1:42 صباحًا الأربعاء 23 يناير، 2019








دعاء القنوت في صلاة التراويح عند المالكية

الحمد لله الذى سهل سبيل الهدايه و احاط السنه بما يناسبها من عنايه و الصلاه و السلام على من بعثه الله للعالمين بشيرا و نذيرا،

و رتب النجاه على طاعته و اتباع هديه و التزام سنته اولا و اخيرا،

و بعد:

فان للدعاء شانا عظيما و مكانه عاليه نوه بها القران الكريم و صدحت بها السنه المطهرة؛

قال تعالى: وقال ربكم ادعونى استجب لكم ان الذين يستكبرون عن عبادتى سيدخلون جهنم داخرين [غافر: ٠٦]،

كما صح عن النبى صلى الله عليه و سلم انه قال: «الدعاء هو العبادة»[1]،

و هذا اللفظ يطول دعاء المساله و الطلب،

و دعاء الثناء و الحمد.

ونظرا لاقبال انفس المسلمين على الطاعات في شهر رمضان المبارك اكثر من غيره،

و اتسامهم فيه بالجار الى الله سبحانه و التزامهم بالقنوت خاصة؛

فان هذا المقال ستدور محاوره حول القنوت في رمضان،

و سيكون استهلاله بتعريفه:

تعريف القنوت:

القنوت في اللغة: يتمحور معناه حول الطاعه و الخير في دين؛

يقول ابن فارس: القاف و النون و التاء اصل صحيح يدل على طاعه و خير في دين،

لا يعدو هذا الباب.

والاصل فيه الطاعه يقال: قنت يقنت قنوتا،

ثم سمى كل استقامه في طريق الدين قنوتا،

و قيل لطول القيام في الصلاه قنوت،

و سمى السكوت في الصلاه و الاقبال عليها قنوتا؛

قال الله تعالى: وقوموا لله قانتين [البقرة: 238][2]).

وقد جاء القنوت بمعان لم يخرج فيها عن معنى الاستقامه على الدين و الانقياد لامر الله تعالى،

و من ذلك:

القنوت: بمعني لزوم الطاعه مع الخضوع،

كما جاء في قوله تبارك و تعالى: وقوموا لله قانتين [البقرة: 238].

القنوت بمعني طول القيام في الصلاه و منه ما جاء في حديث جابر رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: «افضل الصلاه طول القنوت»[3].

القنوت بمعني الانكباب على العباده قال تبارك و تعالى: ان ابراهيم كان امه قانتا [النحل: 120].

وقد نظم المعانى التى ياتى بها لفظ القنوت زين الدين العراقى – رحمه الله – بقوله:

ولفظ القنوت اعدد معانيه تجد

مزيدا على عشر معانى مرضيه

دعاء،

خشوع،

و العباده طاعه

اقامتها،

اقراره بالعبوديه

سكوت،

صلاه و القيام،

و طوله

كذاك دوام الطاعه الرابح النيه[4]

فاتضح تعدد المعانى اللغويه للقنوت وان لم تخرج كلها عن الخيريه و الفضل و الطاعة.

اما القنوت في الاصطلاح الشرعى فيعنى الدعاء حال القيام في الصلاة؛

و ذلك لان الدعاء عامه اجل الطاعات و اخير العبادات – احري اذا كان في الصلاه و قيل: لانه يكون في القيام قبل الركوع او بعده فسمى باسم لازمه و هو القيام[5]..

فالقنوت اذا الدعاء في محل مخصوص من القيام في الصلاة[6].

ومن تيسير الله تعالى لامر القنوت و تبيينه لمعالم منهجه،

ان جعل في القران الكريم و السنه المطهره من جوامع الدعاء ما فيه مؤتسي للمتبع و غنيه للداعى غير المبتدع،

فالاولي معرفه تلك الجوامع و امتثالها حتى لا يسقط الداعى في مهوي مخالفه السنه و يقع في الاثم من حيث اراد الطاعة.

ومن ابرز مخالفات القنوت في رمضان:

  • التطويل المخل في الدعاء،

    و التنافس فيه،

    و تكلف الابداع في مقاطعه،

    مع ان ادعيه القنوت المرويه عن النبى صلى الله عليه و سلم و صحابته رضى الله عنهم،

    كلها ادعيه مختصره جامعة؛

    و لهذا سعي بعض علماء السلف الى تحديد مقدار القنوت،

    و من ذلك ما ذكره علاء الدين السمرقندى حين عدد احكام القنوت قائلا: و منها مقدار القنوت ذكر في الكتاب [انه] مقدار سورة: اذا السماء انشقت [الانشقاق: ١] او والسماء ذات البروج [البروج: ١][7].

    و قال علاء الدين الكاساني: واما مقدار القنوت فقد ذكر الكرخى ان مقدار القيام في القنوت مقدار سوره اذا السماء انشقت [الانشقاق: ١]،

    و كذا ذكر في الاصل؛

    لما روى عن النبى صلى الله عليه و سلم انه «كان يقرا في القنوت اللهم انا نستعينك،

    اللهم اهدنا فيمن هديت،

    و كلاهما على مقدار هذه السورة».

    و روى انه صلى الله عليه و سلم «كان لا يطول في دعاء القنوت»)[8].

وعليه فان الامام يمنع من التطويل الذى يشق على المامومين.

ومن ابرز ادعيه القنوت ما جاء عن الحسن بن على رضى الله عنهما قال: علمنى رسول الله صلى الله عليه و سلم كلمات اقولهن في قنوت الوتر: «اللهم اهدنى فيمن هديت،

و عافنى فيمن عافيت،

و تولنى فيمن توليت،

و بارك لى فيما اعطيت،

و قنى شر ما قضيت،

فانك تقضى و لا يقضي عليك،

انه لا يذل من و اليت،

تباركت ربنا و تعاليت»)[9].

ان تطويل دعاء القنوت يؤدى الى غفله كثير من الداعين عن مقاصد الدعاء؛

لما ينتابهم من السامه و الاعياء لطول القيام و استمرار رفع الايدي.

  • الاعراض عن الادعيه الماثوره في القران و صحيح السنه و الاعتياض عنها بادعيه مخترعة؛

    لا شك انه الت للثواب لما في التزام السنه و مهيع السلف من البركه و الخيريه ذلك ان عدم التزام الادعيه النبويه و تجشم ابتكار ادعيه غير معروفه ينافى ما نص عليه كثير من اهل العلم من ان قنوت الوتر في رمضان لا يزاد فيه على ما و رد في السنه النبويه يقول الامام النووي: السنه في لفظ القنوت: «اللهم اهدنى فيمن هديت و عافنى فيمن عافيت و تولنى فيمن توليت و بارك لى فيما اعطيت و قنى شر ما قضيت فانك تقضى و لا يقضي عليك و انه لا يذل من و اليت تباركت ربنا و تعاليت».

    هذا لفظه في الحديث الصحيح باثبات الفاء في «فانك» و الواو في «وانه لا يذل»).

الي ان قال: فان الفاظ الاذكار يحافظ فيها على الثابت عن النبى صلى الله عليه و سلم)[10].

ثم عرض الخلاف حول الزياده على الماثور في الدعاء قائلا: واعلم ان القنوت لا يتعين فيه دعاء على المذهب المختار،

فاى دعاء دعا به حصل القنوت،

و لو قنت بايه او ايات من القران العزيز و هى مشتمله على الدعاء حصل القنوت[11]،

و لكن الافضل ما جاءت به السنة[12].

ولو قنت بالمنقول عن عمر بن الخطاب – رضى الله عنه – كان حسنا،

فقد روى انه قنت في الصبح بعد الركوع فقال: «اللهم اغفر لنا و للمؤمنين و المؤمنات و المسلمين و المسلمات و الف بين قلوبهم و اصلح ذات بينهم و انصرهم على عدوك و عدوهم.

اللهم العن كفره اهل الكتاب الذين يصدون عن سبيلك و يكذبون رسلك و يقاتلون اولياءك،

اللهم خالف بين كلمتهم و زلزل اقدامهم و انزل بهم باسك الذى لا ترده عن القوم المجرمين.

اللهم انا نستعينك و نستغفرك و نثنى عليك و لا نكفرك و نخلع و نترك من يفجرك.

اللهم اياك نعبد و لك نصلى و نسجد و اليك نسعي و نحفد و نخشي عذابك و نرجو رحمتك ان عذابك الجد بالكفار ملحق»)[13].

قال النووي: وقوله: «اللهم عذب كفره اهل الكتاب»؛

انما اقتصر على اهل الكتاب لانهم الذين كانوا يقاتلون المسلمين في ذلك العصر،

و اما الان فالمختار ان يقال: عذب الكفرة ليعم اهل الكتاب و غيرهم من الكفار،

فان الحاجه الى الدعاء على غيرهم اكثر و الله اعلم.

قال اصحابنا: – و الكلام للنووى – يستحب الجمع بين قنوت عمر رضى الله عنه و بين ما سبق،

فان جمع بينهما فالاصح تاخير قنوت عمر،

و في وجه يستحب تقديمه.

