10:08 صباحًا الأربعاء 20 مارس، 2019

خطبة عن الصداقة

ملخص الخطبة
1 الانسان اجتماعى بفطرته. 2 تاثر المرء بصديقه. 3 الوصيه بحسن اختيار الصديق. 4 صفات الصديق. 5 تحذير النبى من صديق السوء. 6 عاقبه الصداقه و ادابها.
الخطبه الاولى
اما بعد: ان من الامور الجبليه الفطريه التى فطر الله تعالى الانسان عليها في هذه الحياة: الصديق، فلا بد للمرء في هذه الحياه من جلساء و اصحاب، يتحدث معهم، و يتحدثون معه، يبث اليهم همومه و يشكو اليهم احزانه و يستشيرهم فيما يلم به من ملمات و امور.

فالمصاحبه مما حث الاسلام عليه، و رغب في السعى اليه، و الصداقه تدعيم للعلاقات الاجتماعيه و تقويه للمودات، و شد لاواصر الصلات.

الصديق عباد الله من ضرورات الحياه و طبائع البشر، و من ظن انه يمكن ان يستغنى عن صديق في هذه الحياه فمغرور، عن ابى هريره رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (الرجل على دين خليله فلينظر احدكم من يخالل) رواه ابو داود و الترمذى و صححه.

ايها المسلمون، و المرء في هذه الحياه على مشرب صديقه و جليسه، و لا يشك عاقل من الناس في اهميه الصداقه و المؤاخاه في حياه المسلم و اثرها على سلوكه و اخلاقه، فالارواح جنود مجنده ما تعارف منها ائتلف و ما تناكر منها اختلف.

ايها الاحبه و من اجمل ما قيل في تعريف الصديق ما قاله بعضهم: الصديق انسان هو انت الا انه غيرك. و مثل هذا القول قد روى عن ابى بكر الصديق رضى الله عنه حين اقطع طلحه بن عبيد الله ارضا و كتب له بها كتابا و اشهد فيه ناسا منهم عمر بن الخطاب رضى الله عنه و عن الصحابه اجمعين، فاتي طلحه بكتابه الى عمر ليختمه له، فامتنع عمر، فرجع طلحه الى ابى بكر مغضبا و قال: و الله ما ادرى اانت الخليفه ام عمر فقال ابو بكر: بل عمر لكنه انا.

عباد الله، و قد جاءت و صايا السلف الصالح في الحث على اختيار الاصدقاء و انتقاء الاصحاب و الاخلاء، و من ذلك قول احدهم: “اصحب من اذا صحبته زانك، و اذا خدمته صانك، و اذا اصابتك فاقه جاد لك بماله، و اذا راى منك حسنه عدها، وان راى سيئه كتمها و سترها، لا تخاف بوائقه، و لا تختلف طرائقه”.

وصاحب اذا صاحبت حرا مبرزا           يزين و يزرى بالفتي قرناؤه

وقال لقمان لابنه و هو يعظه: “يا بنى اياك و صاحب السوء، فانه كالسيف المسلول، يعجبك منظره، و يقبح اثره، يا بنى ثلاثه لا يعرفون الا في ثلاثه مواطن: لا يعرف الحليم الا عند الغضب، و لا الشجاع الا عند الحرب، و لا الاخ الا عند الحاجة”. و قيل لخالد بن صفوان: اي اخوانك احب اليك قال: “الذى يغفر زللي، و يقبل عللي، و يسد خللي”. و قال على بن ابى طالب رضى الله عنه: “اصحب من ينسي معروفه عندك، و يذكر حقوقك عليه”.

ايها المسلمون، لقد اصبحت الصداقه الحقه من غرائب الدنيا و عجائب الزمان و ذلك لما بعد الناس عن المنهج الصحيح للروابط و العلاقات فيما بينهم، فاصبح اجتماعهم الا من رحم الله من اجل الدنيا، يجتمعون عليها، و يتفرقون من اجلها، حتى انه ليصدق فيهم قول القائل:

ما في زمانك ما يعز وجوده               ان رمته الا صديق مخلص

والمسلم العاقل عباد الله يدرك ان الحصول على الصديق الوفى و الخليل الحميم من اصعب الاشياء ان لم يكن من المستحيلات، و لذلك ينظر بعين البصيره الى اعمال و اخلاق من يريد صداقته، فمن رضى اعماله و اخلاقه صادقه، و من سخط اعماله و اخلاقه ابتعد عنه. قال الاوزاعى رحمه الله: “الصاحب للصاحب كالرقعه للثوب، ان لم يكن مثله شانه”.

