6:58 صباحًا الخميس 13 ديسمبر، 2018

تقديم القران الكريم


التقديم والتاخير في القران

مقدمه:

من المسلم به ان الكلام يتالف من كلمات او اجزاء،

وليس من الممكن النطق باجزاء اي كلام دفعه واحده.

من اجل ذلك كان لا بد عند النطق بالكلام من تقديم بعضه وتاخير بعضه الاخر.

وليس شيء من اجزاء الكلام في حد ذاته اولى بالتقديم من الاخر.

لان كل الالفاظ من حيث هي الفاظ تشترك في درجه الاعتبار،

هذا بعد مراعاه ما تجب له الصداره كالفاظ الشرط والاستفهام.

وعلى هذا فتقديم جزء من الكلام او تاخيرة لا يرد اعتباطا في نظم الكلام،

وتاليفه وانما يكون عملا مقصودا يقتضيه غرض بلاغي او داع من دواعيها.

ان ما يدعو بلاغيا الى تقديم جزء من الكلام هو ذاته ما يدعو بلاغيا الى تاخير الجزء الاخر.

واذا كان الامر كذلك فانه لا يكون هناك مبرر لاختصاص كل من المسند اليه والمسند بدواع خاصة عند تقديم احدهما او تاخيرة عن الاخر،

لانه اذا تقدم احد ركني الجمله تاخر الاخر،

فهما متلازمان(1).

ان تقديم الالفاظ بعضها على بعض له اسباب عديده يقتضيها المقام وسياق القول،

يجمعها قولهم:

ان التقديم انما يكون للعنايه والاهتمام.

فما كانت به عنايتك اكبر قدمته في الكلام.

والعنايه باللفظه لا تكون من حيث انها لفظه معينة بل قد تكون العنايه بحسب مقتضى الحال.

ولذا كان عليك ان تقدم كلمه في موضع ثم تؤخرها في موضع اخر لان مراعاه مقتضى الحال تقتضي ذاك.

والقران اعلى مثل في ذلك فانا نراه يقدم لفظه مره ويؤخرها مره اخرى على حسب المقام.

فنراه مثلا يقدم السماء على الارض ومره يقدم الارض على السماء ومره يقدم الانس على الجن ومره يقدم الجن على الانس ومره يقدم الضر على النفع ومره يقدم النفع على الضر كل ذلك بحسب ما يقتضيه القول وسياق التعبير.

فاذا قيل لك مثلا:

لماذا قدم السماء على الارض هنا

قلت:

لان الاهتمام بالسماء اكبر،

ثم اذا قيل لك ولماذا قدم الارض على السماء في هذه الايه قلت لان الاهتمام بالارض هنا اكبر،

فاذا قيل:

ولماذا كان الاهتمام بالسماء هناك اكبر وكان الاهتمام بالارض هنا اكبر

وجب عليك ان تبين سبب ذلك وبيان الاختلاف بين الموطنين بحيث تبين انه لا يصح او لا يحسن تقديم الارض على السماء فيما قدمت فيه السماء او تقديم السماء على الارض فيما قدمت فيه الارض بيانا شافيا.

وكذلك بقيه المواطن الاخرى،

ولم يكتف القران الكريم بمراعاه السياق الذي وردت فيه فحسب بل راعى كل المواضع التي وردت فيها اللفظه ونظر اليها نظره واحده شامله في القران الكريم كله.

فنرى التعبير متسقا متناسقا مع غيره من التعبيرات(2).

اسباب التقديم والتاخير في القران:

قال السيوطي:

اما اسباب التقديم والتاخير واسراره فقد ظهر لي منها في الكتاب العزيز عشره انواع:

الاول:

التبرك كتقديم اسم الله في الامور ذوات الشان.ومنه قوله:

﴿شهد الله انه لا اله الا هو والملائكه واولوا العلم قائما﴾ [ال عمران:

18].

الثاني:

التعظيم،كقوله:

﴿ومن يطع الله والرسول﴾ [النساء:

69].

الثالث:

التشريف،

كتقديم الذكر على الانثى في نحو:

﴿ان المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات﴾ [الاحزاب:

35]الايه.

والحي في قوله:

﴿يخرج الحي من الميت…﴾ [الروم:

19]،

والخيل في قوله:

﴿والخيل والبغال والحمير لتركبوها﴾ [النحل:

8]،

والسمع في قوله:

﴿ان السمع والبصر والفؤاد﴾ [الاسراء:

36].