و ان اقتصر فليقتصر على الاول،

و انما يستحب الجمع بينهما اذا كان منفردا او امام محصورين يرضون بالتطويل)[14].

كما ان التنكيب عن مهيع السلف في القنوت و غيره مفض الى الغفله و التردد،

قائد الى الشك في الاستجابه خلافا لما داب عليه السلف من اليقين على تحققها،

تجسيدا لامر النبى صلى الله عليه و سلم: «ادعوا الله و انتم موقنون بالاجابه و اعلموا ان الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل»[15].
و ما كانوا عليه من الرغبه في جوامع الدعاء تاسيا بالمصطفي صلى الله عليه و سلم؛

كما قالت عائشه رضى الله عنها: «كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يستحب الجوامع من الدعاء و يدع ما سوي ذلك»[16].

وقد اثر عنهم النكير الشديد على المعتدين في الدعاء؛

لمنافاه عملهم صريح القران و صحيح السنة؛

قال تعالى: ادعوا ربكم تضرعا و خفيه انه لا يحب المعتدين [الاعراف: ٥٥]،

و قال النبى صلى الله عليه و سلم: «سيكون قوم يعتدون في الدعاء»[17].

ولما سمع سعد بن ابى و قاص رضى الله عنه ابنه يقول في دعائه: اللهم انى اسالك الجنه و نعيمها و بهجتها و كذا و كذا..،

و اعوذ بك من النار و سلاسلها و اغلالها و كذا و كذا..

قال: «يا بني،

انى سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم،

يقول: «سيكون قوم يعتدون في الدعاء»،

فاياك ان تكون منهم،

انك ان اعطيت الجنه اعطيتها و ما فيها من الخير،

و ان اعذت من النار اعذت منها،

و ما فيها من الشر»)[18].

و سمع ابن مغفل رضى الله عنه ابنه يقول: اللهم انى اسالك القصر الابيض عن يمين الجنه اذا دخلتها،

فقال: اي بني،

سل الله الجنه و تعوذ به من النار،

فانى سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: «انه سيكون في هذه الامه قوم يعتدون في الطهور و الدعاء»)[19].

يقول ابن تيمية: والمشروع للانسان ان يدعو بالادعيه الماثوره فان الدعاء من افضل العبادات،

و قد نهانا الله عن الاعتداء فيه.

فينبغى لنا ان نتبع فيه ما شرع و سن،

كما انه ينبغى لنا ذلك في غيره من العبادات.

و الذى يعدل عن الدعاء المشروع الى غيره وان كان من احزاب المشايخ الاحسن له ان لا يفوته الاكمل الافضل،

و هى الادعيه النبويه فانها افضل و اكمل باتفاق المسلمين من الادعيه التى ليست كذلك،

و ان قالها الشيوخ… و من اشد الناس عيبا من يتخذ حزبا ليس بماثور عن النبى صلى الله عليه و سلم،

و ان كان حزبا لبعض المشايخ،

و يدع الاحزاب النبويه التى كان يقولها سيد بنى ادم و امام الخلق و حجه الله على عباده)[20].
و قال في موضع اخر: المنصوص المشهور عن الامام احمد انه لا يدعو في الصلاه الا بالادعيه المشروعه الماثوره كما قال الاثرم: قلت لاحمد بماذا ادعو بعد التشهد؟

قال: بما جاء في الخبر.

قلت له: اوليس قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: «ثم ليتخير من الدعاء ما شاء»[21]

قال: يتخير مما جاء في الخبر.

فعاودته فقال: ما في الخبر…..)[22].

 

  • تكلف السجع،

    و قد كرهه السلف و نهوا عنه،

    خاصه ما كان منه على غير سجيه و قد جاء قول ابن عباس رضى الله عنهما لمولاه عكرمه في النهى عن ذلك صريحا: «انظر السجع من الدعاء فاجتنبه،

    فانى عهدت رسول الله صلى الله عليه و سلم و اصحابه لا يفعلون الا ذلك الاجتناب»[23].

    و قال الغزالي: المراد بالسجع هو المتكلف من الكلام،

    لان ذلك لا يلائم الضراعه و الذله و الا ففى الادعيه الماثوره عن النبى صلى الله عليه و سلم كلمات متوازنه غير متكلفة)[24].

وقد يكون التكلف في السجع من موانع الاستجابه كما قال الامام القرطبى – عند ذكره انواع الاعتداء في الدعاء: ومنها ان يدعو بما ليس في الكتاب و السنه فيتخير الفاظا مفقره و كلمات مسجعه قد و جدها في كراريس لا اصل لها و لا معول عليها،

فيجعلها شعاره و يترك ما دعا به رسول الله صلى الله عليه و سلم،

و كل هذا يمنع من استجابه الدعاء)[25].

و يقول ابن حجر: الاعتداء في الدعاء يقع بزياده الرفع فوق الحاجه او بطلب ما يستحيل حصوله شرعا،

او بطلب معصيه او يدعو بما لم يؤثر خصوصا ما و ردت كراهته كالسجع المتكلف و ترك المامور)[26].

يقول ابن تيمية: ينبغى للداعى اذا لم تكن عادته الاعراب ان لا يتكلف الاعراب.

قال بعض السلف: اذا جاء الاعراب ذهب الخشوع،

و هذا كما يكره تكلف السجع في الدعاء،

فاذا و قع بغير تكلف فلا باس به،

فان اصل الدعاء من القلب،

و اللسان تابع للقلب.

و من جعل همته في الدعاء تقويم لسانه اضعف توجه قلبه….)[27].

  • تلحين الدعاء،

    و تطريب الصوت به،

    و المبالغه في ترتيله حتى يؤدي على هيئه قراءه القران،

    و ذلك ممقوت؛

    لما ينطوى عليه من التكلف المنافى لطابع هذه الشريعه المباركة؛

    قال تعالى: قل ما اسالكم عليه من اجر و ما انا من المتكلفين [ص: 86] .



    قال الكمال بن الهمام: مما تعارفه الناس في هذه الازمان من التمطيط و المبالغه في الصياح و الاشتهار لتحريرات النغم اظهارا للصناعه النغميه لا اقامه للعبوديه فانه لا يقتضى الاجابه بل هو من مقتضيات الرد؛

    فاستبان ان ذلك من مقتضيات الخيبه و الحرمان)[28].
    و قال: ولا اري ان تحرير النغم في الدعاء كما يفعله القراء في هذا الزمان يصدر ممن يفهم معنى الدعاء و السؤال،

    و ما ذاك الا نوع لعب،

    فانه لو قدر في الشاهد سائل حاجه من ملك ادي سؤاله و طلبه بتحرير النغم فيه من الخفض و الرفع و التطريب و الترجيع كالتغنى نسب البته الى قصد السخريه و اللعب؛

    اذ مقام طلب الحاجه التضرع لا التغني)[29].

    و قال بكر ابو زيد: فتسمع في دعاء القنوت عند بعض الائمه في رمضان الجهر الشديد و خفض الصوت و رفعه في الاداء حسب مواضع الدعاء،

    و المبالغه في الترنم،

    و التطريب و التجويد،

    و الترتيل،

    حتي لكانه يقرا سوره من كتاب الله تعالى و يستدعى بذلك عواطف المامومين؛

    ليجهشوا بالبكاء)[30].

فالمشروع للداعى ان يدعو بجوامع الدعاء من غير تكلف لسجع،

و لا تمطيط لتلحين.

فالمبالغه في رفع الصوت بالدعاء تخالف توجيه القران العظيم،

و سمت الهدى النبوي؛

يقول ربنا عز و جل: ولا تجهر بصلاتك و لا تخافت بها و ابتغ بين ذلك سبيلا [الاسراء: 110]،

قال الامام البخارى معلقا على هذه الاية: اسمعهم و لا تجهر،

حتي ياخذوا عنك القران)[31].

و قال ابن جريج رحمه الله: يكره رفع الصوت و النداء و الصياح بالدعاء،

و يؤمر بالتضرع و الاستكانة)[32].
و قال الالوسي: وتري كثيرا من اهل زمانك يعتمدون الصراخ في الدعاء خصوصا في الجوامع حتى يعظم اللغط و يشتد و تستك المسامع و تشتد و لا يدرون انهم جمعوا بين بدعتين،

رفع الصوت في الدعاء و كون ذلك في المسجد)[33].

وقد انكر النبى صلى الله عليه و سلم على صحابته رضى الله عنهم رفعهم اصواتهم بالتكبير،

فقال لهم: «اربعوا على انفسكم،

انكم لا تدعون اصم و لا غائبا،

انكم تدعون سميعا بصيرا،

و هو معكم،

و الذى تدعونه اقرب الى احدكم من عنق راحلته»[34].

