4:13 مساءً الإثنين 10 ديسمبر، 2018

البيعة تحت الشجرة


صور البيعة تحت الشجرة

القارئ لسيره النبي صلى الله عليه وسلم،

وتاريخ دعوه الاسلام يجد ارتباطا وثيقا بين احداثها ومجرياتها،

وخير ما يشهد لهذه المقوله بيعه الرضوان،

اذ كانت ذات علاقه وثيقه بصلح الحديبيه،

وربما كانت سببا مباشرا لهذا الصلح،

الذي كان خيرا للمسلمين،

وفتحا مبينا للجماعة المؤمنه.

وفيما يلي شيء من تفصيل مجريات وملابسات بيعه الرضوان،

ذلك الحدث الجلل في حياة الدعوه الاسلامية وتاريخها المجيد .

ذلك انه لما استقر امر المسلمين بالمدينه،

واسسوا دولتهم الفتيه،

واخذت الامور تسير الى حد كبير لصالحهم،

بدات طلائع الفتح الاسلامي،

ورايات الدعوه الاسلامية تبدو شيئا فشيئا،

وبدات التمهيدات والاستعدادات لاقرار حق المسلمين في اداء عبادتهم في المسجد الحرام،

الذي كان قد صد عنه المشركون منذ سته اعوام ‏.‏

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد راى في المنام،

وهو بالمدينه،

انه داخل هو واصحابه المسجد الحرام،

واخذ مفتاح الكعبه،

وطائف بالبيت العتيق.

فاخبر بذلك اصحابه،

ففرحوا بهذه الرؤية فرحا شديدا،

وتشوقت نفوسهم لتلك الساعه،

وحسبوا انهم داخلو مكه خلال وقت ليس بالبعيد ‏.‏

ثم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم،

وعلى اثر تلك الرؤيا المبشره،

اخبر اصحابه انه معتمر،

وطلب منهم ان ياخذوا اهبه السفر،

فتجهزوا لما امرهم به،

واستخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينه ابن ام مكتوم‏ .

‏ وخرج قاصدا مكه غره ذي القعده من السنه السادسة للهجره،

وصحبته في هذا السفر زوجته ام سلمه رضي الله عنها،

وكان عدد الذين خرجوا معه يريدون مكه قد قاربوا الفا واربعمائه رجل،

ولم يخرج معه احد بسلاح المعركه،

بل خرج الكل بسلاح المسافر‏ فحسب ‏.

وكانت قريش لما سمعت بخروج النبي صلى الله عليه وسلم قد عقدت جلسه طارئه،

لبحث الموقف وتداعياته،

وخرجت من تلك الجلسه بقرار جماعي،

حاصله صد المسلمين عن البيت الحرام كيفما كان،

ومهما كلفها ذلك من ثمن .

ثم ان قريشا بدات خطواتها التنفيذيه،

واجراءاتها العملية لمواجهه الموقف؛

بارسال الرسل للمفاوضه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم،

عسى ان تثمر تلك المفاوضات عن ثنيه عن عزمه وقصده من دخول البيت الحرام .

ولما راى شباب قريش الطائشون،

الطامحون الى الحرب،

رغبه زعمائهم في الصلح،

فكروا في خطة تحول بينهم وبين الصلح،

واخذوا زمام المبادره،

اذ ان الموقف – حسب منطق هؤلاء – لم يكن يحتمل المفاوضه،

ولا يتسع للاخذ والمناوره،

فقرروا – حسما للموقف – ان يخرجوا ليلا،

ويتسللوا الى معسكر المسلمين،

ويحدثوا احداثا تشعل نار الحرب،

وتؤجج سعير المعركه.

وفعلا قاموا بتنفيذ هذا القرار،

واتخذوا خطوات عملية وميدانيه في هذه الاتجاه،

فخرج منهم سبعون او ثمانون رجلا ليلا،

وهبطوا من جبل التنعيم،

وحاولوا التسلل الى معسكر المسلمين .

