11:43 صباحًا الأربعاء 16 يناير، 2019

ملخص رواية قلب الظلام لجوزيف كونراد

بالصور ملخص رواية قلب الظلام لجوزيف كونراد 20160908 1869

يبدا جوزيف كونراد رحله ما رلو و يختتمها في داخل “قلب الظلام” على نهر “التايمز”،

و على متن مركب شراعى ذى مجاديف يسمي “نيلي”،

و ذلك باستهلال موجز،

و الذى عن طريق استخدام رقيق للتصاوير،

و توسل بارع للبيئه يقدم لنا ما رلو الشخصيه المحوريه في الرواية)،

و يهيؤنا للقضايا الجوهريه في القصة.

و في مغامره فريده يبتدئ كونراد الحكايه بشعور قوى مدهش تجاه الهدوء و السكون اللذان يسودان القصه كلها،

مع مقاطعات بين الحين و الاخر بواسطه القاص نفسه لوصف ما رلو،

او ليدون اقحاما موجزا بواسطه احد سامعيه،

و ذلك مع عوده خاطفه الى المركب في نهايه الامر.

و على نهر “التايمز” كان النهار في طريقه الى النهايه في سكون هادئ و براعه نادره و ارتاح هذا النهر العجوز في سكينه و اطمئنان؛

و ما رلو نفسه كان يجلس جيدا دون حركه كما يجلس “الاله بودا”،

و بدت كل اشرعه البارجات كانها و اقفه لم تبرح مكانها.

اما الرجال الذين هم على متن القارب جالسون،

و الذين عليهم ان ينتظروا انقلاب حركه المد و الجزر،

فقد استكانوا بارتياح على متن القارب،

و من ثم اعدوا المكان لمارلو ليبدا في سرد حكايته.

و قبل ان يبدا ما رلو في سرد قصته،

حذر القاص سامعيه انهم بصدد سماع واحد من تجارب ما رلو غير الحاسمة.

و هذه التجربه بالتاكيد واحده من تجاربه الكثيره غير الحاسمه و هو اي ما رلو الخبير الدعي،

بمحض الصدفه في القفر السيكلوجي،

و لديه الكثير الذى يود اذاعته فيهم.

فهو القاص ايضا في روايات “اللورد جيم” 1900م)،

و ”فرصة” 1913م)،

و ”الشباب” 1902م).

و على سبيل هذا الاستهلال شرع في سرد الحكايه حينما اسدل الليل استاره السوداء.

و هذه هى المقدمه الاولي للظلام.
و لعل كونراد يبدى اهتماما مستعظما لتاثيرات الضوء و مؤثراته في هذا العمل الذى نحن على و شك الحديث عنه.

ففى المنظر الافتتاحى يصف كونراد السماء قائلا: “انها لضخامه معتدله لضوء غير ملوث،

و الظلام الوحيد هو ذلك الذى يخيم فوق “قريفسيند” و مدينه لندن،

و هناك الكابه الحداديه التى تستولد السكون؛

و الارض العاديه في لندن تفترض طبيعه متشائمه غير و اقعيه حين تغرب الشمس،

و ذلك بعد ان تغيرت من بيضاء متوهجه الى حميراء رتيبه عديمه الاشعه و عديمه الحراره كانها على و شك الخروج فجاءه بعد ان ضربت ضربا مستميتا بواسطه تلامسها مع الكابه المستولده فوق حشد من الناس.” و من غير سابق انذار يعلن ما رلو في هذا الصمت الذى اعد بحذر: “وهذا ايضا احد الامكنه المظلمه في الارض برغم من انه لم يكن هذا المكان يمثل الظلام العميق كما بدا لمارلو لاحقا مركز الارض،

و لكن النهايه الاقصي للعالم يمثل نهرا لونه كالرصاص،

و سماءا لونه كالدخان..”).
و يستخدم ما رلو هنا نفس اللغه التى يستخدمها في وصف نهر “التايمز”،

فى تصوير النهر الاخر العظيم في القصه و هو نهر الكونغو،

و يوحد بينهما باقراره بان كل الانهار و البحار تجرى في بعضها بعضا.