حكى ابن عطيه عن النقاش انه استدل بها على تفضيل السمع على البصر(3)،

ولذا وقع في سمعه تعالى:

﴿سميع بصير﴾ [الحج:

61] بتقديم السمع.

وتقديم موسى على هارون لاصطفائه بالكلام وتقديم المؤمنين على الكفار في كل موضع،

واصحاب اليمين على اصحاب الشمال،

والسماء على الارض،

والشمس على القمر،

ومنه تقديم الغيب على الشهاده في قوله:

﴿عالم الغيب والشهاده﴾ [المؤمنون:

92]لان علمه اشرف(4).

الرابع:

المناسبه،

وهي اما مناسبه المتقدم لسياق الكلام،كقوله:

﴿ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون﴾ [النحل:

6] فان الجمال بالجمال وان كان ثابتا حالتي السراح والاراحه الا انها حالة اراحتها،

وهو مجيئها من المرعى اخر النهار،

يكون الجمال فيها افخر؛

اذ هي فيه بطان(5)،

وحالة سراحها للرعي اول النهار يكون الجمال بها دون الاول؛

اذ هي فيه خماص.

الخامس:

الحث عليه والحض على القيام به حذرا من التهاون به؛

كتقديم الوصيه على الدين في قوله:

﴿من بعد وصيه يوصي بها او دين﴾ [النساء:

11] مع ان الدين مقدم عليها شرعا.

السادس:

السبق،

وهو اما في الزمان باعتبار الايجاد؛

كتقديم الليل على النهار،

والظلمات على النور،وادم على نوح،ونوح على ابراهيم،وابراهيم على موسى،وهو على عيسى،

وداود على سليمان،والملائكه على البشر في قوله:

﴿الله يصطفي من الملائكه رسلا ومن الناس﴾ [الحج:

75].

والازواج على الذريه في قوله:

﴿قل لازواجك وبناتك﴾ [الاحزاب:

59].

والسنه على النوم في قوله:

﴿لا تاخذه سنه ولا نوم﴾ [البقره:

255].

او باعتبار الانزال،كقوله:

﴿صحف ابراهيم وموسى﴾ [الاعلى:

19]،

﴿وانزل التوراه والانجيل من قبل هدى للناس وانزل الفرقان﴾ [ال عمران:

3،4].

او باعتبار الوجوب والتكليف،نحو:

﴿اركعوا واسجدوا﴾ [الحج:

77].

او بالذات،

نحو:

﴿ما يكون من نجوى ثلاثه الا هو رابعهم ولا خمسه الا هو سادسهم﴾ [المجادله:

7].

واما قوله:

﴿ان تقوموا لله مثنى وفرادى﴾ [سبا:

46] فللحث على الجماعة والاجتماع على الخير.

السابع:

السببيه؛

كتقديم العزيز على الحكيم؛

لانه عز فحكم،

والعليم عليه؛لان الاحكام والاتقان ناشئ عن العلم.

ومنه تقديم العباده على الاستعانه في سورة الفاتحه؛

لانها سبب حصول الاعانه وكذا قوله:

﴿ان الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾ [البقره:

222] لان التوبه سبب للطهاره.

الثامن:

الكثره،كقوله:

﴿فمنكم كافر ومنكم مؤمن﴾ [التغابن:

2] لان الكفار اكثر(6)،

قلت فقدمهم على المؤمنين.

قيل:

وقدم السارق على السارقه؛

لان السرقه في الذكور اكثر.والزانيه على الزاني فيهن اكثر.

ونحو قوله:

﴿ان طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود﴾ [البقره:

125] فكل طائفه هي اقل من التي بعدها فتدرج من القله الى الكثره.

فالطائفون اقل من العاكفين لان الطواف لا يكون الا حول الكعبه.

والعكوف يكون في المساجد عموما والعاكفون اقل من الراكعين لان الركوع اي الصلاة تكون في كل ارض طاهره اما العكوف فلا يكون الا في المساجد.

والراكعون اقل من الساجدين وذلك لان لكل ركعه سجدتين ثم ان كل راكع لا بد ان يسجد وقد يكون سجودا ليس فيه ركوع كسجود التلاوه وسجود الشكر فهو هنا تدرج من القله الى الكثره.

ولهذا التدرج سبب اقتضاه المقام فان الكلام على بيت الله الحرام.