  • تحويل القنوت الى خطب و مواعظ بل و منابر للتزلف للامراء و الرؤساء و الكبراء،

    و هذا من الابتداع و التعدى في الدعاء؛

    اذ لم ينقل مثله عن السلف،

    و ان و رد عن بعضهم جوازه في خطب الجمعه لا في قنوت الوتر،

    الذى هو داخل الصلاه ذلك ان الاصل اتيان الامام في دعاء القنوت بالادعيه التى لها صفه العموم،

    و صيغه الجمع،

    الا اذا خص طائفه من المؤمنين و اقعين في كرب عظيم،

    او طائفه من المجرمين لشده عداوتهم و قوه محاربتهم للاسلام،

    فهذا مشروع بلا خلاف؛

    لما جاء عن ابى هريره رضى الله عنه ان النبى صلى الله عليه و سلم قال: «اللهم انج الوليد بن الوليد،

    و سلمه بن هشام،

    و عياش بن ابى ربيعه و المستضعفين من المؤمنين،

    اللهم اشدد و طاتك على مضر و اجعلها عليهم سنين كسنى يوسف»[35].

    و لما جاء عن عمر – رضى الله عنه – انه كان يقول: «..

    اللهم العن كفره اهل الكتاب الذين يكذبون رسلك و يقاتلون اولياءك،

    اللهم خالف بين كلمتهم و زلزل اقدامهم،

    و انزل بهم باسك الذى لا ترده عن القوم المجرمين»[36].

    و قد عقد ابن ابى شيبه في مصنفه: «باب في تسميه الرجل في القنوت».

    و قال العراقى في سرده لفوائد حديث ابى هريره – رضى الله عنه: فيه حجه على ابى حنيفه في منعه ان يدعي لمعين او على معين في الصلاه و خالفه الجمهور فجوزوا ذلك لهذا الحديث و غيره من الاحاديث الصحيحة)[37].

    و اذا خص الامام ما موميه بالدعاء فلا باس،

    لكن الاولي تعميم الدعاء.
    وايا كان القول في التخصيص فان ذلك لا ينبغى ان يتخذ سنه مستمراه في الصلاة[38].

وقد كتب عمر بن عبدالعزيز الى عامله قائلا: اما بعد،

فان ناسا من الناس قد التمسوا الدنيا بعمل الاخره وان من القصاص قد احدثوا في الصلاه على خلفائهم و امرائهم عدل صلاتهم على النبى صلى الله عليه و سلم،

فاذا جاءك كتابى فمرهم ان تكون صلاتهم على النبيين و دعاؤهم على المسلمين عامه و يدعوا ما سوي ذلك)[39].

قال صاحب المهذب: واما الدعاء للسلطان فلا يستحب،

لما روى انه سئل عطاء عن ذلك فقال انه محدث،

و انما كانت الخطبه تذكيرا)[40].

قال النووى شارحا لذلك: واما الدعاء للسلطان فاتفق اصحابنا على انه لا يجب و لا يستحب،

و ظاهر كلام المصنف و غيره انه بدعه اما مكروه واما خلاف الاولى،

هذا اذا دعا له بعينه،

فاما الدعاء لائمه المسلمين و ولاه امورهم بالصلاح و الاعانه على الحق و القيام بالعدل و نحو ذلك،

و لجيوش الاسلام،

فمستحب بالاتفاق.

و المختار انه لا باس بالدعاء للسلطان بعينه اذا لم يكن مجازفه في وصفه و نحوها)[41].

قال ابن حجر: وقد استثنى من الانصات في الخطبه ما اذا انتهي الخطيب الى كل ما لم يشرع،

مثل الدعاء للسلطان مثلا.

بل جزم صاحب التهذيب بان الدعاء للسلطان مكروه.

و قال النووي: محله اذا جازف،

و الا فالدعاء لولاه الامر مطلوب.

و محل الترك اذا لم يخف الضرر،

و الا فيباح للخطيب اذا خشى على نفسه)[42].

  • الحرص المفرط على حضور الختمه و الدعاء المزعوم لختم القران،

    و هى بدعه فشت بين الناس..

    و قد اختلف العلماء في حكم التنادى لختم القران على قولين:

– قول بمشروعيه الدعاء لختم القران في صلاه التراويح او الوتر؛

و قد روى عن الامام احمد،

كما نقله عنه ابن قدامه قائلا: قال الفضل بن زياد: سالت ابا عبدالله فقلت: اختم القران،

اجعله في الوتر او في التراويح

قال: اجعله في التراويح حتى يكون لنا دعاء بين اثنين،

قلت كيف اصنع

قال: اذا فرغت من اخر القران فارفع يديك قبل ان تركع،

و ادع بنا و نحن في الصلاه و اطل القيام،

قلت: بم ادعو

قال: بما شئت،

قال: ففعلت بما امرنى و هو خلفى يدعو قائما و يرفع يديه.

وقال حنبل: سمعت احمد يقول في ختم القران: اذا فرغت من قراءه قل اعوذ برب الناس [الناس: ١] فارفع يديك في الدعاء قبل الركوع،

قلت: الى اي شيء تذهب في هذا

قال: رايت اهل مكه يفعلونه،

و كان سفيان بن عيينه يفعله معهم بمكة.
قال العباس بن عبدالعظيم: و كذلك ادركنا الناس بالبصره و بمكه و يروى اهل المدينه في هذا شيئا،

و ذكر عن عثمان بن عفان)[43].

– قول بمشروعيه دعاء الختمه لكن بعد الفراغ من الصلاه لا داخلها،

و هذا لا اشكال فيه؛

لانه دعاء اثر قربه من اعظم القرب،

و لما و رد عن انس – رضى الله عنه: انه كان اذا ختم القران جمع اهله و دعا)[44].

يقول بكر ابو زيد في مقدمه بحثه النفيس مرويات دعاء ختم القران): وقد عهد من مدارك الشرع ان امور العباد التعبديه توقيفيه لا تشرع الا بنص نصبه الله على حكمه مسلم الثبوت و الدلالة..).

ثم طفق ينتقد ما روى في شان بالختمه وضعفه كله،

سوي قول مجاهد الرحمه تنزل عند ختم القران)[45].

وما ذكر عن انس رضى الله عنه انه كان اذا اراد ان يختم جمع اهله و دعا[46].

ثم نقل رحمه الله قول الامام ما لك حين سئل عن الدعاء بعد ختم القران؟: ما سمعت انه يدعو عند ختم القران و ما هو من عمل الناس)[47].

واتبع ذلك بقول ابن رشد شارحا لكلام ما لك نفسه: الدعاء حسن،

لكنه كره ابتداع القيام له عند تمام القران،

و قيام الرجل مع اصحابه لذلك عند انصرافهم من صلاتهم و اجتماعهم لذلك عند خاتمه القران كنحو ما يفعل بعض الائمه عندنا من الخطبه على الناس عند الختمه في رمضان و الدعاء فيها و تامين الناس على دعائه؛

و هى كلها بدع محدثات لم يكن عليها السلف)[48].

وقد كان الائمه يكرهون ما لم يشرع من البدع،

سواء تمحضت او كانت اضافية؛

و لهذا نجد ما لكا يجيب عندما سئل عن قيام الرجل بعد فراغه من الصلاه يدعو قائلا: ليس هذا بصواب و لا احب لاحد ان يفعله)[49].

زمن القنوت:

من اهل العلم من ذهب الى استحباب قنوت الوتر في النصف الثانى من رمضان،

و هو مذهب الشافعى و روايه عن ما لك و احمد – رحمهم الله تعالى،

و منهم من راى انه مسنون في السنه كلها،

كما هو مذهب الحنابله و الحنفية.
يقول شيخ الاسلام ابن تيمية: واما القنوت في الوتر فجائز و ليس بلازم،

فمن اصحابه – اي النبى صلى الله عليه و سلم – من لم يقنت،

و منهم من قنت في النصف الاخير من رمضان،

و منهم من قنت السنه كلها،

و العلماء منهم من يستحب الاول كمالك،

و منهم من يستحب الثانى كالشافعى و احمد في روايه و منهم من يستحب الثالث كابى حنيفه و الامام احمد في رواية.

و الكل جائز،

فمن فعل شيئا من ذلك فلا لوم عليه)[50].

وفى حديث ابى رضى الله عنه ان النبى صلى الله عليه و سلم: «كان يوتر فيقنت قبل الركوع»[51].

و قد تقدمت و صاته صلى الله عليه و سلم لسبطه الحسن بن على رضى الله عنهما.

يقول ابن تيمية: وحقيقه الامر ان قنوت الوتر من جنس الدعاء السائغ في الصلاه من شاء فعله و من شاء تركه..

و اذا صلى بهم قيام رمضان،

فان قنت في كل الشهر،

فقد احسن،

و ان قنت في النصف الاخير،

فقد احسن،

و ان لم يقنت بحال،

فقد احسن)[52].

