2:08 مساءً الجمعة 24 مايو، 2019

تقديم القران الكريم

التقديم و التاخير في القران

مقدمة:

من المسلم به ان الكلام يتالف من كلمات او اجزاء،

 

و ليس من الممكن النطق باجزاء اي كلام دفعه واحدة.

 

من اجل ذلك كان لا بد عند النطق بالكلام من تقديم بعضة و تاخير بعضة الاخر.

 

و ليس شيء من اجزاء الكلام في حد ذاتة اولي بالتقديم من الاخر.

 

لان كل الالفاظ من حيث هي الفاظ تشترك في درجه الاعتبار،

 

هذا بعد مراعاه ما تجب له الصداره كالفاظ الشرط و الاستفهام.

 

و على هذا فتقديم جزء من الكلام او تاخيرة لا يرد اعتباطا في نظم الكلام،

 

و تاليفة و انما يكون عملا مقصودا يقتضية غرض بلاغى اوداع من دواعيها.

ان ما يدعو بلاغيا الى تقديم جزء من الكلام هو ذاتة ما يدعو بلاغيا الى تاخير الجزء الاخر.

 

و اذا كان الامر كذلك فانه لا يكون هناك مبرر لاختصاص كل من المسند الية و المسند بدواع خاصة عند تقديم احدهما او تاخيرة عن الاخر،

 

لانة اذا تقدم احد ركنى الجمله تاخر الاخر،

 

فهما متلازمان(1).

ان تقديم الالفاظ بعضها على بعض له اسباب عديده يقتضيها المقام و سياق القول،

 

يجمعها قولهم: ان التقديم انما يكون للعنايه و الاهتمام.

 

فما كانت به عنايتك اكبر قدمتة في الكلام.

 

و العنايه باللفظه لا تكون من حيث انها لفظه معينة بل قد تكون العنايه بحسب مقتضي الحال.

 

و لذا كان عليك ان تقدم كلمه في موضع ثم تؤخرها في موضع اخر لان مراعاه مقتضي الحال تقتضى ذاك.

والقران اعلى مثل في ذلك فانا نراة يقدم لفظه مره و يؤخرها مره اخرى على حسب المقام.

 

فنراة مثلا يقدم السماء على الارض و مره يقدم الارض على السماء و مره يقدم الانس على الجن و مره يقدم الجن على الانس و مره يقدم الضر على النفع و مره يقدم النفع على الضر كل ذلك بحسب ما يقتضية القول و سياق التعبير.

فاذا قيل لك مثلا: لماذا قدم السماء على الارض هنا

 

قلت: لان الاهتمام بالسماء اكبر،

 

ثم اذا قيل لك و لماذا قدم الارض على السماء في هذه الايه قلت لان الاهتمام بالارض هنا اكبر،

 

فاذا قيل: و لماذا كان الاهتمام بالسماء هناك اكبر و كان الاهتمام بالارض هنا اكبر

 

وجب عليك ان تبين سبب ذلك و بيان الاختلاف بين الموطنين بحيث تبين انه لا يصح او لا يحسن تقديم الارض على السماء فيما قدمت فيه السماء او تقديم السماء على الارض فيما قدمت فيه الارض بيانا شافيا.

وكذلك بقيه المواطن الاخرى،

 

و لم يكتف القران الكريم بمراعاه السياق الذى و ردت فيه فحسب بل راعي كل المواضع التي و ردت فيها اللفظه و نظر اليها نظره واحده شامله في القران الكريم كله.

 

فنري التعبير متسقا متناسقا مع غيرة من التعبيرات(2).

اسباب التقديم و التاخير في القران:

قال السيوطي: اما اسباب التقديم و التاخير و اسرارة فقد ظهر لى منها في الكتاب العزيز عشره انواع:

الاول: التبرك كتقديم اسم الله في الامور ذوات الشان.ومنة قوله: ﴿شهد الله انه لا الة الا هو و الملائكه و اولوا العلم قائما﴾ [ال عمران: 18].

الثاني: التعظيم،كقوله: ﴿ومن يطع الله و الرسول﴾ [النساء: 69].