بيد ان عيون المسلمين كانت لهم بالمرصاد،

فحالما تسلل اولئك النفر الى المكان الذي كان ينزل فيه المسلمون اعتقلوا جميعا،

وفشلت محاولتهم التي كانوا يرمون اليها،

واخذوا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقرر في امرهم ما يراه مناسبا للموقف ‏.‏

ورغبه منه صلى الله عليه وسلم في الصلح،

وتمشيا مع القصد الذي خرج صلى الله عليه وسلم لاجله،

فقد اطلق سراحهم وعفا عنهم،

وفي ذلك انزل الله‏ قوله الكريم:‏ ‏{‏ وهو الذي كف ايديهم عنكم وايديكم عنهم ببطن مكه من بعد ان اظفركم عليهم ‏}‏ ‏الفتح‏:24 .



ثم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم اراد ان يبلغ قريشا موقفه وهدفه وغايته من هذا السفر؛

فعزم على ان يبعث اليها سفيرا يؤكد لها موقفه ذلك،

فانتدب عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليرسله اليهم،

فاعتذر عمر رضي الله عنه قائلا‏:‏ يا رسول الله،

ليس لي احد بمكه من بني عدي بن كعب ،



يغضب لي ان اوذيت،

فارسل عثمان بن عفان ،



فان عشيرته بها،

وانه مبلغ ما اردت.

فدعى رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان رضي الله عنه،

وارسله الى قريش،

وقال‏:‏ اخبرهم انا لم نات لقتال وحرب،

وانما جئنا عمارا – اي:

نبتغي العمره – وادعهم الى الاسلام،

وامره ان ياتي رجالا بمكه مؤمنين،

ونساء مؤمنات،

فيبشرهم بالفتح،

ويخبرهم ان الله عز وجل مظهر دينه بمكه،

حتى لا يستخفي فيها احد بالايمان ‏.‏

فانطلق عثمان رضي الله عنه لما وجهه اليه رسول الله صلى الله عليه وسلم،

واتى قريشا،

وبلغ زعماءها الرساله التي حمله اياها رسول الله صلى الله عليه وسلم،

فلما فرغ من ابلاغ رسالته،

عرضوا عليه ان يطوف بالبيت،

فرفض هذا العرض،

وابي ان يطوف الا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم‏ .

فلما رات قريش هذا الموقف من عثمان رضي الله عنه،

وهو موقف لم يرق لها بحال،

لجات الى اسلوب الضغط والتهديد،

فاحتبست عثمان عندها – ولعلها ارادت من وراء هذه الخطوه،

ان تتشاور فيما بينها في الوضع الراهن،

وتبرم امرها.

او لعلها ارادت ان تتخذ من عملية اعتقال عثمان رضي الله عنه ورقه ضغط في وجه المسلمين – واشاعت خبر ذلك بين المسلمين،

وطال احتباس عثمان رضي الله عنه،

حتى شاع بين المسلمين انه قتل.

فلم بلغ خبر تلك الاشاعه رسول الله صلى الله عليه وسلم،

قال‏:‏ ‏ ‏لا نبرح حتى نناجز القوم ‏)‏ ثم دعا اصحابه الى البيعه،

فثاروا اليه يبايعونه على الا يفروا،

وبايعته جماعة على الموت،

واول من بايعه ابو سنان الاسدي،

وبايعه سلمه بن الاكوع على الموت ثلاث مرات،

في اول الناس ووسطهم واخرهم،

واخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد نفسه وقال‏:‏ ‏(‏ هذه عن عثمان‏)‏‏.‏ ولم يتخلف عن هذه البيعه الا رجل من المنافقين يقال له‏:‏ جد بن قيس .

وقد ذكر القران الكريم خبر هذه البيعه،

ومدح اصحابها،

ورضا الله عنهم،

قال تعالى في ذلك:

لقد رضي الله عن المؤمنين اذ يبايعونك تحت الشجره فعلم ما في قلوبهم فانزل السكينه عليهم واثابهم فتحا قريبا الفتح:18 ولاجل ما ذكر الله،

سميت هذه البيعه بيعه الرضوان وقد اخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه البيعه من صحابته رضوان الله عليهم تحت شجره،

وكان عمر رضي الله عنه اخذا بيده،

و معقل بن يسار اخذا بغصن الشجره،

يرفعه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وقد ذكرت كتب السيره خبر هذه البيعه بطرق متعدده،

وبالفاظ متقاربه؛

من ذلك ما رواهالطبري عن سلمه بن الاكوع رضي الله عنه،

قال:

بينما نحن قافلون من الحديبيه،

نادى منادي النبي صلى الله عليه وسلم:

ايها الناس،

البيعه البيعه



نزل روح القدس.