ورغم ان العلماء اتفقوا على مشروعيه القنوت عند النوازل في صلاه الفجر[53]،

الا انهم اختلفوا في مشروعيته في الوتر على ثلاثه مذاهب كما صرح بذلك ابن تيميه و بعضهم على اربع،

و هو الذى اعتمدته:

1 – كراهيه القنوت في الوتر: و هو القول المشتهر عند المالكيه قال الامام ما لك: وليس العمل على القنوت في رمضان؛

لا في اوله،

و لا في اخره،

و لا في نافله و لا في الوتر اصلا)[54].

و حجتهم عدم ثبات دليل في ذلك،

و قد ذكر ابن تيميه هذا،

فقال: واما قنوت الوتر فللعلماء فيه ثلاثه اقوال: قيل: لا يستحب بحال،

لانه لم يثبت عن النبى صلى الله عليه و سلم انه قنت في الوتر)[55]،

و ذكر باقى الاقوال.

قال ابن حجر: قال الخلال عن احمد: لا يصح فيه شيء عن النبى صلى الله عليه و سلم و لكن عمر كان يقنت)[56].

و قال ابن خزيمة: ولست احفظ خبرا ثابتا عن النبى صلى الله عليه و سلم في القنوت في الوتر)[57].

2 – سنيه القنوت في النصف الاخير من رمضان: و قد روى عن على و ابى بن كعب[58]،

و الزهري[59].

يقول ابن تيمية: وقيل: بل يقنت في النصف الاخير من رمضان كما كان ابى بن كعب يفعل)[60].

و روي ابن و هب و ابن حبيب عن ما لك: ان ذلك مستحب في النصف الاخر من رمضان،

فيقنت الامام؛

يلعن الكفره و يؤمن من خلفه)[61].

و هو قول ابن نافع من المالكية[62].

و المشهور عند الشافعية[63].

وقد نص عليه الامام احمد حين ساله ابو داود: القنوت في السنه كلها

قال: ان شئت.

قال: فما تختار

قال: اما انا فلا اقنت الا في النصف الباقي،

الا ان اصلى خلف الامام فيقنت فاقنت معه)[64].

و استدلوا بما و رد في ذلك عن ابن عمر رضى الله عنهما[65].

3 – سنيه القنوت في رمضان: و هذا قول للمالكيه حيث نقل محمد بن يحيي عن ما لك قوله: يلعن الكفره في رمضان اذا اوتر الناس،

فصلي الركعتين،

ثم قام في الثالثه فركع،

فاذا رفع راسه من الركوع و قف يدعو على الكفره و يلعنهم و يستنصر للمسلمين،

و يدعو مع ذلك بشيء خفيف غير كثير…)[66].

و هو قول للشافعية[67].

4 – سنيه القنوت في الوتر على مدار السنة: و هذا قول ابن مسعود رضى الله عنه،

و ابراهيم النخعي[68].

و قال ابو حنيفه و احمد: يستحب القنوت في الوتر في كل السنة)[69].

يقول ابن تيمية: وقيل: بل يستحب في كل السنه كما ينقل عن ابن مسعود و غيره،

و لان في السنن ان النبى صلى الله عليه و سلم علم الحسن بن على – رضى الله عنهما – دعاء يدعو به في قنوت الوتر)[70].

وقال الشافعي: يستحب في النصف الاخر من شهر رمضان)[71].

و حجتهم في ذلك و صاه النبى صلى الله عليه و سلم لسبطه المتقدمة.

و حديث ابى بن كعب رضى الله عنه: «ان النبى صلى الله عليه و سلم قنت في الوتر»[72]،

فضلا عما سبق ذكره من قنوت عمر و غيره من الصحابه رضى الله عنهم.

موضع القنوت من الركوع:

لقد اختلف العلماء في موضع القنوت على ثلاثه اقوال:

1 – القنوت قبل الركوع: و قد روى عن عمر و على و ابن مسعود و ابى موسي و البراء بن عازب و ابن عمر و ابن عباس و انس و عمر بن عبدالعزيز رضى الله عنهم اجمعين[73].

و هو قول المالكيه و الحنفية[74].

و استدلوا بما رواه عبدالرحمن بن ابزي قال: صليت خلف عمر بن الخطاب صلاه الصبح فسمعته يقول بعد القراءه قبل الركوع: «اللهم اياك نعبد..»)[75].

و كذلك بقول علقمة: ان ابن مسعود و اصحاب النبى صلى الله عليه و سلم كانوا يقنتون في الوتر قبل الركوع)[76].

كما احتجوا باحاديث كلها ضعيفة[77].

2 – القنوت بعد الركوع: و هذا القول يعضده حديث ابى هريره رضى الله عنه: «ان النبى صلى الله عليه و سلم كان اذا اراد ان يدعو على احد،

او يدعو لاحد،

قنت بعد الركوع»[78].

و حكاه ابن المنذر عن ابى بكر و عمر و على و ابى – رضى الله عنهم – و سعيد بن جبير،

و هو الصحيح من مذهب الشافعية[79].

و كذلك وجه عند الحنابلة[80].

3 – استنانه بعد الركوع و جوازه قبله،

و قد قال بهذا القول ايوب السختياني[81]،

و هو الصحيح من مذهب الحنابلة[82].
و قد ثبت ان النبى صلى الله عليه و سلم قنت قبل الركوع[83]،

كما ثبت انه صلى الله عليه و سلم قنت بعد الركوع[84]،

فاذا قنت قبل الركوع ابتدا به بعد الفراغ من القراءه بلا تكبير[85].

وان كان الشيخ الالبانى رجح كونه قبل الركوع؛

حيث قال: والخلاصه ان الصحيح الثابت عن الصحابه هو القنوت قبل الركوع في الوتر)[86].

افتتاح القنوت:

هل يفتتح القنوت بالثناء و الحمد و الصلاه على النبى صلى الله عليه و سلم ام لا؟

1 – قول بعدم سنيه افتتاح القنوت بالحمد و الثناء،

و دليله حديث الحسن المتقدم،

اذ لم يرد فيه الثناء و الحمد و لا الصلاه على النبى صلى الله عليه و سلم وان ذكر بعض العلماء اختتامه بالصلاه على النبى صلى الله عليه و سلم كما سياتي.

و كون الدعاء عباده و العبادات توقيفيه اضافه الى انه لم يثبت نقل دال على افتتاح القنوت بغير دعائه.

و هذا قول الشيخ ابن باز[87].

2 – قول بسنيه ابتداء القنوت بالثناء و الحمد و الصلاه على النبى صلى الله عليه و سلم،

و هو مذهب الحنابله و دليله حديث فضاله ان النبى صلى الله عليه و سلم سمع رجلا يدعو في صلاته فلم يحمد الله و لم يصل على النبى صلى الله عليه و سلم،

فقال: عجل هذا،

ثم قال: «اذا دعا احدكم فليبدا بتحميد ربه و الثناء عليه ثم يصلى على النبى ثم يدعو بما شاء»[88].

وبما ذكر من قنوت عمر رضى الله عنه في صلاه الصبح[89].

يقول الامام احمد: يدعو بدعاء عمر: «اللهم انا نستعينك…» و بدعاء الحسن: «اللهم اهدنا فيمن هديت…»)[90] – و لان الاصل في الدعاء ابتداؤه بالحمد و الثناء و الصلاه على النبى صلى الله عليه و سلم.

يقول النفراوى في اطار تعداده لاداب الدعاء: ومنها: ابتداؤه بالحمد و الصلاه على النبى صلى الله عليه و سلم)[91].

و قال الصاوي: ويندب ابتداؤه بالحمد و الصلاه على النبي)[92].

و قد رجح الامام النووى استحباب اختتام القنوت بالصلاه على النبى صلى الله عليه و سلم؛

لما و رد في اخر حديث الحسن بن على رضى الله عنهما من قوله: «وصلي الله على النبي»[93].

صفه التامين:

من السنه التامين على الدعاء،

و هو قول امين،

اى اللهم استجب،

فينبغى ان يفرق المؤمن بين مواضع التامين و التقديس و الاستعاذه و التنزيه و الدعاء و الخبر،

قال معاذ القارى رضى الله عنه في قنوته ذات مرة: «اللهم قحط المطر»،

فقالوا: «امين»،

فلما فرغ من صلاته قال: «قلت: اللهم قحط المطر فقلتم: امين،

الا تسمعون ما اقول ثم تقولون: امين»[94].
و التامين على الدعاء في الصلاه يكون سرا في غير الفاتحة؛

اذ نصت الاحاديث على الجهر بالتامين بعد قراءتها جهرا،

كما في حديث و ائل بن حجر – رضى الله عنه – قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم قرا غير المغضوب عليهم و لا الضالين [الفاتحة: ٧]،

فقال: «امين» و رفع بها صوته»[95].

و الاصل في الدعاء خفض الصوت و الاستكانه و التضرع؛

لقول الله تعالى: ادعوا ربكم تضرعا و خفية [الاعراف: ٥٥].

