3:11 مساءً الجمعة 16 نوفمبر، 2018

تردد تعهد تهدج


صور تردد تعهد تهدج
——————————————————————————–

” حوش بنات ود العمدة ” روايه عن الحب والكراهيه .

.الخوف والفشل والعنصريه .

.

وبعض المسكوت عنه .

.

للكاتبه سناء جعفر

الفصل الاول

انطلقت الزغروده عاليه مجلجله بجرس موسيقي صاف وشقت عنان سماء اختلطت فيها الوان السحب ما بين الابيض الناصع والرمادي المتدرج وطغى عليها لون احتضار الشمس بزفيرها الناري وهي تغيب ببطء خلف الافق المتاهب لغزو الظلام … تتالت الزغاريد التي كانت تبدا بعنفوان متحمس منساب ثم تنخفض برنات متفاوته في الطول والنعومه …
وضجت سماء حي ابوروف بالاصوات التي اعتادتها طيله الشهرين الماضيين .

.
في الفضاء ارتفعت اعمدة دخان باهت ترافقها رائحه ” الشاف ” المحترق وابخره الشحم المخلوط بالقرنفل واعواد الصندل … قطع مزيج الروائح النفاذه الشارع الاسفلتي الضيق الذي يفصل منزل حامد الامين عن النيل وتوغل حتى وصل الى القوارب الصغيرة التي كانت تتهادى في رحله عودتها من صيد موفق … تبادل المراكبيه ابتسامات متواطئه عندما سمعوا رنات الفرح الصادحه المصحوبه بمزيج الروائح المغريه وهي تستفز خياشيمهم التي ادمنت رائحه البحر والسمك … ظهرت علامات الانتشاء في الوجوه الكالحه … وصرخ احدهم مناديا الاخر …

– بختك يا وراق … ماشي حوش ود العمدة محل الريحه السمحه والوشوش السمحه…
ارتفعت الضحكات وتبادل الكل الهمهمات المازحه وهم ينظرون الى مركب وراق الصغير بحسد … ونادى صوت اخر …

– والله سمح العرس عند بنات ود العمدة … الا هي الحفله متين

؟؟

رد وراق بفتور وهو يوجه قاربه الصغير نحو الشاطئ .

.

وارتج جسده النحيل قليلا عندما اصطدمت المقدمه بالضفه الرمليه

– العرس الاسبوع الجاي
حمل كيس الخيش الممتلئ بالاسماك .

.

وبخطوات خفيفه حافيه قطع الشارع الضيق ووقف قليلا يتامل المنزل المهيب بابوابه الكبيرة ومساحته الشاسعه التي تمتد حتى نهاية الشارع … كانت الوان الغروب الدافئه تنعكس على الجدران الحجريه العاليه وتضفي عليها ظلالا ناعمه بددت جمودها حتى خيل لوراق كانها تتحرك … هز راسه كي ينفض عنه اوهامه ثم دخل بالفه من الباب الحديدي العملاق واتجه مباشره الى خلف المباني وهو يتبع خليط الروائح المغريه … عندما وصل الى الزاويه التي يبدا بعدها الحوش الفسيح … راودته نفسه ان يتجاهل اسلوبه المعتاد في اعلان حضوره وادعاء الغفله حتى يرى ما تتوق نفسه الى رؤياه … هم بالتحرك ثم توقفت خطواته بغته عندما تناهى الى سمعه صوت حجه ” السره ” الجهوري وهي تامر وتنهي كعادتها …

– يا بت يا بلقيس زيدي النار دي سريع … الحفره بقت باردة والحطب قرب يموت…

تسمر خوفا .

.

ورفع صوته باعلى ما يستطيع

– حجه السره … يا ناس هوي .

.

جبت ليكم السمك .

.

تعالوا شيلوهو مني .

تمتم بالحمد على عدم مطاوعه نفسه الاماره بالسوء عندما اتاه صوت السره محذرا …

– وراق



اقيف قبلك اوعاك تدخل … اجري يا بت يا فاطنه شيلي منو السمك ووديهو لحبوبتك بهناك تنضفو .