ايها المسلمون، و لما للصداقه من اهميه في حياه المسلم و تاثير على سلوكه فقد ذكر اهل العلم صفات، يجب على المسلم ان يختار صديقه و جليسه على و فقها: اولها: ان يكون ذا دين و استقامه فان ذا الدين يقف به دينه على الخيرات، و يجنبه المحرمات، مما يعود على صاحبه بالخير، و تارك الدين عدو لنفسه فكيف ترجي منه موده غيره. قال احد السلف: “اصطف من الاخوان ذا الدين و الحسب و الراى و الادب، فانه ردء لك عند حاجتك، و يد عند نائبتك، و انس عند وحشتك، و زين عند عافيتك”.

فالاسلام معاشر الاخوه شرط ضرورى للجليس الصالح و الصديق الناصح، و لن يكون صديقا ناصحا من يكون على غير دينك، و لن يكون خليلا و فيا من يخالفك في الاعتقاد، و كل صداقه تبني على غير الاسلام فان ضررها متيقن منه قل او كثر، و ستنقلب هذه الصداقه الى عداوه يوم تتبين الحقائق، و تزول الغشاوه عن العيون و البصائر ٱلاخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو الا ٱلمتقين [الزخرف:67]. الا فليحذر من يصادقون بعض اهل البدع من الفرق الباطنيه و غيرهم و يثقون بهم، و ليحذر ايضا من يصادق بعض النصاري ممن ابتلى بالعمل في الشركات فان كل هؤلاء لا يؤمن جانبهم.

يعطيك من طرف اللسان حلاوه و يروغ منك كما يروغ الثعلب

الصفه الثانية: ان يكون عاقلا، فان العقل راس المال، و الصديق الاحمق يفسد اكثر مما يصلح، و يضر اكثر مما ينفع، لذا كان لا بد ان يكون الصديق صاحب عقل موفور، و سلوك محمود، و من الجهل صحبه ذوى الجهل و الحماقه ممن لا تدوم صداقتهم، و لا تثبت مودتهم، و قديما قيل:

احذر موده ما ذق                   مزج المراره بالحلاوة

يحصى الذنوب عليك                   ايام الصداقه للعداوة

الصفه الثالثة: ان يكون محمود الاخلاق، مرضى الفعال، مؤثرا للخير، امرا به، كارها للشر ناهيا عنه.

الصفه الرابعة: ان لا يكون فاسقا، فان الفاسق لا فائده في صحبته، لان من لا يخاف الله لا تؤمن غائلته، و لا يوثق بصدقه بل يتغير بتغير الاغراض، و يتقلب بتقلب الزمان. قال احد الفضلاء:

مجالسه السفيه سفاه راي       و من عقل مجالسه الحكيم

فانك و القرين معا سواء       كما قد الاديم من الاديم

قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: عليك باخوان الصدق تعش في اكنافهم فانهم زين في الرخاء، و عده في البلاء، و لا تصحب الفاجر فتتعلم من فجوره و لا تطلعه على سرك، و استشر في امرك الذين يخشون الله تعالى).

ايها المسلمون، لقد حذر المصطفي صلى الله عليه و سلم من مجالسه الاشرار و مصاحبه الانذال، و حث على اختيار الصديق الصالح و الجليس المؤمن لما له من نفع في الدنيا و الاخره فعن ابى موسي الاشعرى رضى الله عنه، ان رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: (انما مثل الجليس الصالح و الجليس السوء كحامل المسك و نافخ الكير، فحامل المسك اما ان يحذيك، واما ان تبتاع منه، واما ان تجد منه ريحا طيبه و نافخ الكير اما ان يحرق ثيابك، واما ان تجد منه ريحا خبيثة) رواه البخارى و مسلم.

عباد الله، و اذا كان رسول الله صلى الله عليه و سلم قد ضرب للجليس الصالح مثلا بحامل المسك فانه اعظم من ذلك و انفع، فهو اما ان يعلمك ما ينفعك في دينك و دنياك، او يهدى لك نصيحه او يحذرك من معصيه او يحثك على طاعه او يدعوك الى مكارم الاخلاق و محاسن العادات، بقوله و فعله، و اقل ما تستفيده منه ان تنكف بسببه عن السيئات و المعاصى رعايه لحق الصحبه و منافسه في الخير، و ترفعا عن الشر، و هذه فائده عظيمه لا توزن بشيء، و قديما قيل: ما شيء اسرع في فساد الرجل وصلاحه من صاحبه.

