1:09 صباحًا الثلاثاء 19 مارس، 2019

كاتب روايات غرام

غرام مجهول “

للكاتب الامريكى او. هنري
ترجمه حصه العمار
مكتبه العبيكان

شبدا اول النجوم بزوغا باهتا و اهنا و هو يرقب الكون تحته من عليائه ، فيما شمخت جبال الالب معانقه عنان السماء و قد تدثرت قممها بثلوج كثيفه ، و اتشحت سفوحها بسمره تزداد كلما دنت من الارض .

وشرع شاب قوى الجسم ، و اثق الخطوه ، يصعد الطريق مرتديا زى صياد ظباء .. و بدا محياه الوسيم و قد لوحته الشمس بسمره محببه . و كان رشيق الخطوات ينطق ناظره بالصراحه و الصدق و سلامه الطويه , و كان يدندن بمقاطع من اغنيه صيد ” بافاريه ” ، فيما كانت يده تطبق على زهره بريه بيضاء اقتطفها من حافه الوادى ، و فجاه تسمر في مكانه و ما تت على شفتيه حروف الاغنيه حينما عبرت الطريق امامه فتاه في زى فلاحه سويسريه . كانت تحمل دلو ماء صغير ملاته من النبع القريب لتوها . كان شعرها الكثيف منسكبا على كتفيها كشلال تبر انساب في دعه حتى عبر خط خصرها الرقيق ، و لمعت عيناها ببريق الشفق المتغلغل في قنوات السماء ، فيما تسللت من بين شفتها نصف المفتوحتين ابتسامه كشفت عن اسنان تاصعه البياض ، و كانما جذبتها قوي غامضه ، تسمر كل منهما في مكانه لا يحيد عن الاخر بنظره ، على ان الصياد تقدم بشجاعه منها قبل ان يلمس في رقه ريش قبعته وينحنى لها احتراما محييا اياها ببضع كلمات المانيه ، و ردت الفاتنه تحيته بصوت ارعش خجلي نبراته ، على ان بابا فتح لكوخ بين الاشجار لم يكن من قبل و اضحا للعيان ، و ارتفعت على اثره اصوات شتي اصطبغ في اعقابها خدا الفتاه بحمره قانيه ، و خطت عائده من حيث اتت .. لكنها التفتت اليه فجاه فرمقته بنظره طويله ثابته و كانما لتختزن صورته في فؤادها العمر كله ، فتحظنه داخل اجفانها ، و شعرت و هى ترنو اليه بانها تعرفه منذ امد بعيد بعيد .. و تقدم هو منها بضع خطوات ثم اشار اليها بيده في توسل ان لا ترحلى ، الا انها نظرت بوجد اليه ثم اخرجت من صدرها بضع زهرات جنتانيا الزرقاء فرمت بها اليه ، و التقطها بخفه قبل ان تقع ، ثم تقدم بدوره صوبها و وضع في يدها زهراته البريه فدستها بسرعه في صدر فستانها قريبا من قلبها ، و عدت عائده كظبى رشيق .. الى مصدر الاصوات المختلطه . و ظل الصياد في مكانه .. لا يبرحه لوهله ، ثم اسرع في استئناف سيره صاعدا النهر ببطء اكثر ، و بدا كمن فقد عزيزا ، فماتت على شفتيه اهازيج اغنيته النشوي انفا ، المفعمه باريج السعاده و المرح و خلو البال ، و كان و هو يسير يضغط بازاهيرها على شفتيه بين الفينه و الاخري .

اعدت العده لزواج القرن .. و كان كل ساكن يحلم بان تصله دعوه لحضوره .. كان العريس ينتمى الى اكثر العائلات و جاهه .. ال فان وينكلر و يتسنم منصبا مرموقا ، واما العروس فساحره الحسن مكتمله الجمال .. و بمهر بلغ خمسه ملايين دولار و كانت ترتيبات الزواج قد جرت فيما يشبه الصفقه التجاريه ، ما كان للعاطفه و الحب اي دور فيها مقايضه محضه و طلب سريع رضيت به دون جم اكتراث .

وتذكرت كيف التقت عائلتاهما قبل عام في احد منتجعات سويسرا … و بالاحري كيف تم الاندماج بين عائله ال فان وينكر و ثروه ال فانس . كان مقررا ان تقام مراسم الزواج بعد العصر .