الثالث: التشريف،

 

كتقديم الذكر على الانثى في نحو: ﴿ان المسلمين و المسلمات و المؤمنين و المؤمنات﴾ [الاحزاب: 35]الاية.

 

و الحى في قوله: ﴿يخرج الحى من الميت…﴾ [الروم: 19]،

 

و الخيل في قوله: ﴿والخيل و البغال و الحمير لتركبوها﴾ [النحل: 8]،

 

و السمع في قوله: ﴿ان السمع و البصر و الفؤاد﴾ [الاسراء: 36].

حكي ابن عطيه عن النقاش انه استدل بها على تفضيل السمع على البصر(3)،

 

و لذا و قع في سمعة تعالى: ﴿سميع بصير﴾ [الحج: 61] بتقديم السمع.

 

و تقديم موسي على هارون لاصطفائة بالكلام و تقديم المؤمنين على الكفار في كل موضع،

 

و اصحاب اليمين على اصحاب الشمال،

 

و السماء على الارض،

 

و الشمس على القمر،

 

و منه تقديم الغيب على الشهاده في قوله: ﴿عالم الغيب و الشهادة﴾ [المؤمنون: 92]لان علمة اشرف(4).

الرابع: المناسبة،

 

و هي اما مناسبه المتقدم لسياق الكلام،كقوله: ﴿ولكم فيها جمال حين تريحون و حين تسرحون﴾ [النحل: 6] فان الجمال بالجمال وان كان ثابتا حالتي السراح و الاراحه الا انها حالة اراحتها،

 

و هو مجيئها من المرعي اخر النهار،

 

يكون الجمال فيها افخر؛

 

اذ هي فيه بطان(5)،

 

و حالة سراحها للرعى اول النهار يكون الجمال بها دون الاول؛

 

اذ هي فيه خماص.

الخامس: الحث عليه و الحض على القيام به حذرا من التهاون به؛

 

كتقديم الوصيه على الدين في قوله: ﴿من بعد و صيه يوصى بها او دين﴾ [النساء: 11] مع ان الدين مقدم عليها شرعا.

السادس: السبق،

 

و هواما في الزمان باعتبار الايجاد؛

 

كتقديم الليل على النهار،

 

و الظلمات على النور،وادم على نوح،ونوح على ابراهيم،وابراهيم على موسى،وهو على عيسى،

 

و داود على سليمان،والملائكه على البشر في قوله: ﴿الله يصطفى من الملائكه رسلا و من الناس﴾ [الحج: 75].

والازواج على الذريه في قوله: ﴿قل لازواجك و بناتك﴾ [الاحزاب: 59].

والسنه على النوم في قوله: ﴿لا تاخذة سنه و لا نوم﴾ [البقرة: 255].

او باعتبار الانزال،كقوله: ﴿صحف ابراهيم و موسى﴾ [الاعلى: 19]،

 

﴿وانزل التوراه و الانجيل من قبل هدي للناس و انزل الفرقان﴾ [ال عمران: 3،4].

او باعتبار الوجوب و التكليف،نحو: ﴿اركعوا و اسجدوا﴾ [الحج: 77].

او بالذات،

 

نحو: ﴿ما يكون من نجوي ثلاثه الا هو رابعهم و لا خمسه الا هو سادسهم﴾ [المجادلة: 7].

واما قوله: ﴿ان تقوموا لله مثني و فرادى﴾ [سبا: 46] فللحث على الجماعة و الاجتماع على الخير.

السابع: السببية؛

 

كتقديم العزيز على الحكيم؛

 

لانة عز فحكم،

 

و العليم عليه؛لان الاحكام و الاتقان ناشئ عن العلم.

 

و منه تقديم العباده على الاستعانه في سورة الفاتحة؛

 

لانها سبب حصول الاعانه و كذا قوله: ﴿ان الله يحب التوابين و يحب المتطهرين﴾ [البقرة: 222] لان التوبه سبب للطهارة.