.وكلمي جدك حامد يديهو القروش … اتحركي يا بت وبطلي المحركة بتاعت امك دي …

تراجع وراق بجسده الى الخلف ومد راسه مختلسا النظر داخل الحوش العريض … كانت فاطمه تتقدم نحوه بخطواتها الراقصة وجسدها الرشيق … تفوح منها ذات الروائح المستفزه … بدا جلدها المتراوح بين لون البن المحمص ونعومه ثمره الطماطم الناضجه ولمعه الدهن السائح يقترب منه ويثير فيه احاسيس لا يستطيع احتمالها … ابتلع ريقه بصعوبه عندما وقفت امامه كاحدى تماثيل الابنوس المصقوله التي يراها في سوق امدرمان .

.

خاطبته باستعلاء .

.

– اف منك ومن ريحتك يا وراق… انت القال ليك منو احنا عاوزين سمك الليلة



شايفنا فاضيين ليهو ولزفارتو



..

يلا هاته وطير عند ابوي حامد شيل قروشك … وتاني حسك عينك تجيب سمك لغايه ما العرس ينتهي …

انتزعت كيس الخيش من يده بعنف واتجهت الى اخر الحوش … ظل يراقب خطواتها حتى اختفت عن ناظريه خلف سور كثيف من الاشجار المتلاصقه التي كونت ما يشبه دغل صغير بدا واضحا لمن يراه انه وضع بفعل فاعل كي يفصل ويغطي ما خلفه اكثر من كونه زينه .

.

وقبل ان يستدير عائدا اختلس نظره اخرى الى طرف الحوش الاخر المسكون بمنبع الروائح …
ارتعشت مفاصله وتسارعت دقات قلبه عندما لمح شبح فتاة رائعه الجمال وقفت بتململ وصبر نافذ … بدت حبات عرق لامعه تغطي وجهها وتسيل في خطوط متنافسه حتى عنقها … كانت خصلات شعرها الناعم المتمرده مبعثره وملتصقه بجبينها الضيق وتدلى بعضها متلويا على خدودها اللامعه … حركاتها القلقه جعلت ” الشمله ” تنحسر عن كتف ذهبي مستدير .

.

بينما خرجت من اسفلها ساق تشبعت بالدخان حتى صار لونها مائلا للسواد …
كانت ” بلقيس ” كبرى بنات حجه السره منحنيه وهي تلتقط جمرات من “الكانون ” امامها وتضعها بحرص داخل الحفره العميقه حسب توجيهات امها …

– رصي الحطب كويس يا بلقيس … زيدي الجمر ده ووزعيهو عشان يقبض سريع … وانتي يا بت يا رحمه غتي صدرك ما يلفحك الهوا … ارفعي الشمله دي لفوق وبطلي الدلع الفارغ البتسوى فيهو ده واقعدي زي الناس في الحفره … بنات اخر زمن



… الواحده تقعد عشره دقايق وتبدا تتململ وتنقنق .

.

احي الحفره حارة … واي الدخان خنقني … ما شفتونا احنا في زمنا نقعد بالساعات الطوال في عز الحر وعز البرد … ونتمسح بالودك لمن يسيل ويملا الواطه … ونتغطى من راسنا لرجلينا مافي مخلوق يشوفنا حتى اقرب الاقربين لغايه ما الدخان يبقى طبقه تخينه لمن يجوا يطلعوها الا يدخلوا القشه .

.

يلا تعالى اقعدي خلينا نخلص مواعيد الغنايه قربت …

ادرك وراق بانه قد اطال الوقوف فخاف من افتضاح امره واجبر قدميه المسمرتين على الحركة رجوعا الى مقدمه المنزل وهو يدور بعينيه املا في رؤية المزيد من فتيات الحوش الحسان … احس بخيبه امل عندما وصل الى ” الديوان ” دون ان يصادف احدا …
في ” المصطبه ” العاليه جلس حامد الامين الشهير ” بود العمدة ” في كرسي منخفض وامامه ” ابريق ” ملئ بالماء وقد شرع في الوضوء بينما تعالى صوت الاذان الشجي من المئذنه العاليه التي تطل على الحوش …
كان ود العمدة رجلا نحيلا منتصب القامه بصورة مهيبه وتثير الحيره في امكانيه تحديد عمره الحقيقي .