و على هذا السبيل يربط ما رلو كل البشر ببعضهم بعضا.

و هكذا يهيؤنا عن الكلاسيكيه المقلقه التى اكتسبها حين كان يشاهد المواطنين “يصرخون” و يرقصون على شواطئ نهر الكونغو،

و ايضا من التجارب التى تعلمها من الزعم في ان العلاقه البعيده بين البشر قد اثبتتها “اللحظه السامية”،

و التى احس بها حين ما ت قبطانه الزنجي.

و كان هذا الشعور يمثل الافتتاحيه التى تذكرنا و الحديث هنا لمارلو “ان “دولتنا المتحضرة”،

حيث الطبيعه عباره عن نمط من انماط الهوله المهزومه و التى كانت في عصر ما يمثل الظلام و الهوله عينها،

و كنا ذات مره بربريين.” و في هذا الاستهلال يحاول ما رلو ان يغرس في نفس القارئ نوعا من الاحساس الجوانى للتضامن مع اهالى الكونغو،

و في الان نفسه مع المستعمرين “المتحضرين”،

الذين لا يستطيعون مساعدتهم،

بل الارتباط بهم.

و هذا الشعور الذى يبديه ما رلو ما خوذ من و جهه راى الغزاه الرومان،

الذين ابدوا اسفهم للمواطنين الشباب الخلصاء و هم يرتدون التوجه ثوب رومانى فضفاض)،

و كان الرجال يتبعون ذلك عميا.
و في خضم هذه اللحظه الانعطافيه يحس ما رلو بهذا النزاع السيكلوجى في التعاطفات عند بدايه رحلته الى افريقيا،

و بخاصه بعد تجارب العزله و سط البيض في “حى البيض” في بروكسل،

و على متن سفينة.

و من هناك يشاهد القوارب على الشواطئ،

حيث يجدفها السود الصارخون و هم يتصببون عرقا،

و الذين لم يكونوا في حاجه الى عذر في وجودهم هناك،

و الذين هم كذلك كانوا بمثابه ارتياح عظيم لمارلو بمجرد مشاهدتهم.

و من هنا لا نجد الغرابه في الارتياح او الاندهاش في مشاهده صائدين يجدفون قواربهم،

او مواطنين محليين يستخدمون سبل تنقلهم المائى ليعبروا بها النهر من شاطئ الى اخر،

او يجدفون بمشقه و في اشد ما تكون المشقه عكس التيار من قريه الى اخرى،

او يبحرون في اتجاه التيار بسهوله ايه سهوله من مدينه الى اخرى،

الا اولئك الذين ينظرون الى الانسان الافريقى كحيوان مستوحش ينبغى السفر الى افريقيا لمشاهدته و تصويره مثلما يفعلون مع الحيوانات الاخري في الحدائق المحظوره المسورة.
و الحال هذه،

فان اول التقاء بين ما رلو و السكان المحليين كان في محطه الشركه و كان انطباعه الابتدائى هو ارتعابه عن تعاستهم و بؤسهم.

و قد استعظمت هذه المشاهد القويه في تاثيرها بواسطه خلفيه عدوانيه سيئه و نشاط سخيف يمارسه المستعمرون مثل تفجير الجرف من غير ذى جدوي والذى يذكرنا بجنون رجال الحرب الفرنسيين و القصف العبثى للاعداء المحليين الوهميين على طول الساحل الافريقي مخلفين و راءهم حفره و اسعه و الات صدئه و ذلك في امر لا طائل تحته.

و مع ذلك،

قيدوا ما اسموهم ب”المجرمين” بالسلاسل حول اعناقهم،

حتي بدت ضلوعهم و مفاصلهم “كالعقد في حبل المسد”،

و استحالت الظلال السوداء للمرض و الجوع الى كابه للشجر مخضره كنار تلظى.

بيد ان الموت يقف في وضع مضاد “للاستزعام”،

او الاسود المنبت المنفصل عن اصله،

و هو القروى المسؤول عن “المجرمين”،

و هو نتاج القوي الجديده العامله و الذى بوجهه السافل يعتوره النسيان لماسى الاخرين الذين تحت سطوته وجبروته،

و نجده فخورا كان بثقته المستعظمه المفرطة.