قال تعالى:

﴿وعهدنا الى ابراهيم واسماعيل ان طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود﴾ [البقره:

125]،

فالطائفون هم الصق المذكورين بالبيت لانهم يطوفون حوله،

فبدا بهم ثم تدرج الى العاكفين في هذا البيت او في بيوت الله عموما ثم الركع السجود الذين يتوجهون الى هذا البيت في ركوعهم وسجودهم في كل الارض.

ونحوه قوله تعالى:

﴿يا ايها الذين امنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون﴾ [الحج:

77]،

فبدا بالركوع وهو اقل المذكورات ثم السجود وهو اكثر ثم عباده الرب وهي اعم ثم فعل الخير.

وقد يكون الكلام بالعكس فيتدرج من الكثرة الى القله وذلك نحو قوله تعالى:

﴿يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين﴾ [ال عمران:

43] فبدا بالقنوت وهو عموم العباده ثم السجود وهو اخص واقل من عموم العباده التي هي القنوت ثم الركوع وهو اقل واخص منهما.

التاسع:

الترقي من الادنى الى الاعلى،كقوله:

﴿الهم ارجل يمشون بها ام لهم ايد يبطشون بها ام لهم اعين يبصرون بها ام لهم اذان يسمعون بها…﴾ [الاعراف:

195]،

بدا بالادنى لغرض الترقي،

لان اليد اشرف من الرجل والعين اشرف من اليد والسمع اشرف من البصر.

العاشر:

التدلي من الاعلى الى الادنى،

كقوله:

﴿لا يغادر صغيرة ولا كبيرة الا احصاها﴾ [الكهف:

49] ﴿لا تاخذه سنه ولا نوم﴾ [البقره:

255](7).

وزاد غيره اسبابا اخر؛

منها كونه ادل على القدره واعجب؛

كقوله:

﴿والله خلق كل دابه من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على اربع يخلق الله ما يشاء ان الله على كل شيء قدير﴾ [النور:

45].

وقوله:

﴿وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن والطير﴾ [الانبياء:

79].

قال الزمخشري:

قدم الجبال على الطير؛

لان تسخيرها له وتسبيحها له اعجب،

وادل على القدره وادخل في الاعجاز؛

لانها جماد،

والطير حيوان ناطق(8).

وقد يكون التقديم لغرض اخر كالمدح والثناء والتعظيم والتحقير وغير ذلك من الاغراض،

الا ان الاكثر فيه انه يفيد الاختصاص.

ومن التقديم الذي لا يفيد الاختصاص قوله تعالى:

﴿ووهبنا له اسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل﴾ [الانعام:

84] فهذا ليس من باب التخصيص اذ ليس معناه اننا ما هدينا الا نوحا وانما هو من باب المدح والثناء.

ونحو قوله:

﴿فاما اليتيم فلا تقهر واما السائل فلا تنهر﴾ [الضحى:

9،10] اذ ليس المقصود به جواز قهر غير اليتيم ونهر غير السائل وانما هو من باب التوجيه فان اليتيم ضعيف وكذلك السائل وهما مظنه القهر فقدمهما للاهتمام بشانهما والتوجيه الى عدم استضعافهما(9).

استثناء من الاضطراد:

مر بنا ان التقديم والتاخير جاء في القران لاسباب قد بيناها وهي تكاد ان تكون قواعد مطرده ولكن قد تشذ تلك القواعد شيئا بسيطا عن الاطراد المعهود،

سنبينها باختصار مع بيان اسباب ذلك:

فقد قدم هارون على موسى في سورة طه رعايه للفاصله لان المعهود المطرد تقديم موسى على هارون،

واما تقديم الانعام في قوله:

﴿تاكل منه انعامهم وانفسهم﴾ [السجده:

27]فلانه تقدم ذكر الزرع،فناسب تقديم الانعام،بخلاف ايه عبس فانه تقدم فيها:

﴿فلينظر الانسان الى طعامه﴾ [عبس:

24] فناسب تقديم لكم)(10).

وهكذا لو تقصينا الالفاظ التي تاخرت عن تقديمها المعهود لوجدنا الحكمه في ذلك واضحه جليه وليس المراد في هذا البحث استقصاء كل شارده ووارده وانما وضع لمسات بيانيه يتضح منها المقصود علما انني قد اوردت في ثنايا هذا البحث بعض تلك الاستثناءات تجدها في مضانها والله تعالى اعلم.

