7:44 صباحًا الخميس 17 يناير، 2019

خطبة عن الصداقة

ملخص الخطبة
1 الانسان اجتماعى بفطرته.

2 تاثر المرء بصديقه.

3 الوصيه بحسن اختيار الصديق.

4 صفات الصديق.

5 تحذير النبى من صديق السوء.

6 عاقبه الصداقه و ادابها.
الخطبه الاولى
اما بعد: ان من الامور الجبليه الفطريه التى فطر الله تعالى الانسان عليها في هذه الحياة: الصديق،

فلا بد للمرء في هذه الحياه من جلساء و اصحاب،

يتحدث معهم،

و يتحدثون معه،

يبث اليهم همومه و يشكو اليهم احزانه و يستشيرهم فيما يلم به من ملمات و امور.

فالمصاحبه مما حث الاسلام عليه،

و رغب في السعى اليه،

و الصداقه تدعيم للعلاقات الاجتماعيه و تقويه للمودات،

و شد لاواصر الصلات.

الصديق عباد الله من ضرورات الحياه و طبائع البشر،

و من ظن انه يمكن ان يستغنى عن صديق في هذه الحياه فمغرور،

عن ابى هريره رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (الرجل على دين خليله فلينظر احدكم من يخالل) رواه ابو داود و الترمذى و صححه.

ايها المسلمون،

و المرء في هذه الحياه على مشرب صديقه و جليسه،

و لا يشك عاقل من الناس في اهميه الصداقه و المؤاخاه في حياه المسلم و اثرها على سلوكه و اخلاقه،

فالارواح جنود مجنده ما تعارف منها ائتلف و ما تناكر منها اختلف.

ايها الاحبه و من اجمل ما قيل في تعريف الصديق ما قاله بعضهم: الصديق انسان هو انت الا انه غيرك.

و مثل هذا القول قد روى عن ابى بكر الصديق رضى الله عنه حين اقطع طلحه بن عبيد الله ارضا و كتب له بها كتابا و اشهد فيه ناسا منهم عمر بن الخطاب رضى الله عنه و عن الصحابه اجمعين،

فاتي طلحه بكتابه الى عمر ليختمه له،

فامتنع عمر،

فرجع طلحه الى ابى بكر مغضبا و قال: و الله ما ادرى اانت الخليفه ام عمر



فقال ابو بكر: بل عمر لكنه انا.

عباد الله،

و قد جاءت و صايا السلف الصالح في الحث على اختيار الاصدقاء و انتقاء الاصحاب و الاخلاء،

و من ذلك قول احدهم: “اصحب من اذا صحبته زانك،

و اذا خدمته صانك،

و اذا اصابتك فاقه جاد لك بماله،

و اذا راى منك حسنه عدها،

و ان راى سيئه كتمها و سترها،

لا تخاف بوائقه،

و لا تختلف طرائقه”.

وصاحب اذا صاحبت حرا مبرزا           يزين و يزرى بالفتي قرناؤه

وقال لقمان لابنه و هو يعظه: “يا بنى اياك و صاحب السوء،

فانه كالسيف المسلول،

يعجبك منظره،

و يقبح اثره،

يا بنى ثلاثه لا يعرفون الا في ثلاثه مواطن: لا يعرف الحليم الا عند الغضب،

و لا الشجاع الا عند الحرب،

و لا الاخ الا عند الحاجة”.

و قيل لخالد بن صفوان: اي اخوانك احب اليك

قال: “الذى يغفر زللي،

و يقبل عللي،

و يسد خللي”.

و قال على بن ابى طالب رضى الله عنه: “اصحب من ينسي معروفه عندك،

و يذكر حقوقك عليه”.

ايها المسلمون،

لقد اصبحت الصداقه الحقه من غرائب الدنيا و عجائب الزمان و ذلك لما بعد الناس عن المنهج الصحيح للروابط و العلاقات فيما بينهم،

فاصبح اجتماعهم الا من رحم الله من اجل الدنيا،

يجتمعون عليها،

و يتفرقون من اجلها،

حتي انه ليصدق فيهم قول القائل:

ما في زمانك ما يعز وجوده               ان رمته الا صديق مخلص

والمسلم العاقل عباد الله يدرك ان الحصول على الصديق الوفى و الخليل الحميم من اصعب الاشياء ان لم يكن من المستحيلات،

و لذلك ينظر بعين البصيره الى اعمال و اخلاق من يريد صداقته،

فمن رضى اعماله و اخلاقه صادقه،

و من سخط اعماله و اخلاقه ابتعد عنه.

