7:18 مساءً الجمعة 22 فبراير، 2019








الهي مسني الضر وانت ارحم الراحمين

 

 

الهى مسنى الضر و انت ارحم الراحمين

قال ابن القيم: “جمع في هذا الدعاء بين حقيقه التوحيد و اظهار الفقر و الفاقه الى ربه، و وجود طعم المحبه في المتملق له، و الاقرار له بصفه الرحمه و انه ارحم الراحمين، و التوسل اليه بصفاته سبحانه، و شده حاجته و هو فقره، و متى و جد المبتلي هذا كشف عنه بلواه، و قد جرب انه من قالها سبع مرات، و لا سيما مع هذه المعرفه كشف الله ضره”[1].

ورغم ان كلمات هذا الدعاء لا تحمل معنى الطلب، و لا نبرات الدعاء، لكنها من ابلغ انواع السؤال، و قد سئل سفيان بن عيينه عن حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم: «افضل الدعاء دعاء يوم عرفه و افضل ما قلت انا و النبيون من قبلي: لا اله الا الله و حده لا شريك له»[2].
و انما هى ذكر انما هى ذكر ليس فيه دعاء.

قال سفيان: سمعت حديث منصور عن ما لك بن الحارث، يقول الله تعالى: «من شغله ذكرى عن مسالتى اعطيته افضل ما اعطى السائلين»[3]؟!
قلت: نعم.
قال: ذلك تفسير هذا، ثم قال: اتدرى ما قال اميه حين اتي ابن جدعان يطلب منه نائله و معروفه؟
قلت: لا.
قال: لما اتاه قال:
ااذكر حاجتى ام قد كفانى * حياؤك ان شيمتك الحياء
اذا اثني عليك المرء يوما * كفاه من تعرضك الثناء
قال سفيان: فهذا مخلوق حين ينسب الى الجود قيل: يكفينا من تعرضك الثناء عليك حتى تاتى على حاجتنا، فكيف بالخالق؟»[4].

وهذا من حسن الادب في السؤال و الدعاء، فقول القائل لمن يعظمه و يطمع في فضله: انا جائع .. انا مريض .. هو حسن ادب في السؤال، و فيه اظهار حاله و الاخبار به على وجه الذل و الافتقار، و هو متضمن لسؤال الحال و هو ابلغ من سؤال المقال، اما قوله اطعمنى و داوني فهو طلب جازم من المسؤول.

ولان الصيغه التى تتضمن حال السائل و المسؤول من اكمل صيغ الدعاء المفضى الى الاجابه فلذا جاء كثير من الادعيه النبويه على هذا المثال؛ مثل قول النبى صلى الله عليه و سلم لابى بكر الصديق: «قل اللهم انى ظلمت نفسى ظلما كثيرا، و انه لا يغفر الذنوب الا انت، فاغفر لى مغفره من عندك، و ارحمنى انك انت الغفور الرحيم»[5].

والمح في هذا الدعاء سؤال الله بصفاته التى تستدعى الاجابه و تستعطف الكريم، و هو وصف الرب سبحانه و تعالى بالمغفره و الرحمه و هذا من استجداء الرحمه من الرحيم باحب ما يحب ربنا و يرضاه. قال ابن القيم: “فجمع في هذا الدعاء الشريف العظيم القدر بين الاعتراف بحاله و التوسل الى ربه عز و جل بفضله وجوده، و انه المنفرد بغفران الذنوب، ثم سال حاجته بعد التوسل بالامرين معا، فهكذا ادب الدعاء و اداب العبودية”[6].

مدح ثلاثى لايوب!
فما قصه ايوب؟!
و ما خبر ابتلائه؟
اسمع: «ان ايوب لبث به بلاؤه ثمانى عشره سنه فرفضه القريب و البعيد الا رجلين من اخوانه كانا من اخص اخوانه، كانا يغدوان اليه و يروحان، فقال احدهما لصاحبه ذات يوم:
تعلم و الله لقد اذنب ايوب ذنبا ما اذنبه احد.
قال: و ما ذاك؟
قال: منذ ثمانى عشره سنه لم يرحمه الله فيكشف عنه ما به. فلما جاء الى ايوب لم يصبر الرجل حتى ذكر له ذلك، فقال ايوب: لا ادرى ما تقول، غير ان الله يعلم انى كنت امر بالرجلين يتباعدان يذكران الله، فارجع الى بيتي، فاؤلف بينهما كراهه ان يذكر الله لا في حق.

وكان يخرج لحاجته، فاذا قضي حاجته امسكت امراته بيده حتى يبلغ، فلما كان ذات يوم ابطا عليها، فاوحي الله الى ايوب في مكانه ان اركض برجلك هذا مغتسل بارد و شراب، فاستبطاته فاتته فاقبل عليها قد اذهب الله ما به من البلاء و هو احسن ما كان، فلما راته قالت: اي بارك الله فيك، هل رايت نبى الله المبتلى و الله على ذاك ما رايت رجلا اشبه به منك اذ كان صحيحا. قال: فانى انا هو[7].

وجزاء هذا الصبر الطويل، و مكافاه له على عدم شكواه و رفع بلواه الا لمولاه، فقد مدحه الله في كتابه، و ما اعظم هذا الصبر حتى يمدحه الله جل في علاه، و ليست مدحه واحدا بل ثلاث مدحات متتاليات:  انا و جدناه صابرا نعم العبد انه اواب}.
[1] الفوائد 1/201
[2] حسن: رواه ما لك عن طلحه بن عبيد بن كريز مرسلا كما في السلسله الصحيحه رقم: 1503
[3] ضعيف: رواه الترمذى عن ابى سعيد كما في ضعيف الجامع رقم: 6435
[4] فضائل الاوقات للبيهقى 1/369،370
[5] صحيح: [حم ق ت ن ه] عن ابن عمر و ابى بكر كما في صحيح الجامع رقم: 4400
[6] الوابل الصيب من الكلم الطيب ص 91
[7] الدر 5/ 659

 

519 views

الهي مسني الضر وانت ارحم الراحمين