلم و اصحابة الكرام؛

 

اذ انهم بايعوة على الثبات و المصابره و عدم التولي،

 

و مواجهه الموقف بكل ما يقتضية من ايمان و اخلاص؛

 

يتجلي ذلك في سرعه استجابه الصحابه لما دعاهم الية رسول الله،

 

و مسارعتهم لتلبيه متطلبات و مستحقات الايمان بالله،

 

و برساله نبية عليه الصلاة و السلام،

 

اذ ان الصدق في الايمان سبيل الى تحصيل رضا الرحمن اولا،

 

و هو طريق ايضا لحصول نصرة و تاييدة و لينصرن الله من ينصرة ان الله لقوى عزيز الحج:40 .

 

– على ان من الدلالات المهمه في هذه البيعة،

 

و التي تدل على كل ما سبق و تدعمه،

 

ما يستفاد من مواقف الصحابه رضوان الله عليهم من رسولهم صلى الله عليه و سلم،

 

فيما ذكرة اصحاب السير من ان عروه – و هواحد اعضاء و فد قريش،

 

الذين ذهبوا للمفاوضه و المصالحه – و كان قد رجع الى اصحابة يصف لهم ما راى،

 

قال: اي قوم

 

 

و الله لقد و فدت على الملوك،

 

على كسري و قيصر و النجا شي ،

 

 

و الله ما رايت ملكا يعظمة اصحابه،

 

ما يعظم اصحاب محمد محمدا،

 

و الله ان تنخم نخامة،

 

الا و قعت في كف رجل منهم،

 

فدلك بها و جهة و جلده،

 

و اذا امرهم ابتدروا امره،

 

و اذا توضا كادوا يقتتلون على و ضوئه،

 

و اذا تكلم خفضوا اصواتهم عنده،

 

و ما يحدون الية النظر تعظيما له.

 

و في فعل الصحابه هذا على ما و صفعروه ما يدل على انه لا ايمان برسول الله صلى الله عليه و سلم دون محبه له،

 

وان هذه المحبه ليست معنى عقلانيا مجردا،

 

و انما هي اثر ملموس،

 

و سلوك مشهود،

 

يستحوذ على القلب،

 

فيطبع صاحبه،

 

بمثل الطابع الذى وصف به عروه بن مسعود اصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم .

 

ومما يتصل بهذا الحدث،

 

و يحمل من الدلاله ما يحمل،

 

حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم،

 

و هو في “الصحيحين” عن جابر بن عبدالله رضى الله عنهما،

 

قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه و سلم يوم الحديبية: انتم خير اهل الارض قال جابر – و كان قد كف بصرة و لو كنت ابصر اليوم،

 

لاريتكم مكان الشجره .

 

وقد قطعت هذه الشجره و نسى مكانها،

 

و كان في ذلك خير للمسلمين؛

 

اذ لو بقيت الى اليوم،

 

لشدت اليها الرحال،

 

و لضربت عليها القباب،

 

و لظن الناس فيها الظنونا،

 

و لربما كانت قبله لبعض الجهال،

 

و لكن الله غالب على امرة و لكن اكثر الناس لا يعلمون .

 

  • صورة شجرة بيعة رضوان
275 views

البيعة تحت الشجرة