9:53 مساءً الجمعة 24 مايو، 2019

العيل درواية

صور العيل درواية

تحيل مقوله العسل التي تبئر بها روايه “العسل” لسلوبودان ديسبو الصادره عن دار غاليمار 2019 عتباتها الاولي المتمثله في العنوان،

 

على عكس منطوقها.

فاذا كان العسل يشير الى ذلك الغذاء الشافى الذى يمتلك حظوه كبيرة بين كل الناس،

 

فان الاجواء الداخلية التي تعتمر المتن الروائى يغلب عليها الطابع الدرامي الذى يوافق معكوس ما تدل عليه مفرده “العسل”،

 

فرب قائل يقول انه كان من الاولي ان تعنون الروايه ب”الحنظل” او “الجحيم”.

لكن خيار الكاتب له ما يبرره،

 

فهو يريد ان يخاتل القارئ و يموة حدسة القرائى و التاويلي،

 

كما ان المتن الروائى يتطرق لمقوله العسل مرات عديدة،

 

خصوصا لما زار احد الاشخاص الطبيبه التقليديه المتخصصه في التداوى بالاعشاب التي انقدت و الدة من موت محقق بعد ان افتدتة منهم بما كانت تملكة من اموال جمعتها من اجل تسديد المستحقات الضريبيه المتراكمه عليها عبر سنوات،

 

و هو مصحوب بقدر كبير من العسل خمسين كيلوغراما كهديه من و الدة لها،

 

فضلا عن الاموال التي قدمتها لذلك المجنون كى يخلصه.

واذا كانت فكرة استرجاع الاموال لم ترقها،

 

فانها فرحت ايما فرح بهديه العسل الذى افتقدتة تلك الايام،

 

خاصة و انه ما ده اساسية لتحضير العقاقير البديلة.

 

و كم كانت حاجتها ما سه وبالاخص مع حالة فيسكو الاقرع الذى زارها منذ مدة من اجل التداوى من افه القرع التي اصابته.

كما تم التطرق ايضا لهاتة المقوله لحظه الحديث عن و الد فيسكو الذى انصرف ابان الحرب الى تربيه النحل في الجبال،

 

فى مفارقه و اضحة.

 

و هذا يدل على ان للعسل في النص دلاله استعاريه كبري تتمثل في كونة جوهرا و كنها تتفرق عنهما الحكمه التي زاغ عنها اهل البلقان بسقوطهم في شرك دوامه الصراع الدامي.

انتقاد الحروب
و يتجسد المغزي الانسانى عبر هذا المتن الروائى في الدفاع عن الحق الطبيعي للانسان في حياة كريمه مطمئنه من خلال استعراض مشاهد القتال الصادمه ضد المدنيين العزل،

 

و ذم الاثار الوخيمه التي تخلفها الحرب و الصراعات المسلحه على الانسان،

 

جسديا و نفسيا،

 

بحيث انه ليس هناك غالب او مغلوب،

 

بل الكل يؤدى ثمن الحروب و الخسارات،

 

حتى اولئك الذين لا ناقه لهم و لا جمل في ايقاظ شرارتها،

 

بل حتى اولئك الذين عارضوها.

“تفنن الروائى سلوبودان ديسبو فى استبطان شخصياتة الروائية،

 

و عمل على تشريح دواخلها المنفعله مع الوضع الدامي للبلقان المتمزق بفعل الاقتتال المتوحش،

 

مشخصا الحالات المهزوزه للانسان البلقانى و تمزقة الداخلي”

ولا يختلف الامر الا من حيث طريقة اداء الثمن،

 

فالبعض يدفع ارواحه،

 

خاصة اولئك الذين يكونون في الجبهات،

 

و البعض يدفع اعضاءة فيترك عاله على المجتمع معاقا طيله حياته،

 

متكوما حول خسارته،

 

يعانى عقدا نفسيه و اجتماعية،

 

و هناك من يؤدى الثمن من اموالة و عائداته،

 

بحيث تؤدى الحرب الى ارتفاع الاسعار و كساد السلع و عجز القدرات الشرائيه و تسريح العمال.

 

و هناك من يؤديها من خلال راحتة و طمانينته،

 

حيث يتفشي الخوف و النزوح و الفقر و المجاعات و الامراض.

لقد تفنن الروائى في استبطان شخصياتة الروائية،

 

و عمل على تشريح دواخلها المنفعله مع الوضع الدامي للبلقان المتمزق بفعل الاقتتال المتوحش،

 

مشخصا الحالات المهزوزه للانسان البلقانى و تمزقة الداخلى جراء خوفة من موت محقق،

 

و افتقادة لثرواتة و مسكنة و وفاه افراد اسرتة النشطين في الاطلاق العشوائى للنيران.