السمع قبل البصر:

ورد في القران الكريم لفظي السمع و البصر معا 19 تسعه عشر مره،

وذكر في 17 سبعه عشر موضعا لفظه السمع قبل البصر وقد بينا في اسباب التقديم والتاخير ان من بينها التشريف اي ان الله سبحانه قدم لفظه السمع على البصر لشرف السمع واهميته ولا يخفى على احد ممن تدبر وتامل في هذه الحاسه العجيبة ولكن لنرى ما يقوله اصحاب الاختصاص:

1 تبدا وظيفه السمع بالعمل قبل وظيفه الابصار.

فقد تبين ان الجنين يبدا بالسمع في نهاية الحمل وقد تاكد العلماء من ذلك باجراء بعض التجارب حيث اصدروا بعض الاصوات القوية بجانب امراه حامل في اخر ايام حملها،

فتحرك الجنين استجابه لتلك الاصوات،

بينما لا تبدا عملية الابصار الا بعد الولاده بايام(11)،

قال تعالى:

﴿انا خلقنا الانسان من نطفه امشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا﴾ [الانسان:

2].

2 ومن الحقائق التي تجعل السمع اكبر اهمية من البصر هي ان تعلم النطق يتم عن طريق السمع بالدرجه الاولى،

واذا ولد الانسان وهو اصم،

فانه يصعب عليه الانسجام مع المحيط الخارجي،

و يحدث لديه قصور عقلي وترد في مدركاته وذهنه ووعيه.

وهناك الكثير من الذين حرموا نعمه البصر وهم صغار او منذ الولاده ومع ذلك فقد حصلوا درجه راقيه من الادراك والعلم حتى الابداع،

ولكننا نجد ذلك قليلا بل يكاد ينعدم فيمن ولد وهو اصم،

او فقد سمعه في سنوات عمره الاولى.

وذلك لان التعلم والفهم يتعلقان لدرجه كبيرة بالسمع،

والذي يفقد سمعه قبل النطق لا ينطق.

ولذلك ربطت الايه القرانيه العلم بالسمع اولا ثم البصر فقال تعالى:

﴿والله اخرجكم من بطون امهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والابصار والافئده لعلكم تشكرون﴾ [النحل:

78].

3 العين مسئوله عن وظيفه البصر اما الاذن فمسئوله عن وظيفه السمع والتوازن.

و قد تكون العبره في هذا الترتيب اكثر من ذلك.

و الله اعلم بمراده(12).

ويمكن ان يكون تقديم السمع على البصر لسبب اخر عدا الافضليه وهو ان مدى السمع اقل من مدى الرؤية فقدم ذا المدى الاقل متدرجا من القصر الى الطول في المدى ولذا حين قال موسى في فرعون ﴿قالا ربنا اننا نخاف ان يفرط علينا او ان يطغى﴾ [طه:

45] قال الله تعالى:

﴿قال لا تخافا انني معكما اسمع وارى﴾ [طه:

46] فقدم السمع لانه يوحي بالقرب اذ الذي يسمعك يكون في العاده قريبا منك بخلاف الذي يراك فانه قد يكون بعيدا وان كان الله لا يند عن سمعه شيء(13).

قلت وكذلك فان السمع لا يمنعه الحاجز المادي من اداء عمله بخلاف البصر فانه تمنعه الحواجز من ادراك الاشياء والله اعلم.

السمع قبل العلم:

وقع في القران الكريم تقدم السمع على العلم كذلك كقوله تعالى:

﴿وهو السميع العليم﴾ [البقره:

137].

وقوله:

﴿انه هو السميع العليم﴾ [الانفال:

61]،

وذلك انه خبر يتضمن التخويف والتهديد،

فبدا بالسمع لتعلقه بالاصوات وهمس الحركات فان من سمع حسك وخفي صوتك اقرب اليك في العاده ممن يقال لك:

انه يعلم وان كان علمه تعالى متعلقا بما ظهر وبطن،

ولكن ذكر السميع اوقع في باب التخويف من ذكر العليم فهو اولى بالتقديم.

ويمكن ان يقال:

ان السمع من وسائل العلم فهو يسبقه.(14)

نماذج من بلاغه القران:

1 نقرا في وصف المنافقين،

وفي وصف الكافرين،

هاتين الايتين من سورة البقره ﴿صم بكم عمي فهم لا يرجعون﴾ [البقره:

18] ﴿صم بكم عمي فهم لا يعقلون﴾ [البقره:

171] وتقديم الصم،

هنا جاء في غايه الاحكام،

لان بداية ضلال اولئك الاقوام حينما اصاخوا بسمعهم عن ايات الله التي تتلى عليهم.

