ظلمت فتاة ولم اتزوجها ما الحل

آخر تحديث ب21 سبتمبر 2020 الأربعاء 2:56 صباحا بواسطة صلاح جابر

 


السؤال

و بركاته.

يشهد الله انني احبكم بالله، و اثق بكم، و اتمنى ان يمن الله على يوما و يجعلني به خادما للاسلام و المسلمين.

يعرف عني و سط الناس حسن الخلق، و لكني اشعر انني بيني و بين الناس من الصالحين، و بيني و بين نفسي ابليس)!

تعرفت على زميلة لي، و حصلت على رقم هاتفها بطرق ملتوية و حادثتها، و شرحت لها حبي، و نسجت لها الاباطيل و الاكاذيب حول تعلقي فيها ما لا يطيق الحجر الا ان ينهار امامه.

كنت ارسل لها رسائل على الفيس بوك، و كانت لا ترد، فجعلت بنت تحدثها عن حبي لها، و انني اريد الزواج منها عقب الانتهاء من الدراسة، و الحق انني كنت كاذبا كذبا مركبا، بالرغم من عدم التكافؤ الاجتماعي و المادي بيننا، كما ان اخلاقها لا اتمنى ان تكون بزوجتي؛ فهي غير ملتزمة بالحجاب الاسلامي الشرعي، و بعيدة جدا جدا عنه، فجعلتها لعبة بين يدي، و اشعرتها بجو من الحب، و وعدتها بالزواج!

ظنت بكل خير، و وثقت في؛ لما من الله على فيه من مظاهر جيدة، و الخلق الرفيع امام الناس، و التفوق الدراسي… الخ، بعدها و جهت اليها رسالة قاسية، فردت على بانها لا تريدني زوجا لها؛ لاختلاف اسلوب تفكير كل منا؛ ظنا منها انني اسعى لخطبتها، و هي لا تعرف الحقيقة!

و جهت لها رسالة بعد هذا مفادها انها لا تصلح لي كزوجة، او اما لاولادي، و لا ارضى خلقها، و جرحت كرامتها، و كبرياءها، و انسانيتها، و مسحت فيها و بكرامتها و باهلها التراب، و لم اترك لها خطا اقترفته الا و جعلت ابين لها ان مثل تلك الاخلاق، و مثل ذلك السماح لي بالكلام معها، يجعلها لا تصلح ان تكون زوجة لي، او اما لاولادي.

حملت رسالتي كل معاني الاهانة و التحقير و الازدراء، و اوقن انها لو دعت على لاستجاب الله دعاءها، فانا من ظلمها، فانا بقلق شديد، و اريد ان اتوب، فكيف الطريق الى التوبة؛ فانا لا انام، و اشعر بظلمي لها، و اظن ان الله سيعاقبني عقابا شديدا، فكيف السبيل؟

الجواب

اخي الكريم، ان كنت حقا – كما تقول – راغبا بالعودة الى الله، فتامل معي كلام شيخ الاسلام ابن تيمية قبل ان اشرع بجوابك؛ فقد قال: “ان المؤمن للمؤمن كاليدين تغسل احداهما الاخرى، و ربما لا ينقلع الوسخ الا بنوع من الخشونة، لكن هذا يوجب من النظافة و النعومة ما نحمد معه هذا التخشين، و تعلمون انا جميعا متعاونون على البر و التقوى، و اجب علينا نصر بعضنا بعضا”.

فاقول لك: يلزمك – اولا – ان تحاسب نفسك، و تبحث بها عن الاسباب =الذي دفعك لما فعلت؛ فالمسالة لم تقف عند حد انك استشرفت الفتن، و تطلعت اليها، فوقعت بها و حسب، و انما تعديتها الى سادية عجيبة، رجوت من خلالها ليس الايقاع بتلك الفتاة، و انما تعذيبها و اهانتها، و التحقير منها، و الازدراء لها، و جرح كرامتها، بل و مسحت فيها و بكرامتها و باهلها التراب – على حد تعبيرك – و لا اظنك فعلت ما فعلت من اجل انها متبرجة مثلا، او متحررة، او غير هذا مما حرمه الله؛ فالامر – بظني – اعمق من هذا و ابعد، و ستعرف الاسباب =من نفسك ان طلبته، و مهما اعتذرت بشتى المعاذير عما و قع منك، و راوغت الناس، فلن تفعل هذا مع نفسك التي بين جنبيك، و عليك هدايتها الى الخير، و ان تقودها و تزكيها، و الويل لك ان انتهيت فيها الى الشر؛ فان من الاعمال و الاقوال و التصورات ما يخلف و راءه اثارا تضاف لصاحبها بختام الحساب!