وامر العريس بيلام فان وينكر بان توقد نار في مدفاته العتيقه رغم الدفء الغامر ، و ما ان تم له ذلك حتى جلس على حافه منضده الكتابه و شرع يلقى في النار بخطابات قديمه لف بعضها باشرطه و رديه ، و كان يبسم هازئا من ان لاخر و هو يشاهد السنه اللهب تزدرد ما تبقي من حواف كل خطاب ، او يلمح و رده قديمه جافه بين طيات الرسائل ، و قد يجد قفازا معطرا او خصله شعر مذعوره . اما اخر ما قدمه للنار المتاججه امامه فكان ضمه جافه من زهرات جنتيانا الزرقاء ، و تنهد فان وينكلر و زايلت الابتسامه محياه ، و مر شريط الذكريات بباله فتذكر كيف كان العام المنصرم في ثله من صحبه … و الشفق يطرز منحدرات جبال الالب … كانوا في قمه السعاده و النشوه … لاهين عابثين غير عابئين بشيء … و كان يرتدى زى صياد ضباء … ثم اطلت من خياله كالغيث في مهامه البيداء العطشي ، صوره تلك الصبيه الفلاحه بعينين جذبتاه فسمرتاه ، و سحرتاه فاطارتا عنه لذيذ النوم ردحا من الزمن … كيف رنت اليه ثم رمت له بباقه من زهر الجنتيانا الزرقاء ، لو انه لم يكن ينتمى لال وينكلر بكل ما يحمله هذا اللقب من تبعات ” قال لنفسه ” لتبعها و خطبها لنفسه فتزوجها ، اذ ان طيفها لم يفارق ناظريه و فؤاده مذ راها تلك الليله الشفقيه الا ان قيود العائله و المجتمع قد حرمت عليه الزواج منها و بينهما ذلك الفرق الشاسع … على ان زواجه سيتم بعد العصر ” ذكر نفسه ” من ابنه تاجر الحديد المليونير . و القي بيلام فان وينكلر بباقه الزهرات الزرقاء في النار ثم دق الجرس مستدعيا خادمه الخاص .
هربت العروس انسه اوغستا فانس من جمهره قريباتها بعد ان سئمت ضجيجهن و صراخهن المزعج فاحتمت بمخدعها الهادئ و لم يكن لها رسائل تحرقها او ما ض تدفنه ، فاما و الدتها ام العروسه فكانت في اوج سعادتها اذ ان ملايين العائله قد بواتهم مكان الصداره باقترانهم بعائله ال وينكلر .
كانت مراسم حفل زواجها من بيلام وينكلر ستقام بعد عصر ذلك اليوم ، و غابت في لجه احلام اليقضه فتذكرت رحله قامت بها مع عائلتها قبل عام الى اوروبا . ثم توقف تفكيرها عند جزء من تلك الرحله الماتعه حين امضوا اسبوعا في كوخ متسلق جبال سويسرى على اعتاب جبال الالب .. و استرجعت بسعاده يشوبها الحزن ذلك الحلم حين عبات دلوها من نبع قريب و كرت راجعه ، و كانت يومها ترتدى على سبيل الدعابه زى فلاحه استعارته من ابنه صاحب الكوخ ، و عكست لها مرأة خيالها صورتها ذلك اليوم و كيف بدت ساحره الجمال فيه ، و قد انساب شعرها شلال تبر غطي كتفيها و تجاوز خصرها الرقيق ، و كيف صادفت في طريقها ابان قفولها عائده شابا قويا و شته سمره جذابه ، و كان يرتدى زى صياد ضباء .. كيف التقت عيناهما فتسمرت نظرات كل منهما على الاخر . ثم لاحت من ذاكرتها التفاته الى باب كوخهم الذى فتح فجاه فتعالت منه اصوات شتي تناديها ، و لم تستطع تجاهل ذلك ، فخفت راجعه الى مصدر الصوت بعد ان قطعت باقه من ازهار الجنتيانا الزرقاء كانت معلقه على صدرها فرمت بها اليه ، و سارع هو بالتقاطها قبل ان تلامس الارض ، ثم دس بدوره في يدها زهره بريه كان قد اقتطفها من حافه الوادى . من يومها ” اعترفت لنفسها ” ما برحت صورته خيالها ، لقد شاء الله ان يلتقيا على انها و هى الثريه ذات المهر الذى بلغ خمسه ملايين دولار ما كانت لترتكب حماقه بزواجها من احد صيادى جبال الالب العاديين .

ونهضت الانسه فانس ففتحت عليه مجوهرات ذهبيه كانت فوق منضده العطور ، و اخرجت منها زهره بريه جافه سحقتها بين اصابعها حتى استحالت فتاتا ، ثم دقت الجرس مستدعيه خادمتها فيما كان ناقوس الزواج يدق مؤذنا ببدء مراسم حفل الزفاف المنتظر .

189 views
كاتب روايات غرام