4:52 صباحًا السبت 15 ديسمبر، 2018

العيل درواية


صور العيل درواية

تحيل مقوله العسل التى تبئر بها روايه “العسل” لسلوبودان ديسبو الصادره عن دار غاليمار 2019 عتباتها الاولي المتمثله في العنوان،

علي عكس منطوقها.

فاذا كان العسل يشير الى ذلك الغذاء الشافى الذى يمتلك حظوه كبيره بين كل الناس،

فان الاجواء الداخليه التى تعتمر المتن الروائى يغلب عليها الطابع الدرامى الذى يوافق معكوس ما تدل عليه مفرده “العسل”،

فرب قائل يقول انه كان من الاولي ان تعنون الروايه ب”الحنظل” او “الجحيم”.

لكن خيار الكاتب له ما يبرره،

فهو يريد ان يخاتل القارئ و يموه حدسه القرائى و التاويلي،

كما ان المتن الروائى يتطرق لمقوله العسل مرات عديدة،

خصوصا لما زار احد الاشخاص الطبيبه التقليديه المتخصصه في التداوى بالاعشاب التى انقدت و الده من موت محقق بعد ان افتدته منهم بما كانت تملكه من اموال جمعتها من اجل تسديد المستحقات الضريبيه المتراكمه عليها عبر سنوات،

و هو مصحوب بقدر كبير من العسل خمسين كيلوغراما كهديه من و الده لها،

فضلا عن الاموال التى قدمتها لذلك المجنون كى يخلصه.

واذا كانت فكره استرجاع الاموال لم ترقها،

فانها فرحت ايما فرح بهديه العسل الذى افتقدته تلك الايام،

خاصه و انه ما ده اساسيه لتحضير العقاقير البديلة.

و كم كانت حاجتها ما سه وبالاخص مع حاله فيسكو الاقرع الذى زارها منذ مدة من اجل التداوى من افه القرع التى اصابته.

كما تم التطرق ايضا لهاته المقوله لحظه الحديث عن و الد فيسكو الذى انصرف ابان الحرب الى تربيه النحل في الجبال،

فى مفارقه و اضحة.

و هذا يدل على ان للعسل في النص دلاله استعاريه كبري تتمثل في كونه جوهرا و كنها تتفرق عنهما الحكمه التى زاغ عنها اهل البلقان بسقوطهم في شرك دوامه الصراع الدامي.

انتقاد الحروب
و يتجسد المغزي الانسانى عبر هذا المتن الروائى في الدفاع عن الحق الطبيعى للانسان في حياه كريمه مطمئنه من خلال استعراض مشاهد القتال الصادمه ضد المدنيين العزل،

و ذم الاثار الوخيمه التى تخلفها الحرب و الصراعات المسلحه على الانسان،

جسديا و نفسيا،

بحيث انه ليس هناك غالب او مغلوب،

بل الكل يؤدى ثمن الحروب و الخسارات،

حتي اولئك الذين لا ناقه لهم و لا جمل في ايقاظ شرارتها،

بل حتى اولئك الذين عارضوها.

“تفنن الروائى سلوبودان ديسبو فى استبطان شخصياته الروائية،

و عمل على تشريح دواخلها المنفعله مع الوضع الدامى للبلقان المتمزق بفعل الاقتتال المتوحش،

مشخصا الحالات المهزوزه للانسان البلقانى و تمزقه الداخلي”

ولا يختلف الامر الا من حيث طريقه اداء الثمن،

فالبعض يدفع ارواحه،

خاصه اولئك الذين يكونون في الجبهات،

و البعض يدفع اعضاءه فيترك عاله على المجتمع معاقا طيله حياته،

متكوما حول خسارته،

يعانى عقدا نفسيه و اجتماعية،

و هناك من يؤدى الثمن من امواله و عائداته،

بحيث تؤدى الحرب الى ارتفاع الاسعار و كساد السلع و عجز القدرات الشرائيه و تسريح العمال.

و هناك من يؤديها من خلال راحته و طمانينته،

حيث يتفشي الخوف و النزوح و الفقر و المجاعات و الامراض.

لقد تفنن الروائى في استبطان شخصياته الروائية،

و عمل على تشريح دواخلها المنفعله مع الوضع الدامى للبلقان المتمزق بفعل الاقتتال المتوحش،

مشخصا الحالات المهزوزه للانسان البلقانى و تمزقه الداخلى جراء خوفه من موت محقق،

و افتقاده لثرواته و مسكنه و وفاه افراد اسرته النشطين في الاطلاق العشوائى للنيران.