و المقصود: ان تبحث عن سبب سعيك بالانتقام من بنت – و ان كانت متبرجة – و تكذب عليها كل ذلك الكذب، و تمكر فيها ذلك المكر، فقد يصبح الدافع هو الحقد عليها، او هنالك مشكلة اجتماعية، او ثقافية، او معاناة من مرض نفسي و الفوائد من معرفة هذا هو علاج نفسك، و اجتناب و قوع هذا بالمستقبل؛ فعديد من مجتمعاتنا – و مع الاسف الشديد – تربت على بعض الصفات الجاهلية؛ كالحسد، و الحقد الطبقي، و على بغض اوساط اجتماعية معينة؛ لا لانها تكرهها بالله بسبب ما هي عليه من معصية، و انما تكرهها، او تحقد عليها؛ بسبب الفوارق المادية و الاجتماعية، و هذي امراض خطيرة فتاكة، و ربما و رد بالشرع الحنيف الدواء الناجع لها.

فعن ابي هريرة، قال: قال رسول الله – صلى الله عليه و سلم-: (ليس الغنى عن كثرة العرض، و لكن الغنى غنى النفس))؛ متفق عليه.

و المعنى: ان الغنى المحمود غنى النفس و شبعها، و قلة حرصها، لا كثرة المال مع الحرص على الزيادة؛ لان من كان طالبا للزيادة، لم يستغن بما معه؛ فليس له غنى.

و كان من دعائه – صلى الله عليه و سلم-: (اللهم انني اسالك الهدى و التقى، و العفاف و الغنى)).

و روى مسلم عن ابي هريرة: ان فقراء المهاجرين اتوا رسول الله – صلى الله عليه و سلم فقالوا: ذهب اهل الدثور بالدرجات العلى، و النعيم المقيم، فقال: (وما ذاك؟))، قالوا: يصلون كما نصلي، و يصومون كما نصوم، و يتصدقون و لا نتصدق، و يعتقون و لا نعتق، فقال رسول الله – صلى الله عليه و سلم-: (افلا اعلمكم شيئا تدركون فيه من سبقكم، و تسبقون فيه من بعدكم و لا يصبح احد اروع منكم الا من صنع مثل ما صنعتم؟))، قالوا: بلى، يا رسول الله، قال: (تسبحون، و تكبرون، و تحمدون، دبر كل صلاة ثلاثا و ثلاثين مرة))، قال ابو صالح: فرجع فقراء المهاجرين الى رسول الله – صلى الله عليه و سلم فقالوا: سمع اخواننا اهل الاموال بما فعلنا، ففعلوا مثله، فقال رسول الله – صلى الله عليه و سلم-: (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء)).

اما مسالة التوبة؛ فباب التوبة مفتوح، و الله – تعالى – يقبل التوبة عن عباده، و يعفو عن السيئات، و الله – تعالى – غافر الذنب، و قابل التوب، شديد العقاب، و الذنب – و ان عظم – و الكفر – و ان غلظ و جسم – فان التوبة تمحو هذا كله، و الله – سبحانه – لا يتعاظمه ذنب ان يغفره لمن تاب، بل يغفر الشرك و غيره للتائبين؛ كما قال – تعالى ﴿ قل يا عبادي الذين اسرفوا على انفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ان الله يغفر الذنوب جميعا انه هو الغفور الرحيم ﴾[الزمر: 53]، و هذي الاية عامة مطلقة؛ لانها للتائبين.

و اما قوله:﴿ ان الله لا يغفر ان يشرك فيه و يغفر ما دون هذا لمن يشاء ﴾ [النساء: 48]، فانها مقيدة خاصة؛ لانها بحق غير التائبين، لا يغفر لهم الشرك، اما ما دون الشرك فهو – بحقهم – ملعق بمشيئة الله – تعالى، و الله – تعالى – يقول: ﴿ و هو الذي يقبل التوبة عن عباده و يعفو عن السيئات و يعلم ما تفعلون ﴾ [الشورى: 25]، و يقول – تعالى ﴿ الم يعلموا ان الله هو يقبل التوبة عن عباده و ياخذ الصدقات و ان الله هو التواب الرحيم ﴾ [التوبة: 104].

و بصحيح مسلم عنه – صلى الله عليه و سلم انه قال: (لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، و لجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون الله؛ فيغفر لهم)).

قال شيخ الاسلام ابن تيمية ب“مجموع الفتاوى” 11/ 256): “فالانسان ظالم جاهل، و غاية المؤمنين و المؤمنات التوبة، و ربما اخبر الله – تعالى – بكتابة بتوبة عباده الصالحين، و مغفرته لهم، و ثبت بالصحيح عن النبي – صلى الله عليه و سلم – انه قال: (لن يدخل الجنة احد بعمله))، قالوا: و لا انت يا رسول الله قال: (ولا انا، الا ان يتغمدني الله برحمة منه و فضل))، و ذلك لا ينافي قوله: ﴿ كلوا و اشربوا هنيئا بما اسلفتم بالايام الخالية ﴾ [الحاقة: 24]؛ فان الرسول – صلى الله عليه و سلم – نفى باء المقابلة و المعادلة، و القران اثبت باء السبب.

