8:04 صباحًا الإثنين 19 نوفمبر، 2018

خطبة عن الصداقة


ملخص الخطبه
1 الانسان اجتماعي بفطرته.

2 تاثر المرء بصديقه.

3 الوصيه بحسن اختيار الصديق.

4 صفات الصديق.

5 تحذير النبي من صديق السوء.

6 عاقبه الصداقه وادابها.
الخطبة الاولى
اما بعد:

ان من الامور الجبليه الفطريه التي فطر الله تعالى الانسان عليها في هذه الحياه:

الصديق،

فلا بد للمرء في هذه الحياة من جلساء واصحاب،

يتحدث معهم،

ويتحدثون معه،

يبث اليهم همومه ويشكو اليهم احزانه ويستشيرهم فيما يلم به من ملمات وامور.

فالمصاحبه مما حث الاسلام عليه،

ورغب في السعي اليه،

والصداقه تدعيم للعلاقات الاجتماعيه،

وتقوية للمودات،

وشد لاواصر الصلات.

الصديق عباد الله من ضرورات الحياه،

وطبائع البشر،

ومن ظن انه يمكن ان يستغني عن صديق في هذه الحياة فمغرور،

عن ابي هريره رضي الله عنه قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

((الرجل على دين خليلة فلينظر احدكم من يخالل) رواه ابو داود والترمذي وصححه.

ايها المسلمون،

والمرء في هذه الحياة على مشرب صديقه وجليسه،

ولا يشك عاقل من الناس في اهمية الصداقه والمؤاخاه في حياة المسلم واثرها على سلوكه واخلاقه،

فالارواح جنود مجنده ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف.

ايها الاحبه،

ومن اجمل ما قيل في تعريف الصديق ما قاله بعضهم:

الصديق انسان هو انت الا انه غيرك.

ومثل هذا القول قد روي عن ابي بكر الصديق رضي الله عنه حين اقطع طلحه بن عبيد الله ارضا وكتب له بها كتابا واشهد فيه ناسا منهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعن الصحابه اجمعين،

فاتى طلحه بكتابة الى عمر ليختمه له،

فامتنع عمر،

فرجع طلحه الى ابي بكر مغضبا وقال:

والله ما ادري اانت الخليفه ام عمر



فقال ابو بكر:

بل عمر لكنه انا.

عباد الله،

وقد جاءت وصايا السلف الصالح في الحث على اختيار الاصدقاء وانتقاء الاصحاب والاخلاء،

ومن ذلك قول احدهم:

“اصحب من اذا صحبته زانك،

واذا خدمته صانك،

واذا اصابتك فاقه جاد لك بماله،

واذا راى منك حسنه عدها،

وان راى سيئه كتمها وسترها،

لا تخاف بوائقه،

ولا تختلف طرائقه”.

وصاحب اذا صاحبت حرا مبرزا           يزين ويزري بالفتى قرناؤه

وقال لقمان لابنه وهو يعظه:

“يا بني اياك وصاحب السوء،

فانه كالسيف المسلول،

يعجبك منظره،

ويقبح اثره،

يا بني ثلاثه لا يعرفون الا في ثلاثه مواطن:

لا يعرف الحليم الا عند الغضب،

ولا الشجاع الا عند الحرب،

ولا الاخ الا عند الحاجه”.

وقيل لخالد بن صفوان:

اي اخوانك احب اليك

قال:

“الذي يغفر زللي،

ويقبل عللي،

ويسد خللي”.

وقال علي بن ابي طالب رضي الله عنه:

“اصحب من ينسى معروفة عندك،

ويذكر حقوقك عليه”.

ايها المسلمون،

لقد اصبحت الصداقه الحقه من غرائب الدنيا وعجائب الزمان وذلك لما بعد الناس عن المنهج الصحيح للروابط والعلاقات فيما بينهم،

فاصبح اجتماعهم الا من رحم الله من اجل الدنيا،

يجتمعون عليها،

ويتفرقون من اجلها،

حتى انه ليصدق فيهم قول القائل:

ما في زمانك ما يعز وجوده               ان رمته الا صديق مخلص

والمسلم العاقل عباد الله يدرك ان الحصول على الصديق الوفي والخليل الحميم من اصعب الاشياء ان لم يكن من المستحيلات،

ولذلك ينظر بعين البصيره الى اعمال واخلاق من يريد صداقته،

فمن رضي اعماله واخلاقه صادقه،

ومن سخط اعماله واخلاقه ابتعد عنه.