قال:

فسرنا الى رسول الله،

وهو تحت شجره سمره،

قال:

فبايعناه،

قال:

وذلك قول الله تعالى:

لقد رضي الله عن المؤمنين اذ يبايعونك تحت الشجره فاخبر سبحانه نبيه انه قد رضي عن اصحابك المؤمنين،

لمبايعتهم اياك على الجهاد،

ومواجهه قريش في موقفها العنيد،

وعلى ان لا يفروا ولا يولوهم الادبار،

مهما كلفهم ذلك من التضحيات .

وكان اول من بايع بيعه الرضوان رجل يقال له ابو سنان ،



اتى النبي صلى الله عليه وسلم،

فقال:

يا رسول الله ابسط يديك حتى ابايعك،

فقال:

على ماذا،

قال:

على ما في نفسك،

قال:

وما في نفسي،

قال:

الفتح او الشهاده.

فبايعه،

وكان الناس يجيئون فيقولون:

نبايع على بيعه ابي سنان .

قال ابن اسحاق صاحب السيره:

فبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس،

ولم يتخلف عنه احد من المسلمين حضرها،

الا الجد بن قيس ،



اخو بني سلمه،

قال:

كان جابر بن عبدالله رضي الله عنه،

يقول:

لكاني انظر اليه،

لاصقا بابط ناقته،

قد ضبا اي:

لصق بها واختبا اليها،

يستتر بها من الناس .

ولما تمت البيعه المرضيه،

رجع عثمان رضي الله عنه الى رسول الله صلى الله عليه وسلم،

فقال له بعضهم:

اشتفيت يا ابا عبدالله من الطواف بالبيت

فقال:

بئس ما ظننتم بي،

والذي نفسي بيده لو مكثت بها سنه ورسول الله صلى الله عليه وسلم مقيم بالحديبيه ما طفت بها،

حتى يطوف بها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولقد دعتني قريش الى الطواف بالبيت فابيت،

فقال المسلمون:

رسول الله صلى الله عليه وسلم كان اعلمنا بالله،

واحسننا ظنا .

وقد ثبت في صحيح الحديث – ناهيك على ما جاء في القران – الشهاده بالجنه لجميع من شهد بيعه الرضوان عام الحديبيه؛

فعن ام مبشر رضي الله عنها:

انها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول عند حفصه رضي الله عنها:

لا يدخل النار – ان شاء الله – من اصحاب الشجره احد،

الذين بايعوا تحتها ،



قالت:

بلى يا رسول الله،

فانتهرها،

فقالت حفصه



وان منكم الا واردها مريم:71 فقال النبي صلى الله عليه وسلم قد قال الله عز وجل:

ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا مريم:72 رواه مسلم ،



وفي “سنن” ابي داود:

لا يدخل النار احد ممن بايع تحت الشجره وفي “المصنف” ل ابن ابي شيبه ،

قال:

السابقون الاولون،

من ادرك بيعه الرضوان.

وقد وعد سبحانه هؤلاء بالجنه،

قال الله تعالى:

والسابقون الاولون من المهاجرين والانصار والذين اتبعوهم باحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه واعد لهم جنات تجري تحتها الانهار خالدين فيها ابدا ذلك الفوز العظيم التوبه:100 .