و نمط اخر مساو لذلك القروى “المستزعم” هو صبى مدير المحطه الذى اكل و شبع ثم شبع،

و الذى سمح له المدير ان يعامل البيض جهارا من غير مواربه بوقاحه سمجه مستجلبه و هو الذى اذاع فينا بلهجه ازدراء جارحه بان “مسته مستر كورتز قد قضي نحبه.” و على هذا النحو،

و وسط خضم الاحداث و المشكلات و التعقيدات،

نجد ان السود عكس البيض: فهناك المحاسب الشاذ كل الشذوذ بلياقته المبيضه بالنشا،

و اكمام قميصه البيضاء،

و شعره المعتني به؛

و هناك كذلك طلائع التقدم الاخرين الذين يفتقرون السلاسل الفقارية.

و هؤلاء البيض يمرضون باستمرار،

و نسبه لجشعهم للعاج و حبهم للترقيه لتجدنهم ينخرطون في مؤامرات مستديمه ضد بعضهم بعضا،

ثم انهم لمسؤولون عن تفجير الجرف من غير ذى جدوى،

و ذلك في محاكاه للعمل تهكمية.

انهم لمملوكون كما يبدو لمارلو و هو يقف على جانب الجبل المطل على “الدمار المستوطن” بواسطه شيطان ذى عين مترهله مدعيه ضعيفه و التى هى ميزه الحماقه الجشعه عديمه الشفقة.
ففى هذه الروايه يستغل كونراد مشاهد السود و البيض،

و الضوء و الظلام بعده طرق.

فالظلام هو الليل،

المجهول،

الكتيم،

البدائي،

و الشر.

و مع ذلك،

حين وصل الى افريقيا قلبت الوان البشره العلاقات المقبوله في التضاد.

فالرجل الابيض فوق كل شيء يسعي سعيا حثيثا و راء العاج،

و اشباع رغباته في حياه الرفاهيه الخلابه لانه يزعم تمثيل “الرجل الحضاري”،

و الذى يعتبر جذور كل الشرور في الظلام،

و التى تقلق مضاجع البيض،

حتي اخذ هؤلاء مثل كورتز يمثلوها،

و نحن هنا نسترعي الذاكره الى “حى البيض” بمدينه بروكسل،

كما بدا جليا لماذا طفق ما رلو عنصريا ضد المدينه و لا يستطيع التناسي،

بل التفكير فيها على هذا النحو و بهذا الاسلوب.
يبدا ما رلو روايته عن كيفيه و صوله الى افريقيا،

و التى هى نفس الكيفيه التى بها ذهب كونراد بنفسه الى الكونغو العام 1890م،

و الاحداث هنا تماثل تماما و اقعيه كونراد.

و مثل ما رلو كان كونراد قد عاد الى لندن بعد ست سنوات من الابحار في الشرق الاقصى: اولا كرفيق اول في سفينه ثم كقبطان.

و بعد فتره من التسكع و ضياع الوقت في التبطل،

طفق يبحث عن عمل في سفينه اخرى،

و كان هذا يعد عملا شاقا كل المشقه في الارض.

ثم ان هذا ليلخص شعور كونراد الشخصى في التجربه المريره الصعوبه في ايجاد الوظائف التى تخصص فيها).

و ان هذا الاحباط لهو الذى يصيب المرء دوما حين يعجز عن العثور على عمل حسب التخصص الذى فيه تدرب.

ثم ان هذين القنوط و الياس هما اللذان دفعا كونراد ان يهجر مهنته في الابحار في ذلك الردح من الزمان،

و يروح متخبطا،

علي غير هدى،

فى احياء المدينه و قد غشاه السام و الملل.

هكذا لم تعرف حياه كونراد هذه اي استقرار مهنى اونفسي،

او في اي مكان،

فهو كان قد عاشها دائم التنقل،

و غالبا هربا من وضع ما ،



او بحثا عن شيء ما .



و مع هذا،

اخذت حلقات حياته تتالف كلها من فصول الموت و المرض و الافلاس و الصراعات النفسيه و الترحال و محاوله الانتحار.