قال الاوزاعي رحمه الله:

“الصاحب للصاحب كالرقعه للثوب،

ان لم يكن مثله شانه”.

ايها المسلمون،

ولما للصداقه من اهمية في حياة المسلم وتاثير على سلوكه فقد ذكر اهل العلم صفات،

يجب على المسلم ان يختار صديقه وجليسه على وفقها:

اولها:

ان يكون ذا دين واستقامه،

فان ذا الدين يقف به دينه على الخيرات،

ويجنبه المحرمات،

مما يعود على صاحبه بالخير،

وتارك الدين عدو لنفسه فكيف ترجى منه موده غيره.

قال احد السلف:

“اصطف من الاخوان ذا الدين والحسب والراي والادب،

فانه ردء لك عند حاجتك،

ويد عند نائبتك،

وانس عند وحشتك،

وزين عند عافيتك”.

فالاسلام معاشر الاخوه شرط ضروري للجليس الصالح والصديق الناصح،

ولن يكون صديقا ناصحا من يكون على غير دينك،

ولن يكون خليلا وفيا من يخالفك في الاعتقاد،

وكل صداقه تبنى على غير الاسلام فان ضررها متيقن منه قل او كثر،

وستنقلب هذه الصداقه الى عداوه يوم تتبين الحقائق،

وتزول الغشاوه عن العيون والبصائر ٱلاخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو الا ٱلمتقين [الزخرف:67].

الا فليحذر من يصادقون بعض اهل البدع من الفرق الباطنيه وغيرهم ويثقون بهم،

وليحذر ايضا من يصادق بعض النصارى ممن ابتلي بالعمل في الشركات فان كل هؤلاء لا يؤمن جانبهم.

يعطيك من طرف اللسان حلاوه ويروغ منك كما يروغ الثعلب

الصفه الثانيه:

ان يكون عاقلا،

فان العقل راس المال،

والصديق الاحمق يفسد اكثر مما يصلح،

ويضر اكثر مما ينفع،

لذا كان لا بد ان يكون الصديق صاحب عقل موفور،

وسلوك محمود،

ومن الجهل صحبه ذوي الجهل والحماقه ممن لا تدوم صداقتهم،

ولا تثبت مودتهم،

وقديما قيل:

احذر موده ماذق                   مزج المراره بالحلاوه

يحصي الذنوب عليك                   ايام الصداقه للعداوه

الصفه الثالثه:

ان يكون محمود الاخلاق،

مرضي الفعال،

مؤثرا للخير،

امرا به،

كارها للشر ناهيا عنه.

الصفه الرابعه:

ان لا يكون فاسقا،

فان الفاسق لا فائده في صحبته،

لان من لا يخاف الله لا تؤمن غائلته،

ولا يوثق بصدقة بل يتغير بتغير الاغراض،

ويتقلب بتقلب الزمان.

قال احد الفضلاء:

مجالسه السفيه سفاه راي       ومن عقل مجالسه الحكيم

فانك والقرين معا سواء       كما قد الاديم من الاديم

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:

(عليك باخوان الصدق تعش في اكنافهم فانهم زين في الرخاء،

وعده في البلاء،

ولا تصحب الفاجر فتتعلم من فجوره ولا تطلعه على سرك،

واستشر في امرك الذين يخشون الله تعالى).

ايها المسلمون،

لقد حذر المصطفى صلى الله عليه وسلم من مجالسه الاشرار ومصاحبه الانذال،

وحث على اختيار الصديق الصالح والجليس المؤمن لما له من نفع في الدنيا والاخره،

فعن ابي موسى الاشعري رضي الله عنه،

ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

((انما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير،

فحامل المسك اما ان يحذيك،

واما ان تبتاع منه،

واما ان تجد منه ريحا طيبه،

ونافخ الكير اما ان يحرق ثيابك،

واما ان تجد منه ريحا خبيثه) رواه البخاري ومسلم.

عباد الله،

واذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ضرب للجليس الصالح مثلا بحامل المسك فانه اعظم من ذلك وانفع،

فهو اما ان يعلمك ما ينفعك في دينك ودنياك،

او يهدي لك نصيحه،

او يحذرك من معصيه،

او يحثك على طاعه،

او يدعوك الى مكارم الاخلاق ومحاسن العادات،

بقوله وفعله،

واقل ما تستفيده منه ان تنكف بسببه عن السيئات والمعاصي رعايه لحق الصحبه،

ومنافسه في الخير،

وترفعا عن الشر،

وهذه فائده عظيمه لا توزن بشيء،

وقديما قيل:

ما شيء اسرع في فساد الرجل وصلاحه من صاحبه.