.

بدا التناقض واضحا بين ملامحه الطفوليه الوسيمه والشيب الذي غزا فوديه وتوزع بفوضى محببه في الشارب الغزير والذقن المستديره الخفيفه التي لم تستطع اخفاء نغزه عميقه توسطت الحنك الدقيق … كانت نظراته الحاده تنطلق كالشرر من عيون واسعه يتمازج فيها اللونين البني والعسلي بانسجام غريب .

.

وعندما يبتسم احدى ابتساماته النادره تنفرج شفتيه عن اسنان بيضاء لامعه تتوسطها ” فلجه” صغيرة وتظهر غمازتان عميقتان على خدوده المشدوده …

بعد ان فرغ حامد من وضوؤه رفع راسه ونظر الى وراق الواقف بصبر وخاطبه بصوت هادئ

– اهلا يا وراق .

.

جبت السمك



حسابك كم

؟

خفض الشاب نظراته احتراما واتت كلماته متلعثمه كما هو حالة عندما يخاطب صاحب المنزل …

– خليها علي المره دي يا ود العمدة .

.

دي هديه بسيطة ما قدر المقام عشان العروس المره الجايه بشيل منك …

فتح حامد محفظته المنتفخه واخرج منها رزمه اوراق ماليه ومدها للسماك الخجول …

– هديه مقبوله يا وراق .

.

وهاك المبلغ ده هديه مني ليك …

هم وراق بالاحتجاج فاسكته ود العمدة باشاره من يده …

– شيل القروش يا وراق .

.

مش انا قبلت هديتك



انت كمان لازم تقبل هديتي … يلا بطل نقه عشان ما تفوت علينا الصلاة .

.

المغرب غريب وما بتحمل التاخير …

تناول وراق النقود الممدوده والتي قدر قيمتها باربعه اضعاف قيمه السمك الذي احضره .

.

جاهد ليبدو حاسما وهو يخاطب ود العمدة …

– انا حشيلهم المره دي … لكن المره الجايه لو اديتني قروش تاني ما بجيب ليكم سمك..

اكتمل مشروع الابتسامه في الوجه الوسيم … استدار ود العمدة دون ان يرد .

.

اتجه الى سجاده الصلاة وشرع في التكبير بخشوع …

داخل المنزل الفسيح كانت هناك حركة دائبه لفتيات يجمع بينهن الجمال ويفرقهن اختلاف الاعمار وتباين الالوان التي تدرجت ما بين الذهبي البراق الى الخمرى الناعم والقمحى الفتان والاسمر اللامع …
في احدى الغرف المغلقه جلست فتاتان في منتصف السرير تتهامسان بخفوت متامر وهما لاهيتان بحديثهما عما يدور خارج الغرفه … فجاه فتح الباب بعنف شتت شمل الهمس ووقفت على عتبته فتاة تتارجح بين الطفوله والنضج وقد وضعت يديها في وسطها بتحد مما اظهر صدرها العارم الذي لا يتناسب مع قوامها النحيل … كانت لهجتها المتسلطة ونبرتها الحاده ارثها الواضح من السره … تراقصت علامات الغيظ في عينيها الكحيلتين وهي تتكلم بصوتها الجهوري …

– منال وجاكلين



انتو قاعدين هنا تتوسوسوا والدنيا بره جايطه



..

انتو يا بنات ما بتفتروا من الكلام … الوقت كلو مقابلين بعض وتنقوا .

.

اصلكم بتقولوا شنو



بتحلوا مشكلة فلسطين

؟!

ما مكفيكم الوقت البتقضوهوا مع بعض في الجامعة

؟…

صور تردد تعهد تهدج صور تردد تعهد تهدج

  • حوش بنات ود العمدة
324 views

تردد تعهد تهدج