قال الاوزاعى رحمه الله: “الصاحب للصاحب كالرقعه للثوب،

ان لم يكن مثله شانه”.

ايها المسلمون،

و لما للصداقه من اهميه في حياه المسلم و تاثير على سلوكه فقد ذكر اهل العلم صفات،

يجب على المسلم ان يختار صديقه و جليسه على و فقها: اولها: ان يكون ذا دين و استقامه فان ذا الدين يقف به دينه على الخيرات،

و يجنبه المحرمات،

مما يعود على صاحبه بالخير،

و تارك الدين عدو لنفسه فكيف ترجي منه موده غيره.

قال احد السلف: “اصطف من الاخوان ذا الدين و الحسب و الراى و الادب،

فانه ردء لك عند حاجتك،

و يد عند نائبتك،

و انس عند وحشتك،

و زين عند عافيتك”.

فالاسلام معاشر الاخوه شرط ضرورى للجليس الصالح و الصديق الناصح،

و لن يكون صديقا ناصحا من يكون على غير دينك،

و لن يكون خليلا و فيا من يخالفك في الاعتقاد،

و كل صداقه تبني على غير الاسلام فان ضررها متيقن منه قل او كثر،

و ستنقلب هذه الصداقه الى عداوه يوم تتبين الحقائق،

و تزول الغشاوه عن العيون و البصائر ٱلاخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو الا ٱلمتقين [الزخرف:67].

الا فليحذر من يصادقون بعض اهل البدع من الفرق الباطنيه و غيرهم و يثقون بهم،

و ليحذر ايضا من يصادق بعض النصاري ممن ابتلى بالعمل في الشركات فان كل هؤلاء لا يؤمن جانبهم.

يعطيك من طرف اللسان حلاوه و يروغ منك كما يروغ الثعلب

الصفه الثانية: ان يكون عاقلا،

فان العقل راس المال،

و الصديق الاحمق يفسد اكثر مما يصلح،

و يضر اكثر مما ينفع،

لذا كان لا بد ان يكون الصديق صاحب عقل موفور،

و سلوك محمود،

و من الجهل صحبه ذوى الجهل و الحماقه ممن لا تدوم صداقتهم،

و لا تثبت مودتهم،

و قديما قيل:

احذر موده ما ذق                   مزج المراره بالحلاوة

يحصى الذنوب عليك                   ايام الصداقه للعداوة

الصفه الثالثة: ان يكون محمود الاخلاق،

مرضى الفعال،

مؤثرا للخير،

امرا به،

كارها للشر ناهيا عنه.

الصفه الرابعة: ان لا يكون فاسقا،

فان الفاسق لا فائده في صحبته،

لان من لا يخاف الله لا تؤمن غائلته،

و لا يوثق بصدقه بل يتغير بتغير الاغراض،

و يتقلب بتقلب الزمان.

قال احد الفضلاء:

مجالسه السفيه سفاه راي       و من عقل مجالسه الحكيم

فانك و القرين معا سواء       كما قد الاديم من الاديم

قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: عليك باخوان الصدق تعش في اكنافهم فانهم زين في الرخاء،

و عده في البلاء،

و لا تصحب الفاجر فتتعلم من فجوره و لا تطلعه على سرك،

و استشر في امرك الذين يخشون الله تعالى).

ايها المسلمون،

لقد حذر المصطفي صلى الله عليه و سلم من مجالسه الاشرار و مصاحبه الانذال،

و حث على اختيار الصديق الصالح و الجليس المؤمن لما له من نفع في الدنيا و الاخره فعن ابى موسي الاشعرى رضى الله عنه،

ان رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: (انما مثل الجليس الصالح و الجليس السوء كحامل المسك و نافخ الكير،

فحامل المسك اما ان يحذيك،

و اما ان تبتاع منه،

و اما ان تجد منه ريحا طيبه و نافخ الكير اما ان يحرق ثيابك،

و اما ان تجد منه ريحا خبيثة) رواه البخارى و مسلم.

عباد الله،

و اذا كان رسول الله صلى الله عليه و سلم قد ضرب للجليس الصالح مثلا بحامل المسك فانه اعظم من ذلك و انفع،

فهو اما ان يعلمك ما ينفعك في دينك و دنياك،

او يهدى لك نصيحه او يحذرك من معصيه او يحثك على طاعه او يدعوك الى مكارم الاخلاق و محاسن العادات،

بقوله و فعله،

و اقل ما تستفيده منه ان تنكف بسببه عن السيئات و المعاصى رعايه لحق الصحبه و منافسه في الخير،

و ترفعا عن الشر،

و هذه فائده عظيمه لا توزن بشيء،

و قديما قيل: ما شيء اسرع في فساد الرجل وصلاحه من صاحبه.