قال عدي بن زيد رحمه الله:

عن المرء لا تسال وسل عن قرينه      فكل قرين بالمقارن يقتدي

وصاحب اولي التقوى تنل من تقاهم       ولا تصحب الاردى فتردى مع الردي

وفي الحديث انه صلى الله عليه وسلم قال:

((لا تصاحب الا مؤمنا ولا ياكل طعامك الا تقي) رواه ابوداود والترمذي.

عباد الله،

اخوان الصدق هم خير مكاسب الدنيا،

زينه في الرخاء،

وعده في الشده،

ومعونه على خير المعاش والمعاد،

هم كما قيل:

ان جالستهم نفعوا،

وان شاورتهم نصحوا،

وهكذا تكون مصاحبه الاخيار اهل العلم والفضل والتقى والصلاح.

والصديق الفاسد والجليس السوء مما حذر الله تعالى منه ورسوله وقد ضرب له النبي صلى الله عليه وسلم مثلا بنافخ الكير،

لانه يؤذي جليسه على كل حال،

فهو كالحداد الذي ينفخ في كيره ويضرب على محمى حديده،

اذا لم يطر شيء من شرار ناره،

وطائش قذائفه الملتهبه على ثيابك وجدت من حديده وناره وكل ما يحيط به ريحا منتنه مؤذيه،

وهكذا من يصاحب الاشرار واهل السوء والفحش والمعاصي عياذا بالله،

فهو اما ان ينساق معهم الى مواقع الاثم ومواطن الريب فتمسه نار المعصيه في الدنيا ويصلى نار جهنم في الاخرى،

واما ان يناله خبيث رائحتهم واقتباس سيرتهم فيجد ما يؤذيه من قول وعمل قال الله تعالى:

ومن يكن ٱلشيطٰن له قرينا فساء قرينا [النساء:38].

لا تصحب الكسلان في حاجاته            كم صالح بفساد اخر يفسد

عدوى البليد الى الجليد سريعه           والجمر يوضع في الرماد فيخمد

عباد الله،

ان مصاحبه الاشرار سم ناقع،

وبلاء واقع،

فكم هلك بسببهم اقوام،

وكم فسد بسببهم اقران،

كم من شاب وفتى صغير او كبير انحرف عن الطريق المستقيم،

وضل عن الهدي القويم،

وسلك سبيل الهوى والشيطان الرجيم بسبب صديق السوء،

وجليس الضلاله الذي قاده الى الخراب والهلاك،

واوقعه في الضلال والفساد خطوه خطوه،

حتى ترك الصلاه،

واتبع الشهوات وفي المقابل كم من ضال تائه قاده الجليس الصالح الى مجالس الخير وحلقات الذكر فهداه الله على يديه واصبح من عباد الله المتقين،

ينافس في الخير ويسابق في العمل الصالح.

ولا ادل على شده تاثير الجليس على جليسه والصديق على صديقه مما رواه البخاري ومسلم عن سعيد بن المسيب عن ابيه قال:

لما حضرت ابا طالب الوفاه جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده عبدالله بن اميه وابو جهل بن هشام فقال له:

يا عم

قل لا اله الا الله كلمه احاج لك بها عند الله.

فقالا له:

اترغب عن مله عبدالمطلب،

فاعاد عليه النبي صلى الله عليه وسلم،

فكان اخر الامر ان قال:

هو على مله عبدالمطلب.

فمات على الشرك واصبح حطب جهنم بسبب جلساء السوء ودعاه الضلاله.

فلنحذر عباد الله من مجالسه اهل الزيغ والفساد ولنتشبث بصداقه اهل الخير والاستقامه قال الله تعالى:

وٱصبر نفسك مع ٱلذين يدعون ربهم بٱلغداه وٱلعشى يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينه ٱلحيوٰه ٱلدنيا ولا تطع من اغفلنا قلبه عن ذكرنا وٱتبع هواه وكان امره فرطا [الكهف:28].

  • خطبة عن الصديق الصالح
534 views

خطبة عن الصداقة