والله اعلم،

و صلى الله و سلم على نبينا محمد،

و على اله و اصح

الحمد لله الذى سهل سبيل الهدايه و احاط السنه بما يناسبها من عنايه و الصلاه و السلام على من بعثه الله للعالمين بشيرا و نذيرا،

و رتب النجاه على طاعته و اتباع هديه و التزام سنته اولا و اخيرا،

و بعد:

فان للدعاء شانا عظيما و مكانه عاليه نوه بها القران الكريم و صدحت بها السنه المطهرة؛

قال تعالى: وقال ربكم ادعونى استجب لكم ان الذين يستكبرون عن عبادتى سيدخلون جهنم داخرين [غافر: ٠٦]،

كما صح عن النبى صلى الله عليه و سلم انه قال: «الدعاء هو العبادة»[1]،

و هذا اللفظ يطول دعاء المساله و الطلب،

و دعاء الثناء و الحمد.

ونظرا لاقبال انفس المسلمين على الطاعات في شهر رمضان المبارك اكثر من غيره،

و اتسامهم فيه بالجار الى الله سبحانه و التزامهم بالقنوت خاصة؛

فان هذا المقال ستدور محاوره حول القنوت في رمضان،

و سيكون استهلاله بتعريفه:

تعريف القنوت:

القنوت في اللغة: يتمحور معناه حول الطاعه و الخير في دين؛

يقول ابن فارس: القاف و النون و التاء اصل صحيح يدل على طاعه و خير في دين،

لا يعدو هذا الباب.

والاصل فيه الطاعه يقال: قنت يقنت قنوتا،

ثم سمى كل استقامه في طريق الدين قنوتا،

و قيل لطول القيام في الصلاه قنوت،

و سمى السكوت في الصلاه و الاقبال عليها قنوتا؛

قال الله تعالى: وقوموا لله قانتين [البقرة: 238][2]).

وقد جاء القنوت بمعان لم يخرج فيها عن معنى الاستقامه على الدين و الانقياد لامر الله تعالى،

و من ذلك:

القنوت: بمعني لزوم الطاعه مع الخضوع،

كما جاء في قوله تبارك و تعالى: وقوموا لله قانتين [البقرة: 238].

القنوت بمعني طول القيام في الصلاه و منه ما جاء في حديث جابر رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: «افضل الصلاه طول القنوت»[3].

القنوت بمعني الانكباب على العباده قال تبارك و تعالى: ان ابراهيم كان امه قانتا [النحل: 120].

وقد نظم المعانى التى ياتى بها لفظ القنوت زين الدين العراقى – رحمه الله – بقوله:

ولفظ القنوت اعدد معانيه تجد

مزيدا على عشر معانى مرضيه

دعاء،

خشوع،

و العباده طاعه

اقامتها،

اقراره بالعبوديه

سكوت،

صلاه و القيام،

و طوله

كذاك دوام الطاعه الرابح النيه[4]

فاتضح تعدد المعانى اللغويه للقنوت وان لم تخرج كلها عن الخيريه و الفضل و الطاعة.

اما القنوت في الاصطلاح الشرعى فيعنى الدعاء حال القيام في الصلاة؛

و ذلك لان الدعاء عامه اجل الطاعات و اخير العبادات – احري اذا كان في الصلاه و قيل: لانه يكون في القيام قبل الركوع او بعده فسمى باسم لازمه و هو القيام[5]..

فالقنوت اذا الدعاء في محل مخصوص من القيام في الصلاة[6].

ومن تيسير الله تعالى لامر القنوت و تبيينه لمعالم منهجه،

ان جعل في القران الكريم و السنه المطهره من جوامع الدعاء ما فيه مؤتسي للمتبع و غنيه للداعى غير المبتدع،

فالاولي معرفه تلك الجوامع و امتثالها حتى لا يسقط الداعى في مهوي مخالفه السنه و يقع في الاثم من حيث اراد الطاعة.

ومن ابرز مخالفات القنوت في رمضان:

  • التطويل المخل في الدعاء،

    و التنافس فيه،

    و تكلف الابداع في مقاطعه،

    مع ان ادعيه القنوت المرويه عن النبى صلى الله عليه و سلم و صحابته رضى الله عنهم،

    كلها ادعيه مختصره جامعة؛

    و لهذا سعي بعض علماء السلف الى تحديد مقدار القنوت،

    و من ذلك ما ذكره علاء الدين السمرقندى حين عدد احكام القنوت قائلا: و منها مقدار القنوت ذكر في الكتاب [انه] مقدار سورة: اذا السماء انشقت [الانشقاق: ١] او والسماء ذات البروج [البروج: ١][7].

    و قال علاء الدين الكاساني: واما مقدار القنوت فقد ذكر الكرخى ان مقدار القيام في القنوت مقدار سوره اذا السماء انشقت [الانشقاق: ١]،

    و كذا ذكر في الاصل؛

    لما روى عن النبى صلى الله عليه و سلم انه «كان يقرا في القنوت اللهم انا نستعينك،

    اللهم اهدنا فيمن هديت،

    و كلاهما على مقدار هذه السورة».

    و روى انه صلى الله عليه و سلم «كان لا يطول في دعاء القنوت»)[8].

وعليه فان الامام يمنع من التطويل الذى يشق على المامومين.

ومن ابرز ادعيه القنوت ما جاء عن الحسن بن على رضى الله عنهما قال: علمنى رسول الله صلى الله عليه و سلم كلمات اقولهن في قنوت الوتر: «اللهم اهدنى فيمن هديت،

و عافنى فيمن عافيت،

و تولنى فيمن توليت،

و بارك لى فيما اعطيت،

و قنى شر ما قضيت،

فانك تقضى و لا يقضي عليك،

انه لا يذل من و اليت،

تباركت ربنا و تعاليت»)[9].

ان تطويل دعاء القنوت يؤدى الى غفله كثير من الداعين عن مقاصد الدعاء؛

لما ينتابهم من السامه و الاعياء لطول القيام و استمرار رفع الايدي.

  • الاعراض عن الادعيه الماثوره في القران و صحيح السنه و الاعتياض عنها بادعيه مخترعة؛

    لا شك انه الت للثواب لما في التزام السنه و مهيع السلف من البركه و الخيريه ذلك ان عدم التزام الادعيه النبويه و تجشم ابتكار ادعيه غير معروفه ينافى ما نص عليه كثير من اهل العلم من ان قنوت الوتر في رمضان لا يزاد فيه على ما و رد في السنه النبويه يقول الامام النووي: السنه في لفظ القنوت: «اللهم اهدنى فيمن هديت و عافنى فيمن عافيت و تولنى فيمن توليت و بارك لى فيما اعطيت و قنى شر ما قضيت فانك تقضى و لا يقضي عليك و انه لا يذل من و اليت تباركت ربنا و تعاليت».

    هذا لفظه في الحديث الصحيح باثبات الفاء في «فانك» و الواو في «وانه لا يذل»).

الي ان قال: فان الفاظ الاذكار يحافظ فيها على الثابت عن النبى صلى الله عليه و سلم)[10].

ثم عرض الخلاف حول الزياده على الماثور في الدعاء قائلا: واعلم ان القنوت لا يتعين فيه دعاء على المذهب المختار،

فاى دعاء دعا به حصل القنوت،

و لو قنت بايه او ايات من القران العزيز و هى مشتمله على الدعاء حصل القنوت[11]،

و لكن الافضل ما جاءت به السنة[12].

ولو قنت بالمنقول عن عمر بن الخطاب – رضى الله عنه – كان حسنا،

فقد روى انه قنت في الصبح بعد الركوع فقال: «اللهم اغفر لنا و للمؤمنين و المؤمنات و المسلمين و المسلمات و الف بين قلوبهم و اصلح ذات بينهم و انصرهم على عدوك و عدوهم.

اللهم العن كفره اهل الكتاب الذين يصدون عن سبيلك و يكذبون رسلك و يقاتلون اولياءك،

اللهم خالف بين كلمتهم و زلزل اقدامهم و انزل بهم باسك الذى لا ترده عن القوم المجرمين.

اللهم انا نستعينك و نستغفرك و نثنى عليك و لا نكفرك و نخلع و نترك من يفجرك.

اللهم اياك نعبد و لك نصلى و نسجد و اليك نسعي و نحفد و نخشي عذابك و نرجو رحمتك ان عذابك الجد بالكفار ملحق»)[13].

قال النووي: وقوله: «اللهم عذب كفره اهل الكتاب»؛

انما اقتصر على اهل الكتاب لانهم الذين كانوا يقاتلون المسلمين في ذلك العصر،

و اما الان فالمختار ان يقال: عذب الكفرة ليعم اهل الكتاب و غيرهم من الكفار،

فان الحاجه الى الدعاء على غيرهم اكثر و الله اعلم.

قال اصحابنا: – و الكلام للنووى – يستحب الجمع بين قنوت عمر رضى الله عنه و بين ما سبق،

فان جمع بينهما فالاصح تاخير قنوت عمر،

و في وجه يستحب تقديمه.

و ان اقتصر فليقتصر على الاول،

و انما يستحب الجمع بينهما اذا كان منفردا او امام محصورين يرضون بالتطويل)[14].