فى هذا الطقس الجنائزى الرهيب،

هناك امراه تظل تكابر مدافعه عن القيم الرفيعه التى تبطش بها الانا المضخمه و محبه سفك الدماء،

و ذلك من خلال توظيف مؤهلاتها العلميه و خبرتها في مجال الطب الشعبى من اجل انقاذ ارواح الناس مما يصيبهم من امراض،

بل و سعيها،

بكل ما تملك، لتخليص الناس من العناء و الالم دون ان تنتظر مقابلا.

تكمن قيمه النص الروائى في تسليط الضوء على اهميه القيم الانسانيه التى تفتقد في زمن الصراعات،

تلك القيم التى تشكل “العسل” الرفيع الذى يلحم الناس و يمنح العلاقات المجتمعيه حميميه و دفئا و يعطى طعما راقيا للحياة.

فالانشغال بتربيه النحل،

و التمتع بالطبيعه في اعالى الجبال مثلما فعل و الد فيسكو،

غير عابئ بمخاطر الحرب،

و اصوات الرصاص في السهول المجاورة،

نموذج يعاكس ذلك الاصطفاف المحموم حول السلاح،

و بقدر ما يعزز هذا الامر قيمه الحياه و يجعلها عذبة،

فان ذلك السلوك المنحط المراهن على الاقتتال و تدمير الطبيعه يقوضها و يهدمها.

كما تناقش هذه الروايه بصوره ما العلاقة  الغامضه بين الاب و الابن،

فرغم نقمه الولد الاجرب “فيسكو” على و الده الذى بات متشبثا في اوج الخراب بممتلكاته في قمم الجبال،

غير عابئ بما يمكن ان يحدث له جراء القصف و استهداف المدنيين،

فهو يسعي في رحله محفوفه بالمخاطر الى البحث عن و الده،

متحديا القصف و الرصاص و القناصة،

مخفيا هويته المغضوب عليها كصربي،

فى هذه المسارات المتاهيه الملغمه بالموت المتربص في كل ان.

ومثل هاته العلاقات مهما توترت تظل محكومه باحاسيس تفوق الادراك،

و تجعل المرء ينساق و راءها فطريا،

مهما كانت الحواجز و المسافات مثل علاقه الامومه و الاخوه و البنوه و غيرها.

كثافه السرد
على عكس ما ينتظر القارئ من مثل هذا العمل يكون مثقلا بالتحليلات النفسية،

و التوصيفات الرتيبه للمناظر الطبيعية،

و مشاهد الخراب و الحرب،

فان الروايه جاءت محبوكه المفاصل،

متواصله الاثاره و التشويق،

خاليه من الاطناب الممل و شديده الكثافة.

“ليس العسل هو الشخصيه الرئيسيه في الرواية،

بل هى يوغسلافيا،

البلاد التى مزقتها الحروب الاهلية،

و اجهزت في ايام على ما تمت تسويته خلال قرون من العمل “

وليس العسل هو الشخصيه الرئيسيه في الرواية،

بل هى يوغسلافيا،

البلاد التى مزقتها الحروب الاهلية،

و اجهزت في ايام على ما تمت تسويته خلال قرون من العمل،

و لعل رغبه الروائى في الامساك بكل هاته المسافه الزمنية،

و بكل هاته التفاصيل التى تتابي على الاختزال،

جعلته يميل الى تكثيف الزمن الروائي،

و توظيف التقنيات السرديه القمينه بخلق عوالم سرديه متداخله و كثيفه الطبقات،

لكن في الوقت نفسه يجب ان يكون الخطاب الروائى المؤسس قادرا على قياده المتلقى نحو السيناريوهات المستتره من الحكايه الدراميه الكامله الضمنيه التى تستضمرها ثنايا المتن.

ويمنح احتفاء النص بخطابات متعدده امكانيه قراءته بصيغ مختلفة،

حيث يقراها البعض باعتبارها رواية،

و البعض ينظر اليها بوصفها ملحمة،

و البعض الاخر يعتبرها رحله متميزه لكونها اخترقت بلدان البلقان شرق القاره العجوز المتمزق،

فى حين يتناولها اخرون بكونها ذاكره حقيقيه تحتفظ بصوره محكيه لماساه جيل كامل من قاطنه الصرب و البوسنه و ما كابدته من تشتت و ضياع و تصفيه و خراب في العمران،

و هذا يجعل من النص شهاده مؤثره على زمن و عر تكبدت خسائره المنطقه و شعوبها بفعل سياده العمي السياسى و الايديولوجي،

و سوف تتزايد قيمتها مع الزمن.

68 views

العيل درواية