فى هذا الطقس الجنائزى الرهيب،

 

هناك امرأة تظل تكابر مدافعه عن القيم الرفيعه التي تبطش بها الانا المضخمه و محبه سفك الدماء،

 

و ذلك من خلال توظيف مؤهلاتها العلميه و خبرتها في مجال الطب الشعبى من اجل انقاذ ارواح الناس مما يصيبهم من امراض،

 

بل و سعيها،

 

بكل ما تملك، لتخليص الناس من العناء و الالم دون ان تنتظر مقابلا.

تكمن قيمه النص الروائى في تسليط الضوء على اهمية القيم الانسانيه التي تفتقد في زمن الصراعات،

 

تلك القيم التي تشكل “العسل” الرفيع الذى يلحم الناس و يمنح العلاقات المجتمعيه حميميه و دفئا و يعطى طعما راقيا للحياة.

فالانشغال بتربيه النحل،

 

و التمتع بالطبيعه في اعالى الجبال مثلما فعل و الد فيسكو،

 

غير عابئ بمخاطر الحرب،

 

و اصوات الرصاص في السهول المجاورة،

 

نموذج يعاكس ذلك الاصطفاف المحموم حول السلاح،

 

و بقدر ما يعزز هذا الامر قيمه الحياة و يجعلها عذبة،

 

فان ذلك السلوك المنحط المراهن على الاقتتال و تدمير الطبيعه يقوضها و يهدمها.

كما تناقش هذه الروايه بصورة ما العلاقة  الغامضه بين الاب و الابن،

 

فرغم نقمه الولد الاجرب “فيسكو” على و الدة الذى بات متشبثا في اوج الخراب بممتلكاتة في قمم الجبال،

 

غير عابئ بما يمكن ان يحدث له جراء القصف و استهداف المدنيين،

 

فهو يسعي في رحله محفوفه بالمخاطر الى البحث عن و الده،

 

متحديا القصف و الرصاص و القناصة،

 

مخفيا هويتة المغضوب عليها كصربي،

 

فى هذه المسارات المتاهيه الملغمه بالموت المتربص في كل ان.

ومثل هاتة العلاقات مهما توترت تظل محكومة باحاسيس تفوق الادراك،

 

و تجعل المرء ينساق و راءها فطريا،

 

مهما كانت الحواجز و المسافات مثل علاقه الامومه و الاخوه و البنوه و غيرها.

كثافه السرد
على عكس ما ينتظر القارئ من مثل هذا العمل يكون مثقلا بالتحليلات النفسية،

 

و التوصيفات الرتيبه للمناظر الطبيعية،

 

و مشاهد الخراب و الحرب،

 

فان الروايه جاءت محبوكه المفاصل،

 

متواصله الاثاره و التشويق،

 

خاليه من الاطناب الممل و شديده الكثافة.

“ليس العسل هو الشخصيه الرئيسيه في الرواية،

 

بل هي يوغسلافيا،

 

البلاد التي مزقتها الحروب الاهلية،

 

و اجهزت في ايام على ما تمت تسويتة خلال قرون من العمل “

وليس العسل هو الشخصيه الرئيسيه في الرواية،

 

بل هي يوغسلافيا،

 

البلاد التي مزقتها الحروب الاهلية،

 

و اجهزت في ايام على ما تمت تسويتة خلال قرون من العمل،

 

و لعل رغبه الروائى في الامساك بكل هاتة المسافه الزمنية،

 

و بكل هاتة التفاصيل التي تتابي على الاختزال،

 

جعلتة يميل الى تكثيف الزمن الروائي،

 

و توظيف التقنيات السرديه القمينه بخلق عوالم سرديه متداخله و كثيفه الطبقات،

 

لكن في الوقت نفسة يجب ان يكون الخطاب الروائى المؤسس قادرا على قياده المتلقى نحو السيناريوهات المستتره من الحكايه الدراميه الكاملة الضمنيه التي تستضمرها ثنايا المتن.

ويمنح احتفاء النص بخطابات متعدده امكانيه قراءتة بصيغ مختلفة،

 

حيث يقراها البعض باعتبارها رواية،

 

و البعض ينظر اليها بوصفها ملحمة،

 

و البعض الاخر يعتبرها رحله متميزه لكونها اخترقت بلدان البلقان شرق القاره العجوز المتمزق،

 

فى حين يتناولها اخرون بكونها ذاكره حقيقيه تحتفظ بصورة محكيه لماساه جيل كامل من قاطنه الصرب و البوسنه و ما كابدتة من تشتت و ضياع و تصفيه و خراب في العمران،

 

و هذا يجعل من النص شهاده مؤثره على زمن و عر تكبدت خسائرة المنطقة و شعوبها بفعل سياده العمي السياسى و الايديولوجي،

 

و سوف تتزايد قيمتها مع الزمن.

112 views

العيل درواية