الثامن: الكثرة،كقوله: ﴿فمنكم كافر و منكم مؤمن﴾ [التغابن: 2] لان الكفار اكثر(6)،

 

قلت فقدمهم على المؤمنين.

قيل: و قدم السارق على السارقة؛

 

لان السرقه في الذكور اكثر.والزانيه على الزانى فيهن اكثر.

 

و نحو قوله: ﴿ان طهرا بيتي للطائفين و العاكفين و الركع السجود﴾ [البقرة: 125] فكل طائفه هي اقل من التي بعدها فتدرج من القله الى الكثرة.

 

فالطائفون اقل من العاكفين لان الطواف لا يكون الا حول الكعبة.

 

و العكوف يكون في المساجد عموما و العاكفون اقل من الراكعين لان الركوع اي الصلاة تكون في كل ارض طاهره اما العكوف فلا يكون الا في المساجد.

 

و الراكعون اقل من الساجدين و ذلك لان لكل ركعه سجدتين ثم ان كل راكع لا بد ان يسجد و قد يكون سجودا ليس فيه ركوع كسجود التلاوه و سجود الشكر فهو هنا تدرج من القله الى الكثرة.

ولهذا التدرج سبب اقتضاة المقام فان الكلام على بيت الله الحرام.

 

قال تعالى: ﴿وعهدنا الى ابراهيم و اسماعيل ان طهرا بيتي للطائفين و العاكفين و الركع السجود﴾ [البقرة: 125]،

 

فالطائفون هم الصق المذكورين بالبيت لانهم يطوفون حوله،

 

فبدا بهم ثم تدرج الى العاكفين في هذا البيت او في بيوت الله عموما ثم الركع السجود الذين يتوجهون الى هذا البيت في ركوعهم و سجودهم في كل الارض.

ونحوة قوله تعالى: ﴿يا ايها الذين امنوا اركعوا و اسجدوا و اعبدوا ربكم و افعلوا الخير لعلكم تفلحون﴾ [الحج: 77]،

 

فبدا بالركوع و هو اقل المذكورات ثم السجود و هو اكثر ثم عباده الرب و هي اعم ثم فعل الخير.

وقد يكون الكلام بالعكس فيتدرج من الكثرة الى القله و ذلك نحو قوله تعالى: ﴿يا مريم اقنتى لربك و اسجدى و اركعى مع الراكعين﴾ [ال عمران: 43] فبدا بالقنوت و هو عموم العباده ثم السجود و هو اخص و اقل من عموم العباده التي هي القنوت ثم الركوع و هو اقل و اخص منهما.

التاسع: الترقى من الادني الى الاعلى،كقوله: ﴿الهم ارجل يمشون بها ام لهم ايد يبطشون بها ام لهم اعين يبصرون بها ام لهم اذان يسمعون بها…﴾ [الاعراف: 195]،

 

بدا بالادني لغرض الترقي،

 

لان اليد اشرف من الرجل و العين اشرف من اليد و السمع اشرف من البصر.

العاشر: التدلى من الاعلى الى الادنى،

 

كقوله: ﴿لا يغادر صغيرة و لا كبيرة الا احصاها﴾ [الكهف: 49] ﴿لا تاخذة سنه و لا نوم﴾ [البقرة: 255](7).

وزاد غيرة اسبابا اخر؛

 

منها كونة ادل على القدره و اعجب؛

 

كقوله: ﴿والله خلق كل دابه من ماء فمنهم من يمشي على بطنة و منهم من يمشي على رجلين و منهم من يمشي على اربع يخلق الله ما يشاء ان الله على كل شيء قدير﴾ [النور: 45].

وقوله: ﴿وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن و الطير﴾ [الانبياء: 79].

قال الزمخشري: قدم الجبال على الطير؛

 

لان تسخيرها له و تسبيحها له اعجب،

 

و ادل على القدره و ادخل في الاعجاز؛

 

لانها جماد،

 

و الطير حيوان ناطق(8).

وقد يكون التقديم لغرض اخر كالمدح و الثناء و التعظيم و التحقير و غير ذلك من الاغراض،

 

الا ان الاكثر فيه انه يفيد الاختصاص.