و في خلال فتره تسكعه هذه مهما يكن من شيء شرع كونراد يكتب روايته الاولي “حماقه الماير” 1895م)،

و من ثم و هو في الحادى و الثلاثين من عمره بدا ما اسماه فريدريك كارل “حياته الثالثة”،

اى حياه الكاتب كونراد.(1 فما هى قصه حياته الاولي و الثانية

هذه حكايه اخرى،

و لسوف نبينها بعد حين.
مهما يكن من امر،

فلجوزيف كونراد حياتين: اذ بدات هاتان الحياتين لجوزيف كورزينيوفسكى كبولندى و بحار،

حيث غير اسمه الى جوزيف كونراد،

لانه لم يكن يطيق النطق الخطا بواسطه الانكليز.

فقد ولد جوزيف كونراد العام 1857م في بيرديكزوف في اوكرانيا حاليا.

و قد ادرك و هو يافعا الروح العميقه للقوميه المكبوته في بولندا،

التى كانت تسيطر عليها روسيا،

و الى حد ما ،



الامبراطوريه النمسويه و بروسيا لاكثر من 60 عاما،

حتي لم يبق لها وجود كامه في حقيقه الامر،

الا في قلوب و ادمغه الناس.

فقد تحدر كونراد من اسره ارستقراطيه و كان و الده ابولو كورزينيوفسكى متمردا “متجيشا” ضد الحكم الروسي،

و كان مثاليا رومانسيا كذلك،

و مترجما ثم انه كان كاتبا مسرحيا و شاعرا.

و بعد ميلاد جوزيف قصد و الده قصيده “مهداه الى ابنه الذى ولد في العام الخامس و الثمانين للاضطهاد الموسكوي”.

و في العام 1861م انتقل ابولو و اسرته الى و ارسو حاضره بولندا و في ذلك الحين من الزمان قفزت حركه المقاومه الوطنيه الى قمتها في المصير المستميت للعصيان المسلح العام 1863م.

و قبل ذلك الردح من الزمان،

مهما يكن من شيء،

اعتقل ابولو بسبب نشاطاته التامريه و مع زوجه المريضه ايفيلينا بوبروفسكى و ابنهما البالغ من العمر وقتذاك اربع سنوات،

تم نفيهم الى فولوقدا في شمال شرقى روسيا.

و هناك ما تت زوجه،

و عاني هو نفسه من اكتئاب مستديم،

مما تسبب في وفاته باكرا،

و ترك الطفل جوزيف البالغ من العمر حينذاك احدي عشره عاما ليترعرع في كنف،

او تحت رعايه عمه المحافظ الثري،

تاديوس بوبروفسكي.

و حين بلغ من العمر 16 عاما ذهب الى فرنسا ليبدا حياته كربان سفينه لكنه تعرض لاحباطات مستمره و وقع في ديون باهظه حتى تراكمت كل هذه الاشياء و دفعته الى ان يطلق النار على نفسه في مدينه ما رسيه بعد اربع سنوات: اما الرصاصه و يا للعجب فقد اخترقت صدره لتخرج من ظهره مخطاه قلبه،

و من غير ان تحدث ايه خسائر خطيرة.

و بعد شفائه،

قرر كونراد ان يبدا بدايه جديده بانتقاله الى انكلترا ليجرب حظه في السفن البريطانيه و اخيرا و بعد جهد جهيد اصبح اول بولندى يمسى قبطانا في الخدمه التجاريه البريطانية.

ثم كان ذلك في السفن البريطانيه حيث تعلم كونراد اللغه الانكليزيه و اتقنها،

حتي امسي فيها سيدا لا يشق له غبار،

و بات يكتب بها باسلوبه التطريزى المزركش و تعابيره الرائقه الرقراقة.
و هو ما يزال طفلا يافعا كان كونراد يشارك و الده في مزاجه الرومانسي،

و كان يحلم بالرحلات و المغامرات.

و في كتابه “السيره الذاتية”،

الذى اخرجه للناس بعد عده سنوات لاحقه استذكر الاعجاب الذى كان يحمله و هو ما يزال طفلا غريرا ارعنا عن “قلب افريقيا الابيض”.