كما ان التنكيب عن مهيع السلف في القنوت و غيره مفض الى الغفله و التردد،

قائد الى الشك في الاستجابه خلافا لما داب عليه السلف من اليقين على تحققها،

تجسيدا لامر النبى صلى الله عليه و سلم: «ادعوا الله و انتم موقنون بالاجابه و اعلموا ان الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل»[15].
و ما كانوا عليه من الرغبه في جوامع الدعاء تاسيا بالمصطفي صلى الله عليه و سلم؛

كما قالت عائشه رضى الله عنها: «كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يستحب الجوامع من الدعاء و يدع ما سوي ذلك»[16].

وقد اثر عنهم النكير الشديد على المعتدين في الدعاء؛

لمنافاه عملهم صريح القران و صحيح السنة؛

قال تعالى: ادعوا ربكم تضرعا و خفيه انه لا يحب المعتدين [الاعراف: ٥٥]،

و قال النبى صلى الله عليه و سلم: «سيكون قوم يعتدون في الدعاء»[17].

ولما سمع سعد بن ابى و قاص رضى الله عنه ابنه يقول في دعائه: اللهم انى اسالك الجنه و نعيمها و بهجتها و كذا و كذا..،

و اعوذ بك من النار و سلاسلها و اغلالها و كذا و كذا..

قال: «يا بني،

انى سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم،

يقول: «سيكون قوم يعتدون في الدعاء»،

فاياك ان تكون منهم،

انك ان اعطيت الجنه اعطيتها و ما فيها من الخير،

و ان اعذت من النار اعذت منها،

و ما فيها من الشر»)[18].

و سمع ابن مغفل رضى الله عنه ابنه يقول: اللهم انى اسالك القصر الابيض عن يمين الجنه اذا دخلتها،

فقال: اي بني،

سل الله الجنه و تعوذ به من النار،

فانى سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: «انه سيكون في هذه الامه قوم يعتدون في الطهور و الدعاء»)[19].

يقول ابن تيمية: والمشروع للانسان ان يدعو بالادعيه الماثوره فان الدعاء من افضل العبادات،

و قد نهانا الله عن الاعتداء فيه.

فينبغى لنا ان نتبع فيه ما شرع و سن،

كما انه ينبغى لنا ذلك في غيره من العبادات.

و الذى يعدل عن الدعاء المشروع الى غيره وان كان من احزاب المشايخ الاحسن له ان لا يفوته الاكمل الافضل،

و هى الادعيه النبويه فانها افضل و اكمل باتفاق المسلمين من الادعيه التى ليست كذلك،

و ان قالها الشيوخ… و من اشد الناس عيبا من يتخذ حزبا ليس بماثور عن النبى صلى الله عليه و سلم،

و ان كان حزبا لبعض المشايخ،

و يدع الاحزاب النبويه التى كان يقولها سيد بنى ادم و امام الخلق و حجه الله على عباده)[20].
و قال في موضع اخر: المنصوص المشهور عن الامام احمد انه لا يدعو في الصلاه الا بالادعيه المشروعه الماثوره كما قال الاثرم: قلت لاحمد بماذا ادعو بعد التشهد؟

قال: بما جاء في الخبر.

قلت له: اوليس قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: «ثم ليتخير من الدعاء ما شاء»[21]

قال: يتخير مما جاء في الخبر.

فعاودته فقال: ما في الخبر…..)[22].

 

  • تكلف السجع،

    و قد كرهه السلف و نهوا عنه،

    خاصه ما كان منه على غير سجيه و قد جاء قول ابن عباس رضى الله عنهما لمولاه عكرمه في النهى عن ذلك صريحا: «انظر السجع من الدعاء فاجتنبه،

    فانى عهدت رسول الله صلى الله عليه و سلم و اصحابه لا يفعلون الا ذلك الاجتناب»[23].

    و قال الغزالي: المراد بالسجع هو المتكلف من الكلام،

    لان ذلك لا يلائم الضراعه و الذله و الا ففى الادعيه الماثوره عن النبى صلى الله عليه و سلم كلمات متوازنه غير متكلفة)[24].

وقد يكون التكلف في السجع من موانع الاستجابه كما قال الامام القرطبى – عند ذكره انواع الاعتداء في الدعاء: ومنها ان يدعو بما ليس في الكتاب و السنه فيتخير الفاظا مفقره و كلمات مسجعه قد و جدها في كراريس لا اصل لها و لا معول عليها،

فيجعلها شعاره و يترك ما دعا به رسول الله صلى الله عليه و سلم،

و كل هذا يمنع من استجابه الدعاء)[25].

و يقول ابن حجر: الاعتداء في الدعاء يقع بزياده الرفع فوق الحاجه او بطلب ما يستحيل حصوله شرعا،

او بطلب معصيه او يدعو بما لم يؤثر خصوصا ما و ردت كراهته كالسجع المتكلف و ترك المامور)[26].

يقول ابن تيمية: ينبغى للداعى اذا لم تكن عادته الاعراب ان لا يتكلف الاعراب.

قال بعض السلف: اذا جاء الاعراب ذهب الخشوع،

و هذا كما يكره تكلف السجع في الدعاء،

فاذا و قع بغير تكلف فلا باس به،

فان اصل الدعاء من القلب،

و اللسان تابع للقلب.

و من جعل همته في الدعاء تقويم لسانه اضعف توجه قلبه….)[27].

  • تلحين الدعاء،

    و تطريب الصوت به،

    و المبالغه في ترتيله حتى يؤدي على هيئه قراءه القران،

    و ذلك ممقوت؛

    لما ينطوى عليه من التكلف المنافى لطابع هذه الشريعه المباركة؛

    قال تعالى: قل ما اسالكم عليه من اجر و ما انا من المتكلفين [ص: 86] .



    قال الكمال بن الهمام: مما تعارفه الناس في هذه الازمان من التمطيط و المبالغه في الصياح و الاشتهار لتحريرات النغم اظهارا للصناعه النغميه لا اقامه للعبوديه فانه لا يقتضى الاجابه بل هو من مقتضيات الرد؛

    فاستبان ان ذلك من مقتضيات الخيبه و الحرمان)[28].
    و قال: ولا اري ان تحرير النغم في الدعاء كما يفعله القراء في هذا الزمان يصدر ممن يفهم معنى الدعاء و السؤال،

    و ما ذاك الا نوع لعب،

    فانه لو قدر في الشاهد سائل حاجه من ملك ادي سؤاله و طلبه بتحرير النغم فيه من الخفض و الرفع و التطريب و الترجيع كالتغنى نسب البته الى قصد السخريه و اللعب؛

    اذ مقام طلب الحاجه التضرع لا التغني)[29].

    و قال بكر ابو زيد: فتسمع في دعاء القنوت عند بعض الائمه في رمضان الجهر الشديد و خفض الصوت و رفعه في الاداء حسب مواضع الدعاء،

    و المبالغه في الترنم،

    و التطريب و التجويد،

    و الترتيل،

    حتي لكانه يقرا سوره من كتاب الله تعالى و يستدعى بذلك عواطف المامومين؛

    ليجهشوا بالبكاء)[30].

فالمشروع للداعى ان يدعو بجوامع الدعاء من غير تكلف لسجع،

و لا تمطيط لتلحين.

فالمبالغه في رفع الصوت بالدعاء تخالف توجيه القران العظيم،

و سمت الهدى النبوي؛

يقول ربنا عز و جل: ولا تجهر بصلاتك و لا تخافت بها و ابتغ بين ذلك سبيلا [الاسراء: 110]،

قال الامام البخارى معلقا على هذه الاية: اسمعهم و لا تجهر،

حتي ياخذوا عنك القران)[31].

و قال ابن جريج رحمه الله: يكره رفع الصوت و النداء و الصياح بالدعاء،

و يؤمر بالتضرع و الاستكانة)[32].
و قال الالوسي: وتري كثيرا من اهل زمانك يعتمدون الصراخ في الدعاء خصوصا في الجوامع حتى يعظم اللغط و يشتد و تستك المسامع و تشتد و لا يدرون انهم جمعوا بين بدعتين،

رفع الصوت في الدعاء و كون ذلك في المسجد)[33].

وقد انكر النبى صلى الله عليه و سلم على صحابته رضى الله عنهم رفعهم اصواتهم بالتكبير،

فقال لهم: «اربعوا على انفسكم،

انكم لا تدعون اصم و لا غائبا،

انكم تدعون سميعا بصيرا،

و هو معكم،

و الذى تدعونه اقرب الى احدكم من عنق راحلته»[34].