قال عدى بن زيد رحمه الله:

عن المرء لا تسال و سل عن قرينه      فكل قرين بالمقارن يقتدي

وصاحب اولى التقوي تنل من تقاهم       و لا تصحب الاردي فتردي مع الردي

وفى الحديث انه صلى الله عليه و سلم قال: (لا تصاحب الا مؤمنا و لا ياكل طعامك الا تقي) رواه ابوداود و الترمذي.

عباد الله، اخوان الصدق هم خير مكاسب الدنيا، زينه في الرخاء، و عده في الشده و معونه على خير المعاش و المعاد، هم كما قيل: ان جالستهم نفعوا، وان شاورتهم نصحوا، و هكذا تكون مصاحبه الاخيار اهل العلم و الفضل و التقي و الصلاح.

والصديق الفاسد و الجليس السوء مما حذر الله تعالى منه و رسوله و قد ضرب له النبى صلى الله عليه و سلم مثلا بنافخ الكير، لانه يؤذى جليسه على كل حال، فهو كالحداد الذى ينفخ في كيره و يضرب على محمي حديده، اذا لم يطر شيء من شرار ناره، و طائش قذائفه الملتهبه على ثيابك و جدت من حديده و ناره و كل ما يحيط به ريحا منتنه مؤذيه و هكذا من يصاحب الاشرار و اهل السوء و الفحش و المعاصى عياذا بالله، فهو اما ان ينساق معهم الى مواقع الاثم و مواطن الريب فتمسه نار المعصيه في الدنيا و يصلي نار جهنم في الاخرى، واما ان يناله خبيث رائحتهم و اقتباس سيرتهم فيجد ما يؤذيه من قول و عمل قال الله تعالى: و من يكن ٱلشيطٰن له قرينا فساء قرينا [النساء:38].

لا تصحب الكسلان في حاجاته            كم صالح بفساد اخر يفسد

عدوي البليد الى الجليد سريعة           و الجمر يوضع في الرماد فيخمد

عباد الله، ان مصاحبه الاشرار سم ناقع، و بلاء و اقع، فكم هلك بسببهم اقوام، و كم فسد بسببهم اقران، كم من شاب و فتى صغير او كبير انحرف عن الطريق المستقيم، و ضل عن الهدى القويم، و سلك سبيل الهوي و الشيطان الرجيم بسبب صديق السوء، و جليس الضلاله الذى قاده الى الخراب و الهلاك، و اوقعه في الضلال و الفساد خطوه خطوه حتى ترك الصلاه و اتبع الشهوات و في المقابل كم من ضال تائه قاده الجليس الصالح الى مجالس الخير و حلقات الذكر فهداه الله على يديه و اصبح من عباد الله المتقين، ينافس في الخير و يسابق في العمل الصالح.

ولا ادل على شده تاثير الجليس على جليسه و الصديق على صديقه مما رواه البخارى و مسلم عن سعيد بن المسيب عن ابيه قال: لما حضرت ابا طالب الوفاه جاءه رسول الله صلى الله عليه و سلم و عنده عبدالله بن اميه و ابو جهل بن هشام فقال له: يا عم قل لا اله الا الله كلمه احاج لك بها عند الله. فقالا له: اترغب عن مله عبدالمطلب، فاعاد عليه النبى صلى الله عليه و سلم، فكان اخر الامر ان قال: هو على مله عبدالمطلب. فمات على الشرك و اصبح حطب جهنم بسبب جلساء السوء و دعاه الضلالة.

فلنحذر عباد الله من مجالسه اهل الزيغ و الفساد و لنتشبث بصداقه اهل الخير و الاستقامه قال الله تعالى: و ٱصبر نفسك مع ٱلذين يدعون ربهم بٱلغداه و ٱلعشي يريدون و جهه و لا تعد عيناك عنهم تريد زينه ٱلحيوٰه ٱلدنيا و لا تطع من اغفلنا قلبه عن ذكرنا و ٱتبع هواه و كان امره فرطا [الكهف:28].

  • خطبة عن الصديق الصالح
  • الصديق الوفي خطبه
605 views
خطبة عن الصداقة