و بهذه العنصريه المقلوبه راسا على عقب،

تحدث كونراد عن تنبؤ طفولى غريب.

و كان ذلك العام 1868م حين كان يربو على تسع سنوات من العمر،

و كان ينظر الى خارطه افريقيا،

و يضع اصبعه على مكان فارغ اي منطقه شلالات ستانلي،

و كان يمثل لغز هذه القاره و من ثم قال لنفسه في نفسه،

و بتاكيد مطلق و تهور مدهش: “عندما اكبر لسوف اذهب الى هناك.” و اذ قرر منذ موئل طفولته ان يصبح بحارا و مغامرا،

و من ثم تحقق له ما اراد،

و اضاف الى ذلك ان اصبح ايضا كاتبا كما سنري لاحقا.

هكذا اعطي كونراد هذا الحلم الطفولى عن الكونغو الى ما رلو،

و شرع يبحث عن قياده سفينه جديده و كذلك سمع عن شركه تجاريه تتاجر على نهر الكونغو،

و قرر ان يسافر الى هناك.

هذه هى نفس الفكره التى امست تختلج في مخيله كونراد.

فبعد عودته من الشرق الى لندن كان هنرى مورتون ستانلى مشغولا مشغوفا كل الشغل و كل الشغف بعمليه اغاثه امين باشا حاكم مديريه الاستوائيه في عهد الحكم التركي-المصرى في السودان 1821-1885م)،

و الذى بات معزولا في احراش الجنوب السودانى عقب انفجار الثوره المهديه 1881-1898م)،

و اخذ يجد اعلاما مستعظما،

و صيتا ذائعا في بريطانيا.

فقد عثر ستانلى الكاتب و الرحاله على المبشر المسيحى المفقود الدكتور ديفيد ليفينغستون في ادغال افريقيا العام 1871م.

ففى السبعينيات من القرن التاسع عشر الميلادى توغل ستانلى في غابات افريقيا،

و تتبع لاول مره مجري نهر الكونغو،

حتي وصل الى قلب هذه القاره السوداء.

و كان استظهاره الامكانيات التجاريه في المنطقه قد ادي الى تاسيس مشروع تجارى ضخم،

و قاد في نهايه الامر الى تكوين “دوله الكونغو الحرة” و في ذكر عباره الحره تنزف قلوبنا دما.

و حين نطق اولئك و هؤلاء بعباره “الكونغو الحرة” كان عليهم ان يتحدثوا عنها باستحياء،

لانهم مسوا الناس و المنطقه بغير رفق و لا رافه و تركوا ما ضيا تعيسا لم يعد من الممكن تغييره.

فقد كانت المنطقه كلها تحت اجراءات و تمويل المستثمر الملك ليوبولد الثانى ملك بلجيكا.

و في بادئ الامر لم يبد الراسماليون البريطانيون رغبتهم في الاستثمار في هذه المنطقه مما نتج عن ذلك اسفهم و ندمهم في نهايه الامر.

و كان الملك البلجيكى قد خول لنفسه سلطات وصلاحيات السياده على هذه الدوله الجديده و التى بقيت مهما يكن من شيء مستقله عن حكومه بلجيكا.

فقد قاد ستانلى الرحله الاولي للبلجيكيين الى هذا الاقليم لتاسيس محطات تجاريه و مراكز اداريه و ”لاثبات ان مواطنى الكونغو يمكن ان “يتاثروا بالحضارة”،

و ان حوض الكونغو غنى في اكثر ما يكون الغنى بحيث يمكن تسديد من موارده قيمه الاستغلال”،

كما كتب ذلك في سيرته عن تجاربه “عبر القاره السوداء” العام 1878م،

و هو الكتاب الذى فيه ايضا اماط اللثام عن الاسترقاق في هذه القاره و كيف استحال النخاسون المواطنين الى شظايا مجتمع و فتات بشر.

و لكن هل تبلسم الكتابه جراح الماضي

كلا

و من يقرا التاريخ سيدرك اننا لم نطلق هذا النقد اللاذع و السخريه الزاعقه الحارقه سدى.