 

و من التقديم الذى لا يفيد الاختصاص قوله تعالى: ﴿ووهبنا له اسحاق و يعقوب كلا هدينا و نوحا هدينا من قبل﴾ [الانعام: 84] فهذا ليس من باب التخصيص اذ ليس معناة اننا ما هدينا الا نوحا و انما هو من باب المدح و الثناء.

ونحو قوله: ﴿فاما اليتيم فلا تقهر واما السائل فلا تنهر﴾ [الضحى: 9،10] اذ ليس المقصود به جواز قهر غير اليتيم و نهر غير السائل و انما هو من باب التوجية فان اليتيم ضعيف و كذلك السائل و هما مظنه القهر فقدمهما للاهتمام بشانهما و التوجية الى عدم استضعافهما(9).

استثناء من الاضطراد:

مر بنا ان التقديم و التاخير جاء في القران لاسباب قد بيناها و هي تكاد ان تكون قواعد مطرده و لكن قد تشذ تلك القواعد شيئا بسيطا عن الاطراد المعهود،

 

سنبينها باختصار مع بيان اسباب ذلك: فقد قدم هارون على موسي في سورة طة رعايه للفاصله لان المعهود المطرد تقديم موسي على هارون،

 

واما تقديم الانعام في قوله: ﴿تاكل منه انعامهم و انفسهم﴾ [السجدة: 27]فلانة تقدم ذكر الزرع،فناسب تقديم الانعام،بخلاف ايه عبس فانه تقدم فيها: ﴿فلينظر الانسان الى طعامه﴾ [عبس: 24] فناسب تقديم لكم)(10).

وهكذا لو تقصينا الالفاظ التي تاخرت عن تقديمها المعهود لوجدنا الحكمه في ذلك و اضحه جليه و ليس المراد في هذا البحث استقصاء كل شارده و وارده و انما وضع لمسات بيانيه يتضح منها المقصود علما اننى قد اوردت في ثنايا هذا البحث بعض تلك الاستثناءات تجدها في مضانها و الله تعالى اعلم.

السمع قبل البصر:

ورد في القران الكريم لفظى السمع و البصر معا 19 تسعه عشر مرة،

 

و ذكر في 17 سبعه عشر موضعا لفظه السمع قبل البصر و قد بينا في اسباب التقديم و التاخير ان من بينها التشريف اي ان الله سبحانة قدم لفظه السمع على البصر لشرف السمع و اهميتة و لا يخفي على احد ممن تدبر و تامل في هذه الحاسه العجيبة و لكن لنري ما يقوله اصحاب الاختصاص:

1 تبدا و ظيفه السمع بالعمل قبل و ظيفه الابصار.

 

فقد تبين ان الجنين يبدا بالسمع في نهاية الحمل و قد تاكد العلماء من ذلك باجراء بعض التجارب حيث اصدروا بعض الاصوات القوية بجانب امرأة حامل في اخر ايام حملها،

 

فتحرك الجنين استجابه لتلك الاصوات،

 

بينما لا تبدا عملية الابصار الا بعد الولاده بايام(11)،

 

قال تعالى: ﴿انا خلقنا الانسان من نطفه امشاج نبتلية فجعلناة سميعا بصيرا﴾ [الانسان: 2].

2 و من الحقائق التي تجعل السمع اكبر اهمية من البصر هي ان تعلم النطق يتم عن طريق السمع بالدرجه الاولى،

 

و اذا ولد الانسان و هو اصم،

 

فانة يصعب عليه الانسجام مع المحيط الخارجي،

 

و يحدث لدية قصور عقلى و ترد في مدركاتة و ذهنة و وعيه.

 

و هناك الكثير من الذين حرموا نعمه البصر و هم صغار او منذ الولاده و مع ذلك فقد حصلوا درجه راقيه من الادراك و العلم حتى الابداع،

 

و لكننا نجد ذلك قليلا بل يكاد ينعدم فيمن ولد و هو اصم،

 

او فقد سمعة في سنوات عمرة الاولى.