و قول من قال: “اذا احب الله عبدا، لم تضره الذنوب”؛ معناه: انه اذا احب عبدا الهمه التوبة و الاستغفار، فلم يصر على الذنوب، و من ظن ان الذنوب لا تضر من اصر عليها؛ فهو ضال، مخالف للكتاب و السنة، و اجماع السلف و الائمة، بل من يعمل مثقال ذرة خيرا يره، و من يعمل مثقال ذرة شرا يره، و انما عباده الممدوحون هم المذكورون بقوله – تعالى ﴿ و سارعوا الى مغفرة من ربكم و جنة عرضها السماوات و الارض اعدت للمتقين الذين ينفقون بالسراء و الضراء و الكاظمين الغيظ و العافين عن الناس و الله يحب المحسنين و الذين اذا فعلوا فاحشة او ظلموا انفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم و من يغفر الذنوب الا الله و لم يصروا على ما فعلوا و هم يعلمون ﴾ [ال عمران: 133 – 135] .

و قال ب“مجموع الفتاوى” 15/ 53 – 55): “فتوبة المؤمنين و استغفارهم هو من اعظم حسناتهم، و اكبر طاعاتهم، و اجل عباداتهم، التي ينالون فيها اجل الثواب، و يندفع فيها عنهم ما يدفعه من العقاب.

فاذا قال القائل: اي حاجة بالانبياء الى العبادات و الطاعات كان جاهلا؛ لانهم انما نالوا ما نالوه بعبادتهم و طاعتهم، فكيف يقال: انهم لا يحتاجون اليها، فهي اروع عبادتهم و طاعتهم.

و اذا قال القائل: فالتوبة لا تكون الا عن ذنب، و الاستغفار كذلك، قيل له: الذنب الذي يضر صاحبه هو ما لم يحصل منه توبة، فاما ما حصل منه توبة، فقد يصبح صاحبه بعد التوبة اروع منه قبل الخطيئة؛ كما قال بعض السلف: “كان داود بعد التوبة اقوى منه حالا قبل الخطيئة”، و لو كانت التوبة من الكفر و الكبائر؛ فان السابقين الاولين من المهاجرين و الانصار هم خيار الخليقة بعد الانبياء، و انما صاروا ايضا بتوبتهم مما كانوا عليه من الكفر و الذنوب، و لم يكن ما تقدم قبل التوبة نقصا و لا عيبا؛ بل لما تابوا من ذلك، و عملوا الصالحات، كانوا اعظم ايمانا، و احسن عبادة و طاعة ممن جاء بعدهم؛ فلم يعرف الجاهلية كما عرفوها، و لهذا؛ قال عمر بن الخطاب: “انما تنقض عرى الاسلام عروة عروة اذا نشا بالاسلام من لم يعرف الجاهلية”.

فالعبد المؤمن اذا تاب، و بدل الله سيئاته حسنات؛ انقلب ما كان يضره من السيئات – بسبب توبته – حسنات ينفعه الله بها، فلم تبق الذنوب بعد التوبة مضرة له، بل كانت توبته منها من انفع الامور له، و الاعتبار بكمال النهاية، لا بنقص البداية، فمن نسي القران، بعدها حفظه، خير من حفظه الاول، لم يضره النسيان، و من مرض، بعدها صح و قوي، لم يضره المرض العارض، و الله – تعالى – يبتلي عبده المؤمن بما يتوب منه؛ ليحصل له بذلك من تكميل العبودية، و التضرع، و الخشوع لله، و الانابة اليه، و كمال الحذر بالمستقبل، و الاجتهاد بالعبادة – ما لم يحصل بدون التوبة؛ كمن ذاق الجوع، و العطش، و المرض، و الفقر، و الخوف، بعدها ذاق الشبع، و الري، و العافية، و الغنى، و الامن، فانه يحصل له من المحبة لذا و حلاوته، و لذته، و الرغبة فيه، و شكر نعمة الله عليه، و الحذر ان يقع فيما حصل اولا – ما لم يحصل بدون ذلك.

و ربما بسط الكلام على ذلك بغير ذلك الموضع، و ينبغي ان يعرف ان التوبة لا بد منها لكل مؤمن، و لا يكمل احد، و يحصل له كمال القرب من الله، و يزول عنه كل ما يكره الا بها”.

والله اسال ان يلهمك رشدك و يعيذك من شر نفسك

رابط الموضوع: http://www.alukah.net/fatawa_counsels/0/47468/#ixzz3e0z4Prif

  • ظلمت فتاة واريد ان اتوب
  • ظلمت فتاة وأريد أن أتوب

1٬032 views