  • تحويل القنوت الى خطب و مواعظ بل و منابر للتزلف للامراء و الرؤساء و الكبراء،

    و هذا من الابتداع و التعدى في الدعاء؛

    اذ لم ينقل مثله عن السلف،

    و ان و رد عن بعضهم جوازه في خطب الجمعه لا في قنوت الوتر،

    الذى هو داخل الصلاه ذلك ان الاصل اتيان الامام في دعاء القنوت بالادعيه التى لها صفه العموم،

    و صيغه الجمع،

    الا اذا خص طائفه من المؤمنين و اقعين في كرب عظيم،

    او طائفه من المجرمين لشده عداوتهم و قوه محاربتهم للاسلام،

    فهذا مشروع بلا خلاف؛

    لما جاء عن ابى هريره رضى الله عنه ان النبى صلى الله عليه و سلم قال: «اللهم انج الوليد بن الوليد،

    و سلمه بن هشام،

    و عياش بن ابى ربيعه و المستضعفين من المؤمنين،

    اللهم اشدد و طاتك على مضر و اجعلها عليهم سنين كسنى يوسف»[35].

    و لما جاء عن عمر – رضى الله عنه – انه كان يقول: «..

    اللهم العن كفره اهل الكتاب الذين يكذبون رسلك و يقاتلون اولياءك،

    اللهم خالف بين كلمتهم و زلزل اقدامهم،

    و انزل بهم باسك الذى لا ترده عن القوم المجرمين»[36].

    و قد عقد ابن ابى شيبه في مصنفه: «باب في تسميه الرجل في القنوت».

    و قال العراقى في سرده لفوائد حديث ابى هريره – رضى الله عنه: فيه حجه على ابى حنيفه في منعه ان يدعي لمعين او على معين في الصلاه و خالفه الجمهور فجوزوا ذلك لهذا الحديث و غيره من الاحاديث الصحيحة)[37].

    و اذا خص الامام ما موميه بالدعاء فلا باس،

    لكن الاولي تعميم الدعاء.
    وايا كان القول في التخصيص فان ذلك لا ينبغى ان يتخذ سنه مستمراه في الصلاة[38].

وقد كتب عمر بن عبدالعزيز الى عامله قائلا: اما بعد،

فان ناسا من الناس قد التمسوا الدنيا بعمل الاخره وان من القصاص قد احدثوا في الصلاه على خلفائهم و امرائهم عدل صلاتهم على النبى صلى الله عليه و سلم،

فاذا جاءك كتابى فمرهم ان تكون صلاتهم على النبيين و دعاؤهم على المسلمين عامه و يدعوا ما سوي ذلك)[39].

قال صاحب المهذب: واما الدعاء للسلطان فلا يستحب،

لما روى انه سئل عطاء عن ذلك فقال انه محدث،

و انما كانت الخطبه تذكيرا)[40].

قال النووى شارحا لذلك: واما الدعاء للسلطان فاتفق اصحابنا على انه لا يجب و لا يستحب،

و ظاهر كلام المصنف و غيره انه بدعه اما مكروه واما خلاف الاولى،

هذا اذا دعا له بعينه،

فاما الدعاء لائمه المسلمين و ولاه امورهم بالصلاح و الاعانه على الحق و القيام بالعدل و نحو ذلك،

و لجيوش الاسلام،

فمستحب بالاتفاق.

و المختار انه لا باس بالدعاء للسلطان بعينه اذا لم يكن مجازفه في وصفه و نحوها)[41].

قال ابن حجر: وقد استثنى من الانصات في الخطبه ما اذا انتهي الخطيب الى كل ما لم يشرع،

مثل الدعاء للسلطان مثلا.

بل جزم صاحب التهذيب بان الدعاء للسلطان مكروه.

و قال النووي: محله اذا جازف،

و الا فالدعاء لولاه الامر مطلوب.

و محل الترك اذا لم يخف الضرر،

و الا فيباح للخطيب اذا خشى على نفسه)[42].

  • الحرص المفرط على حضور الختمه و الدعاء المزعوم لختم القران،

    و هى بدعه فشت بين الناس..

    و قد اختلف العلماء في حكم التنادى لختم القران على قولين:

– قول بمشروعيه الدعاء لختم القران في صلاه التراويح او الوتر؛

و قد روى عن الامام احمد،

كما نقله عنه ابن قدامه قائلا: قال الفضل بن زياد: سالت ابا عبدالله فقلت: اختم القران،

اجعله في الوتر او في التراويح

قال: اجعله في التراويح حتى يكون لنا دعاء بين اثنين،

قلت كيف اصنع

قال: اذا فرغت من اخر القران فارفع يديك قبل ان تركع،

و ادع بنا و نحن في الصلاه و اطل القيام،

قلت: بم ادعو

قال: بما شئت،

قال: ففعلت بما امرنى و هو خلفى يدعو قائما و يرفع يديه.

وقال حنبل: سمعت احمد يقول في ختم القران: اذا فرغت من قراءه قل اعوذ برب الناس [الناس: ١] فارفع يديك في الدعاء قبل الركوع،

قلت: الى اي شيء تذهب في هذا

قال: رايت اهل مكه يفعلونه،

و كان سفيان بن عيينه يفعله معهم بمكة.
قال العباس بن عبدالعظيم: و كذلك ادركنا الناس بالبصره و بمكه و يروى اهل المدينه في هذا شيئا،

و ذكر عن عثمان بن عفان)[43].

– قول بمشروعيه دعاء الختمه لكن بعد الفراغ من الصلاه لا داخلها،

و هذا لا اشكال فيه؛

لانه دعاء اثر قربه من اعظم القرب،

و لما و رد عن انس – رضى الله عنه: انه كان اذا ختم القران جمع اهله و دعا)[44].

يقول بكر ابو زيد في مقدمه بحثه النفيس مرويات دعاء ختم القران): وقد عهد من مدارك الشرع ان امور العباد التعبديه توقيفيه لا تشرع الا بنص نصبه الله على حكمه مسلم الثبوت و الدلالة..).

ثم طفق ينتقد ما روى في شان بالختمه وضعفه كله،

سوي قول مجاهد الرحمه تنزل عند ختم القران)[45].

وما ذكر عن انس رضى الله عنه انه كان اذا اراد ان يختم جمع اهله و دعا[46].

ثم نقل رحمه الله قول الامام ما لك حين سئل عن الدعاء بعد ختم القران؟: ما سمعت انه يدعو عند ختم القران و ما هو من عمل الناس)[47].

واتبع ذلك بقول ابن رشد شارحا لكلام ما لك نفسه: الدعاء حسن،

لكنه كره ابتداع القيام له عند تمام القران،

و قيام الرجل مع اصحابه لذلك عند انصرافهم من صلاتهم و اجتماعهم لذلك عند خاتمه القران كنحو ما يفعل بعض الائمه عندنا من الخطبه على الناس عند الختمه في رمضان و الدعاء فيها و تامين الناس على دعائه؛

و هى كلها بدع محدثات لم يكن عليها السلف)[48].

وقد كان الائمه يكرهون ما لم يشرع من البدع،

سواء تمحضت او كانت اضافية؛

و لهذا نجد ما لكا يجيب عندما سئل عن قيام الرجل بعد فراغه من الصلاه يدعو قائلا: ليس هذا بصواب و لا احب لاحد ان يفعله)[49].

زمن القنوت:

من اهل العلم من ذهب الى استحباب قنوت الوتر في النصف الثانى من رمضان،

و هو مذهب الشافعى و روايه عن ما لك و احمد – رحمهم الله تعالى،

و منهم من راى انه مسنون في السنه كلها،

كما هو مذهب الحنابله و الحنفية.
يقول شيخ الاسلام ابن تيمية: واما القنوت في الوتر فجائز و ليس بلازم،

فمن اصحابه – اي النبى صلى الله عليه و سلم – من لم يقنت،

و منهم من قنت في النصف الاخير من رمضان،

و منهم من قنت السنه كلها،

و العلماء منهم من يستحب الاول كمالك،

و منهم من يستحب الثانى كالشافعى و احمد في روايه و منهم من يستحب الثالث كابى حنيفه و الامام احمد في رواية.

و الكل جائز،

فمن فعل شيئا من ذلك فلا لوم عليه)[50].

وفى حديث ابى رضى الله عنه ان النبى صلى الله عليه و سلم: «كان يوتر فيقنت قبل الركوع»[51].

و قد تقدمت و صاته صلى الله عليه و سلم لسبطه الحسن بن على رضى الله عنهما.

يقول ابن تيمية: وحقيقه الامر ان قنوت الوتر من جنس الدعاء السائغ في الصلاه من شاء فعله و من شاء تركه..

و اذا صلى بهم قيام رمضان،

فان قنت في كل الشهر،

فقد احسن،

و ان قنت في النصف الاخير،

فقد احسن،

و ان لم يقنت بحال،

فقد احسن)[52].

ورغم ان العلماء اتفقوا على مشروعيه القنوت عند النوازل في صلاه الفجر[53]،

الا انهم اختلفوا في مشروعيته في الوتر على ثلاثه مذاهب كما صرح بذلك ابن تيميه و بعضهم على اربع،

و هو الذى اعتمدته:

1 – كراهيه القنوت في الوتر: و هو القول المشتهر عند المالكيه قال الامام ما لك: وليس العمل على القنوت في رمضان؛

لا في اوله،

و لا في اخره،

و لا في نافله و لا في الوتر اصلا)[54].