 

و ذلك لان التعلم و الفهم يتعلقان لدرجه كبيرة بالسمع،

 

و الذى يفقد سمعة قبل النطق لا ينطق.

 

و لذلك ربطت الايه القرانيه العلم بالسمع اولا ثم البصر فقال تعالى: ﴿والله اخرجكم من بطون امهاتكم لا تعلمون شيئا و جعل لكم السمع و الابصار و الافئده لعلكم تشكرون﴾ [النحل: 78].

3 العين مسئوله عن و ظيفه البصر اما الاذن فمسئوله عن و ظيفه السمع و التوازن.

 

و قد تكون العبره في هذا الترتيب اكثر من ذلك.

 

و الله اعلم بمراده(12).

ويمكن ان يكون تقديم السمع على البصر لسبب اخر عدا الافضليه و هوان مدي السمع اقل من مدي الرؤية فقدم ذا المدي الاقل متدرجا من القصر الى الطول في المدي و لذا حين قال موسي في فرعون ﴿قالا ربنا اننا نخاف ان يفرط علينا اوان يطغى﴾ [طه: 45] قال الله تعالى: ﴿قال لا تخافا اننى معكما اسمع و ارى﴾ [طه: 46] فقدم السمع لانة يوحى بالقرب اذ الذى يسمعك يكون في العاده قريبا منك بخلاف الذى يراك فانه قد يكون بعيدا وان كان الله لا يند عن سمعة شيء(13).

قلت و كذلك فان السمع لا يمنعة الحاجز المادى من اداء عملة بخلاف البصر فانه تمنعة الحواجز من ادراك الاشياء و الله اعلم.

السمع قبل العلم:

وقع في القران الكريم تقدم السمع على العلم كذلك كقوله تعالى: ﴿وهو السميع العليم﴾ [البقرة: 137].

وقوله: ﴿انة هو السميع العليم﴾ [الانفال: 61]،

 

و ذلك انه خبر يتضمن التخويف و التهديد،

 

فبدا بالسمع لتعلقة بالاصوات و همس الحركات فان من سمع حسك و خفى صوتك اقرب اليك في العاده ممن يقال لك: انه يعلم وان كان علمة تعالى متعلقا بما ظهر و بطن،

 

و لكن ذكر السميع اوقع في باب التخويف من ذكر العليم فهو اولي بالتقديم.

 

و يمكن ان يقال: ان السمع من و سائل العلم فهو يسبقه.(14)

نماذج من بلاغه القران:

1 نقرا في وصف المنافقين،

 

و في وصف الكافرين،

 

هاتين الايتين من سورة البقره ﴿صم بكم عمي فهم لا يرجعون﴾ [البقرة: 18] ﴿صم بكم عمي فهم لا يعقلون﴾ [البقرة: 171] و تقديم الصم،

 

هنا جاء في غايه الاحكام،

 

لان بداية ضلال اولئك الاقوام حينما اصاخوا بسمعهم عن ايات الله التي تتلي عليهم.

ونقرا في مشهد من مشاهد يوم القيامه عن اولئك الذين ضلوا سواء السبيل ﴿ونحشرهم يوم القيامه على و جوههم عميا و بكما و صما﴾ [الاسراء: 97] لقد تغيرت الصورة هنا.

 

لذلك تغير معها نسق القول،

 

ذلك لان السماع لم ينفع اولئك الناس يوم القيامه شيئا و لا يعود عليهم بخير،

 

ثم ان العمي من اشد الامور مشقه و اكثرها صعوبه عليهم في ذلك اليوم(15).

2 تحدث القران الكريم في ايات كثيرة عن الجن و الانس،

 

و لكن الذى يلفت الانتباه،

 

ما نجدة في النظم القرانى البديع،

 

من تقديم الجن تارة،

 

و تقديم الانس اخرى،

 

و هذا ما يستدعية السياق،

 

و توجية الحكمه البيانية،

 

ففى سياق التحدى بالقران الكريم،

 

يقدم الانس على الجن،

 

لان الانس هم المقصودون بالتحدى اولا و قبل كل شيء،

 

قال تعالى: ﴿قل لئن اجتمعت الانس و الجن على ان ياتوا بمثل هذا القران لا ياتون بمثلة و لو كان بعضهم لبعض ظهيرا﴾ [الاسراء: 88].