و كذلك كتب ستانلى عن نضاله في البحث الحثيث عن امين باشا في تاليفه “فى افريقيا الاكثر سوادا”،

الذى نشر العام 1890م،

و هو العام الذى فيه ذهب كونراد الى الكونغو.

ما اذا كان كونراد قد اطلع على هذين الكتابين ام لا،

الا انه لا ريب في ان رغبته في افريقيا قد استعرت بواسطه تجارب ستانلى الدراميه و اكتشافاته الشهيرة.(2)
ايا كان الامر،

فحينما وصل كونراد الى الكونغو كان الاخير قد اصبح من الممتلكات الخاصه للملك البلجيكى ليوبولد؛

اما “العمل الصالح المنجز باسم المسيحيه و التقدم” فقد تم نسيانه او تناسيه و سط تزاحم المكتنزين الاوربيين.

و قد افرز هذا التصارع المذموم،

و ذاك التسابق المحموم حول الثروه و المال في الكونغو ما يمكن نعته بالجشع و القساوه الاكثر قبحا،

و نشاطات النفاق و الرئاء في الاستغلال الاستعمارى في القرن التاسع عشر من الميلاد،

و الذى نعته كونراد في مقال له بعنوان “الجغرافيا و بعض الرحالة” ب”التسابق الاقذر للنهب الذى شوه تاريخ الضمير الانساني،

و الاكتشاف الجغرافى الى الابد.” و لعل روايه “قلب الظلام” ليست مجرد روايه عاديه بل سيره ذاتيه تجرى و قائها في منطقه فضاؤها القسوه العابثه و العدم،

و الرجاء الذى هو كسراب بقيعه حيث قضي الكاتب ردحا من الزمان هناك.

اذ ينطوى هذا الكتاب على ضني في تجربه الكتابه المتمثله في انعكاس لذلك الضي الذى تميزت به تجربه الحياه في معسكرات اذلال المواطنين الكونغوليين بكل اهوالها التى تخرج عن نطاق الوصف،

و بخاصه ان الوصف في هذه الحال ليبدو مؤلما.

و من هنا ايضا يرسم الكاتب صورا متنوعه ذات ملامح سياسيه و قوميه و اجتماعيه كانت بمنزله القضايا الشائكه في هذا الوطن المترامى الاطراف،

و التى دفعت المواطن الى السقوط في بئر عميقه من الاحباط و الياس،

حيث يموت البشر كما كانوا يموتون في العصور الوسطى،

و سط الرعب و قرقره البؤس.
هذا،

فقد كانت رحله كونراد الى الكونغو قصيره و ما سويه في الان نفسه.

اذ تدهورت صحته ايما التدهور،

و شعر في اعظم ما يكون الشعور بالوهم و الفشل.

فقد دخل هناك في ازمه شخصيه شديده و اصطدم بالاضمحلال الاخلاقى و العاطفي؛

و قد اثبت ذلك في خبرته الجديده ككاتب.

و من خلال خالته الروائيه و جد كونراد و ظيفه كقبطان في باخره تابعه “للشركه البلجيكيه المجهوله للتجاره في الكونغو الحرة”،

و التى كانت ستاخذ الرحله الاكتشافيه بقياده الكسندر ديلكميون و هو كان اخا لمدير الشركه في كنشاسا محطه كونراد الرئيسة الى اقليم كاتنغا.

و في بادئ الامر ابتهج كونراد المغامر بهذا المشروع،

لانه كما بدا له انه لسوف يكون قد ساهم في الاكتشاف الذى شرع فيه ستانلى في باطن افريقيا.

مهما يكن من الامر،

فحين وصل كونراد الى كنشاسا نشات هناك عداوه مباشره بينه و بين مدير الشركه كميل ديلكميون.

فقد اخذ كونراد ينعته باحتقار في القصه و يلومه على الايام المؤجله و على اخفاق فريق الانقاذ في الوصول الى كورتز في الوقت المناسب لانتشاله من براثن الموت.

و في الحق،

يبدو ان ديلكميون قد اشتاط غضبا من تاخير كونراد في الوصول الى العاصمه كنشاسا من مدينه ما تادي،

حيث ان الطريق الطويله تاخذ دوما اقل من عشرين يوما،

بينما استغرق كونراد 35 يوما،

و كذلك استاء و غضب كونراد الاستياء كله و الغضب كله من استقبال ديلكميون البارد له.