و حجتهم عدم ثبات دليل في ذلك،

و قد ذكر ابن تيميه هذا،

فقال: واما قنوت الوتر فللعلماء فيه ثلاثه اقوال: قيل: لا يستحب بحال،

لانه لم يثبت عن النبى صلى الله عليه و سلم انه قنت في الوتر)[55]،

و ذكر باقى الاقوال.

قال ابن حجر: قال الخلال عن احمد: لا يصح فيه شيء عن النبى صلى الله عليه و سلم و لكن عمر كان يقنت)[56].

و قال ابن خزيمة: ولست احفظ خبرا ثابتا عن النبى صلى الله عليه و سلم في القنوت في الوتر)[57].

2 – سنيه القنوت في النصف الاخير من رمضان: و قد روى عن على و ابى بن كعب[58]،

و الزهري[59].

يقول ابن تيمية: وقيل: بل يقنت في النصف الاخير من رمضان كما كان ابى بن كعب يفعل)[60].

و روي ابن و هب و ابن حبيب عن ما لك: ان ذلك مستحب في النصف الاخر من رمضان،

فيقنت الامام؛

يلعن الكفره و يؤمن من خلفه)[61].

و هو قول ابن نافع من المالكية[62].

و المشهور عند الشافعية[63].

وقد نص عليه الامام احمد حين ساله ابو داود: القنوت في السنه كلها

قال: ان شئت.

قال: فما تختار

قال: اما انا فلا اقنت الا في النصف الباقي،

الا ان اصلى خلف الامام فيقنت فاقنت معه)[64].

و استدلوا بما و رد في ذلك عن ابن عمر رضى الله عنهما[65].

3 – سنيه القنوت في رمضان: و هذا قول للمالكيه حيث نقل محمد بن يحيي عن ما لك قوله: يلعن الكفره في رمضان اذا اوتر الناس،

فصلي الركعتين،

ثم قام في الثالثه فركع،

فاذا رفع راسه من الركوع و قف يدعو على الكفره و يلعنهم و يستنصر للمسلمين،

و يدعو مع ذلك بشيء خفيف غير كثير…)[66].

و هو قول للشافعية[67].

4 – سنيه القنوت في الوتر على مدار السنة: و هذا قول ابن مسعود رضى الله عنه،

و ابراهيم النخعي[68].

و قال ابو حنيفه و احمد: يستحب القنوت في الوتر في كل السنة)[69].

يقول ابن تيمية: وقيل: بل يستحب في كل السنه كما ينقل عن ابن مسعود و غيره،

و لان في السنن ان النبى صلى الله عليه و سلم علم الحسن بن على – رضى الله عنهما – دعاء يدعو به في قنوت الوتر)[70].

وقال الشافعي: يستحب في النصف الاخر من شهر رمضان)[71].

و حجتهم في ذلك و صاه النبى صلى الله عليه و سلم لسبطه المتقدمة.

و حديث ابى بن كعب رضى الله عنه: «ان النبى صلى الله عليه و سلم قنت في الوتر»[72]،

فضلا عما سبق ذكره من قنوت عمر و غيره من الصحابه رضى الله عنهم.

موضع القنوت من الركوع:

لقد اختلف العلماء في موضع القنوت على ثلاثه اقوال:

1 – القنوت قبل الركوع: و قد روى عن عمر و على و ابن مسعود و ابى موسي و البراء بن عازب و ابن عمر و ابن عباس و انس و عمر بن عبدالعزيز رضى الله عنهم اجمعين[73].

و هو قول المالكيه و الحنفية[74].

و استدلوا بما رواه عبدالرحمن بن ابزي قال: صليت خلف عمر بن الخطاب صلاه الصبح فسمعته يقول بعد القراءه قبل الركوع: «اللهم اياك نعبد..»)[75].

و كذلك بقول علقمة: ان ابن مسعود و اصحاب النبى صلى الله عليه و سلم كانوا يقنتون في الوتر قبل الركوع)[76].

كما احتجوا باحاديث كلها ضعيفة[77].

2 – القنوت بعد الركوع: و هذا القول يعضده حديث ابى هريره رضى الله عنه: «ان النبى صلى الله عليه و سلم كان اذا اراد ان يدعو على احد،

او يدعو لاحد،

قنت بعد الركوع»[78].

و حكاه ابن المنذر عن ابى بكر و عمر و على و ابى – رضى الله عنهم – و سعيد بن جبير،

و هو الصحيح من مذهب الشافعية[79].

و كذلك وجه عند الحنابلة[80].

3 – استنانه بعد الركوع و جوازه قبله،

و قد قال بهذا القول ايوب السختياني[81]،

و هو الصحيح من مذهب الحنابلة[82].
و قد ثبت ان النبى صلى الله عليه و سلم قنت قبل الركوع[83]،

كما ثبت انه صلى الله عليه و سلم قنت بعد الركوع[84]،

فاذا قنت قبل الركوع ابتدا به بعد الفراغ من القراءه بلا تكبير[85].

وان كان الشيخ الالبانى رجح كونه قبل الركوع؛

حيث قال: والخلاصه ان الصحيح الثابت عن الصحابه هو القنوت قبل الركوع في الوتر)[86].

افتتاح القنوت:

هل يفتتح القنوت بالثناء و الحمد و الصلاه على النبى صلى الله عليه و سلم ام لا؟

1 – قول بعدم سنيه افتتاح القنوت بالحمد و الثناء،

و دليله حديث الحسن المتقدم،

اذ لم يرد فيه الثناء و الحمد و لا الصلاه على النبى صلى الله عليه و سلم وان ذكر بعض العلماء اختتامه بالصلاه على النبى صلى الله عليه و سلم كما سياتي.

و كون الدعاء عباده و العبادات توقيفيه اضافه الى انه لم يثبت نقل دال على افتتاح القنوت بغير دعائه.

و هذا قول الشيخ ابن باز[87].

2 – قول بسنيه ابتداء القنوت بالثناء و الحمد و الصلاه على النبى صلى الله عليه و سلم،

و هو مذهب الحنابله و دليله حديث فضاله ان النبى صلى الله عليه و سلم سمع رجلا يدعو في صلاته فلم يحمد الله و لم يصل على النبى صلى الله عليه و سلم،

فقال: عجل هذا،

ثم قال: «اذا دعا احدكم فليبدا بتحميد ربه و الثناء عليه ثم يصلى على النبى ثم يدعو بما شاء»[88].

وبما ذكر من قنوت عمر رضى الله عنه في صلاه الصبح[89].

يقول الامام احمد: يدعو بدعاء عمر: «اللهم انا نستعينك…» و بدعاء الحسن: «اللهم اهدنا فيمن هديت…»)[90] – و لان الاصل في الدعاء ابتداؤه بالحمد و الثناء و الصلاه على النبى صلى الله عليه و سلم.

يقول النفراوى في اطار تعداده لاداب الدعاء: ومنها: ابتداؤه بالحمد و الصلاه على النبى صلى الله عليه و سلم)[91].

و قال الصاوي: ويندب ابتداؤه بالحمد و الصلاه على النبي)[92].

و قد رجح الامام النووى استحباب اختتام القنوت بالصلاه على النبى صلى الله عليه و سلم؛

لما و رد في اخر حديث الحسن بن على رضى الله عنهما من قوله: «وصلي الله على النبي»[93].

صفه التامين:

من السنه التامين على الدعاء،

و هو قول امين،

اى اللهم استجب،

فينبغى ان يفرق المؤمن بين مواضع التامين و التقديس و الاستعاذه و التنزيه و الدعاء و الخبر،

قال معاذ القارى رضى الله عنه في قنوته ذات مرة: «اللهم قحط المطر»،

فقالوا: «امين»،

فلما فرغ من صلاته قال: «قلت: اللهم قحط المطر فقلتم: امين،

الا تسمعون ما اقول ثم تقولون: امين»[94].
و التامين على الدعاء في الصلاه يكون سرا في غير الفاتحة؛

اذ نصت الاحاديث على الجهر بالتامين بعد قراءتها جهرا،

كما في حديث و ائل بن حجر – رضى الله عنه – قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم قرا غير المغضوب عليهم و لا الضالين [الفاتحة: ٧]،

فقال: «امين» و رفع بها صوته»[95].

و الاصل في الدعاء خفض الصوت و الاستكانه و التضرع؛

لقول الله تعالى: ادعوا ربكم تضرعا و خفية [الاعراف: ٥٥].

والله اعلم،

و صلى الله و سلم على نبينا محمد،

و على اله و اصحابه اجمعين.

:: البيان تنشر ملف شامل لشهر رمضان المبارك رمضان..

حكم و احكام

– See more at: http://www.albayan.co.uk/MGZarticle2.aspx?ID=2156#sthash.CQNIoXBj.dpuf

  • دعاء القنوت عند المالكية
  • قنوت الوتر في رمضان عند المالكية
260 views

دعاء القنوت في صلاة التراويح عند المالكية