اما في سياق التحدى بالنفوذ من اقطار السموات و الارض،

 

فلقد قدم الجن؛

 

لانهم اقدر على الحركة من الانس.

 

قال تعالى: ﴿يا معشر الجن و الانس ان استطعتم ان تنفذوا من اقطار السماوات و الارض فانفذوا لا تنفذون الا بسلطان﴾ [الرحمن: 33] و الدليل على ان الجن اقدر من الانس في مجال الحركة هو قوله تعالى في سورة الجن: ﴿وانا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا و شهبا و انا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الان يجد له شهابا رصدا﴾ [الجن 8 9].

اما قوله سبحانة ﴿وما خلقت الجن و الانس الا ليعبدون﴾ [الذاريات: 56] فلقد قدم الجن على الانس؛

 

لانة قد روعى السبق الزمني،

 

فان الجن مخلوقون قبل الانس(16).

قلت: و الدليل على ان الجن مخلوقون قبل الانس قوله تعالى: ﴿ولقد خلقنا الانسان من صلصال من حما مسنون*والجان خلقناة من قبل من نار السموم﴾ [الحجر: 26،27].

3 – تقديم لفظ الضرر على النفع و بالعكس: حيث تقدم النفع على الضر فلتقدم ما يتضمن النفع.

 

قال تعالى: ﴿قل لا املك لنفسي نفعا و لا ضرا الا ما شاء الله﴾ [الاعراف: 188] فقدم النفع على الضرر و ذلك لانة تقدمة قوله: ﴿من يهد الله فهو المهتدى و من يضلل فاولئك هم الخاسرون﴾ [الاعراف: 178] فقدم الهدايه على الضلال و بعد ذلك قال: ﴿ولو كنت اعلم الغيب لاستكثرت من الخير و ما مسنى السوء ان انا الا نذير و بشير لقوم يؤمنون﴾ [الاعراف: 188] فقدم الخير على السوء و لذا قدم النفع على الضرر اذ هو المناسب للسياق.

وقال تعالى: ﴿قل لا املك لنفسي ضرا و لا نفعا الا ما شاء الله﴾ [يونس: 49] فقدم الضرر على النفع و قد قال قبل هذه الاية: ﴿ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضى اليهم اجلهم فنذر الذين لا يرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون﴾ [يونس: 11] و قال: ﴿واذا مس الانسان الضر دعانا لجنبة او قاعدا او قائما فلما كشفنا عنه ضرة مر كان لم يدعنا الى ضر مسة كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون﴾ [يونس: 12] فقدم الضر على النفع في الايتين.

 

و ياتى بعد هذه الايه قوله: ﴿قل ارايتم ان اتاكم عذابة بياتا او نهارا ماذا يستعجل منه المجرمون﴾ [يونس: 50] فكان المناسب تقديم الضرر على النفع هاهنا.

وقال: ﴿قل الله قل افاتخذتم من دونة اولياء لا يملكون لانفسهم نفعا و لا ضرا﴾ [الرعد: 16] فقدم النفع على الضرر،

 

قالوا: و ذلك لتقدم قوله تعالى: ﴿ولله يسجد من في السماوات و الارض طوعا و كرها و ظلالهم بالغدو و الاصال﴾ [الرعد: 15] فقدم الطوع على الكره.

 

و قال: ﴿فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا و لا ضرا﴾ [سبا: 42] فقدم النفع على الضر قالوا: و ذلك لتقدم قوله: ﴿قل ان ربى يبسط الرزق لمن يشاء من عبادة و يقدر له و ما انفقتم من شيء فهو يخلفة و هو خير الرازقين﴾ [سبا: 39] فقدم البسط.

 

و غير ذلك من مواضع هاتين اللفظتين.

246 views

تقديم القران الكريم