وعلى العموم،

فان وقائع هذه البيعه تفيد العديد من العبر،

ويستنتج منها الكثير من الفوائد،

وهاك بعضا من ذلك:

– صحة ايمان الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم بيعه الرضوان،

وصدق بصائرهم,

وانهم كانوا مؤمنين على الحقيقة اولياء لله; اذ من غير الجائز ان يخبر الله برضاه عن قوم باعيانهم،

الا وباطنهم كظاهرهم في صحة البصيره،

وصدق الايمان,

وقد اكد ذلك المعنى سبحانه،

بقوله:

فعلم ما في قلوبهم فانزل السكينه عليهم الفتح:18 وهذا يدل دلاله واضحه على ان التوفيق والتسديد والتاييد مصاحب وملازم لمن صدق النيه مع الله,

وهذا الملحظ في معنى قوله تعالى:

ان يريدا اصلاحا يوفق الله بينهما النساء:35 .

– كانت تلك البيعه مقدمه وتمهيدا وسببا مباشرا لابرام صلح الحديبيه،

ذلك الصلح الذي كان فتحا مبينا،

وكسبا عظيما للمسلمين.

فعندما علمت قريش بتلك البيعه،

ومدى صلابه المسلمين في موقفهم،

وقوتهم،

وصبرهم،

وثباتهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم،

علمت ان ذلك هو الحق،

فارسلت الى المسلمين فريقا للتفاوض معهم،

وابرام الصلح .

– ومما يستفاد من هذه الحادثه قوه العلاقه والترابط والتلاحم بين رسول الله صلى الله عليه وسلم واصحابه الكرام؛

اذ انهم بايعوه على الثبات والمصابره وعدم التولي،

ومواجهه الموقف بكل ما يقتضيه من ايمان واخلاص؛

يتجلى ذلك في سرعه استجابه الصحابه لما دعاهم اليه رسول الله،

ومسارعتهم لتلبيه متطلبات ومستحقات الايمان بالله،

وبرساله نبيه عليه الصلاة والسلام،

اذ ان الصدق في الايمان سبيل الى تحصيل رضا الرحمن اولا،

وهو طريق ايضا لحصول نصره وتاييده ولينصرن الله من ينصره ان الله لقوي عزيز الحج:40 .

– على ان من الدلالات المهمه في هذه البيعه،

والتي تدل على كل ما سبق وتدعمه،

ما يستفاد من مواقف الصحابه رضوان الله عليهم من رسولهم صلى الله عليه وسلم،

فيما ذكره اصحاب السير من ان عروه – وهو احد اعضاء وفد قريش،

الذين ذهبوا للمفاوضه والمصالحه – وكان قد رجع الى اصحابه يصف لهم ما راى،

قال:

اي قوم



والله لقد وفدت على الملوك،

على كسرى و قيصر والنجاشي ،



والله ما رايت ملكا يعظمه اصحابه،

ما يعظم اصحاب محمد محمدا،

والله ان تنخم نخامه،

الا وقعت في كف رجل منهم،

فدلك بها وجهه وجلده،

واذا امرهم ابتدروا امره،

واذا توضا كادوا يقتتلون على وضوئه،

واذا تكلم خفضوا اصواتهم عنده،

وما يحدون اليه النظر تعظيما له.

وفي فعل الصحابه هذا على ما وصفعروه ما يدل على انه لا ايمان برسول الله صلى الله عليه وسلم دون محبه له،

وان هذه المحبه ليست معنى عقلانيا مجردا،

وانما هي اثر ملموس،

وسلوك مشهود،

يستحوذ على القلب،

فيطبع صاحبه،

بمثل الطابع الذي وصف به عروه بن مسعود اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ومما يتصل بهذا الحدث،

ويحمل من الدلاله ما يحمل،

حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم،

وهو في “الصحيحين” عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما،

قال:

قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبيه:

انتم خير اهل الارض قال جابر – وكان قد كف بصره

ولو كنت ابصر اليوم،

لاريتكم مكان الشجره .

وقد قطعت هذه الشجره ونسي مكانها،

وكان في ذلك خير للمسلمين؛

اذ لو بقيت الى اليوم،

لشدت اليها الرحال،

ولضربت عليها القباب،

ولظن الناس فيها الظنونا،

ولربما كانت قبله لبعض الجهال،

ولكن الله غالب على امره ولكن اكثر الناس لا يعلمون .

186 views

البيعة تحت الشجرة