قال عدى بن زيد رحمه الله:

عن المرء لا تسال و سل عن قرينه      فكل قرين بالمقارن يقتدي

وصاحب اولى التقوي تنل من تقاهم       و لا تصحب الاردي فتردي مع الردي

وفى الحديث انه صلى الله عليه و سلم قال: (لا تصاحب الا مؤمنا و لا ياكل طعامك الا تقي) رواه ابوداود و الترمذي.

عباد الله،

اخوان الصدق هم خير مكاسب الدنيا،

زينه في الرخاء،

و عده في الشده و معونه على خير المعاش و المعاد،

هم كما قيل: ان جالستهم نفعوا،

و ان شاورتهم نصحوا،

و هكذا تكون مصاحبه الاخيار اهل العلم و الفضل و التقي و الصلاح.

والصديق الفاسد و الجليس السوء مما حذر الله تعالى منه و رسوله و قد ضرب له النبى صلى الله عليه و سلم مثلا بنافخ الكير،

لانه يؤذى جليسه على كل حال،

فهو كالحداد الذى ينفخ في كيره و يضرب على محمي حديده،

اذا لم يطر شيء من شرار ناره،

و طائش قذائفه الملتهبه على ثيابك و جدت من حديده و ناره و كل ما يحيط به ريحا منتنه مؤذيه و هكذا من يصاحب الاشرار و اهل السوء و الفحش و المعاصى عياذا بالله،

فهو اما ان ينساق معهم الى مواقع الاثم و مواطن الريب فتمسه نار المعصيه في الدنيا و يصلي نار جهنم في الاخرى،

و اما ان يناله خبيث رائحتهم و اقتباس سيرتهم فيجد ما يؤذيه من قول و عمل قال الله تعالى: و من يكن ٱلشيطٰن له قرينا فساء قرينا [النساء:38].

لا تصحب الكسلان في حاجاته            كم صالح بفساد اخر يفسد

عدوي البليد الى الجليد سريعة           و الجمر يوضع في الرماد فيخمد

عباد الله،

ان مصاحبه الاشرار سم ناقع،

و بلاء و اقع،

فكم هلك بسببهم اقوام،

و كم فسد بسببهم اقران،

كم من شاب و فتى صغير او كبير انحرف عن الطريق المستقيم،

و ضل عن الهدى القويم،

و سلك سبيل الهوي و الشيطان الرجيم بسبب صديق السوء،

و جليس الضلاله الذى قاده الى الخراب و الهلاك،

و اوقعه في الضلال و الفساد خطوه خطوه حتى ترك الصلاه و اتبع الشهوات و في المقابل كم من ضال تائه قاده الجليس الصالح الى مجالس الخير و حلقات الذكر فهداه الله على يديه و اصبح من عباد الله المتقين،

ينافس في الخير و يسابق في العمل الصالح.

ولا ادل على شده تاثير الجليس على جليسه و الصديق على صديقه مما رواه البخارى و مسلم عن سعيد بن المسيب عن ابيه قال: لما حضرت ابا طالب الوفاه جاءه رسول الله صلى الله عليه و سلم و عنده عبدالله بن اميه و ابو جهل بن هشام فقال له: يا عم

قل لا اله الا الله كلمه احاج لك بها عند الله.

فقالا له: اترغب عن مله عبدالمطلب،

فاعاد عليه النبى صلى الله عليه و سلم،

فكان اخر الامر ان قال: هو على مله عبدالمطلب.

فمات على الشرك و اصبح حطب جهنم بسبب جلساء السوء و دعاه الضلالة.

فلنحذر عباد الله من مجالسه اهل الزيغ و الفساد و لنتشبث بصداقه اهل الخير و الاستقامه قال الله تعالى: و ٱصبر نفسك مع ٱلذين يدعون ربهم بٱلغداه و ٱلعشي يريدون و جهه و لا تعد عيناك عنهم تريد زينه ٱلحيوٰه ٱلدنيا و لا تطع من اغفلنا قلبه عن ذكرنا و ٱتبع هواه و كان امره فرطا [الكهف:28].

  • خطبة عن الصديق الصالح
562 views

خطبة عن الصداقة