ونقرا في مشهد من مشاهد يوم القيامه عن اولئك الذين ضلوا سواء السبيل ﴿ونحشرهم يوم القيامه على وجوههم عميا وبكما وصما﴾ [الاسراء:

97] لقد تغيرت الصورة هنا.

لذلك تغير معها نسق القول،

ذلك لان السماع لم ينفع اولئك الناس يوم القيامه شيئا ولا يعود عليهم بخير،

ثم ان العمى من اشد الامور مشقه واكثرها صعوبه عليهم في ذلك اليوم(15).

2 تحدث القران الكريم في ايات كثيرة عن الجن والانس،

ولكن الذي يلفت الانتباه،

ما نجده في النظم القراني البديع،

من تقديم الجن تاره،

وتقديم الانس اخرى،

وهذا ما يستدعيه السياق،

وتوجيه الحكمه البيانيه،

ففي سياق التحدي بالقران الكريم،

يقدم الانس على الجن،

لان الانس هم المقصودون بالتحدي اولا وقبل كل شيء،

قال تعالى:

﴿قل لئن اجتمعت الانس والجن على ان ياتوا بمثل هذا القران لا ياتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا﴾ [الاسراء:

88].

اما في سياق التحدي بالنفوذ من اقطار السموات والارض،

فلقد قدم الجن؛

لانهم اقدر على الحركة من الانس.

قال تعالى:

﴿يا معشر الجن والانس ان استطعتم ان تنفذوا من اقطار السماوات والارض فانفذوا لا تنفذون الا بسلطان﴾ [الرحمن:

33] والدليل على ان الجن اقدر من الانس في مجال الحركة هو قوله تعالى في سورة الجن:

﴿وانا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا وانا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الان يجد له شهابا رصدا﴾ [الجن 8 9].

اما قوله سبحانه ﴿وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون﴾ [الذاريات:

56] فلقد قدم الجن على الانس؛

لانه قد روعي السبق الزمني،

فان الجن مخلوقون قبل الانس(16).

قلت:

والدليل على ان الجن مخلوقون قبل الانس قوله تعالى:

﴿ولقد خلقنا الانسان من صلصال من حما مسنون*والجان خلقناة من قبل من نار السموم﴾ [الحجر:

26،27].

3 – تقديم لفظ الضرر على النفع وبالعكس:

حيث تقدم النفع على الضر فلتقدم ما يتضمن النفع.

قال تعالى:

﴿قل لا املك لنفسي نفعا ولا ضرا الا ما شاء الله﴾ [الاعراف:

188] فقدم النفع على الضرر وذلك لانه تقدمه قوله:

﴿من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فاولئك هم الخاسرون﴾ [الاعراف:

178] فقدم الهدايه على الضلال وبعد ذلك قال:

﴿ولو كنت اعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء ان انا الا نذير وبشير لقوم يؤمنون﴾ [الاعراف:

188] فقدم الخير على السوء ولذا قدم النفع على الضرر اذ هو المناسب للسياق.

وقال تعالى:

﴿قل لا املك لنفسي ضرا ولا نفعا الا ما شاء الله﴾ [يونس:

49] فقدم الضرر على النفع وقد قال قبل هذه الايه:

﴿ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي اليهم اجلهم فنذر الذين لا يرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون﴾ [يونس:

11] وقال:

﴿واذا مس الانسان الضر دعانا لجنبه او قاعدا او قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كان لم يدعنا الى ضر مسه كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون﴾ [يونس:

12] فقدم الضر على النفع في الايتين.

وياتي بعد هذه الايه قوله:

﴿قل ارايتم ان اتاكم عذابه بياتا او نهارا ماذا يستعجل منه المجرمون﴾ [يونس:

50] فكان المناسب تقديم الضرر على النفع هاهنا.

وقال:

﴿قل الله قل افاتخذتم من دونه اولياء لا يملكون لانفسهم نفعا ولا ضرا﴾ [الرعد:

16] فقدم النفع على الضرر،

قالوا:

وذلك لتقدم قوله تعالى:

﴿ولله يسجد من في السماوات والارض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والاصال﴾ [الرعد:

15] فقدم الطوع على الكره.

وقال:

﴿فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا ولا ضرا﴾ [سبا:

42] فقدم النفع على الضر قالوا:

وذلك لتقدم قوله:

﴿قل ان ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له وما انفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين﴾ [سبا:

39] فقدم البسط.

وغير ذلك من مواضع هاتين اللفظتين.

159 views

تقديم القران الكريم