و برغم من ان الباخره التى كان يقودها قد اصابها عطب،

الا ان كونراد لم يبق في المكان لمده ثلاثه اشهر مثلما فعل ما رلو،

و لكن في الواقع بعد يوم او يومين انطلق الى اعلي النهر مع كميل ديلكميون على متن باخره مختلفه تحمل اسم “ملك بلجيكا”،

و كان كونراد،

الذى كان زائدا عن العدد المقرر او المطلوب،

موجودا على متنها ليراقب و يتعلم الملاحه في النهر من ربان ذى خبرة.
و كان هذا السفر ما هو الا رحله روتينيه بالنسبه الى ديلكميون،

حيث انتهت في زمن قياسي،

و ليس كما قطعها ما رلو في الرواية.

و كان اصطحاب الوكيل “كلين”،

و الذى كان سقيما بالدسنتاريا في شلالات ستانلي،

و قضي نحبه في مجري اسفل النهر،

ما هو الا حدثا عارضا.

فلم يكن يحمل “كلين” شبها ل”كورتز” ابدا كما كان يزعم.

و ابتنيت شخصيه كورتز،

فى حقيقه الامر،

علي رجل يدعي هوديستر،

و هو كان و كيلا ناجحا لشركه و رحاله ثم انه كان عضوا في “نقابه مجرمى الفضيلة”،

الذين كانوا يستهجنون كل الاستهجان الرق و العادات البربريه علاوه على انه كان منافسا ل”ديلكميون”.

و بالطبع و الطبيعه فقد سمع كونراد عنه من حديث القيل و القال في المحطات.

و كان مقتله العام 1892م،

خلال تمرد العرب و السكان الاصليين حينما كان في رحله لتاسيس المصانع،

و قد نشر نبا وفاته و اذيع عنه في الناس بكثره في الصحف الانكليزيه و في ذلك الحين كان كونراد يتواجد في لندن.

اذ لم يملك،

مهما يكن من شيء،

روحا غير شرعيه خادعه تفوق الحدود التى تسمح بها الامال و الرغائب مثل كورتز،

ثم انه لم يكن من نمط البشر المؤله و سط “المستوحشين” الذى مثله كورتز،

هكذا كتب احد النقاد الادباء.
و حين مرض كونراد بالحمي و الدسنتاريا و لازم سرير المرض في اغلب الاوقات،

احيط علما بواسطه كميل ديلكميون بانه سوف لا يكون على راس الباخره التى تقل الفرقه الاستكشافيه الى اقليم كاتنغا،

ثم انه لسوف لا يكون قبطانا في باخره نهريه عاديه و ذلك كما كتب كونراد الى خالته: “ليس لى امل في الترقيه و لا في زياده الاجر في الحين الذى فيه يبقي ديلكميون هنا،

بالاضافه الى ذلك،

انه لقد قال سوف لا يلتزم هنا ابدا بالعهود المبرمه في اوربا.” و بعد ذلك الحين مباشره امسي كونراد سقيما في اشد ما يكون السقم،

و غادر الكونغو عائدا الى بروكسل حاضره بلجيكا بشعور مرير من الاخفاق شديد.

و من ثم انتهت رحلته الماسويه الى الكونغو بتفاصيل شخصيه و لا شيء غير الرنين الكئيب،

و ظاهريا من غير مواجهه او مقابله شخصيه رديئه الرداءه العظيمه مثل كورتز.
و في خلال قصه الكونغو،

تعرض كونراد بحال ما الى تجربه استناره شبيهه بتلك التى تعرض لها ما رلو،

و دخل في عمليه النمو عبر خيبه الامل و الهزيمه و هو نمط الهزيمه الذى ساقه الى حافه البقاء اي بقائه الشخصى و ليس بقاء الحضاره و الذى انتج فيه فهم عريض و عميق بالبشر،

و بخاصه نواحيهم السويداء.
برغم من ان تجارب كونراد الشخصيه تمثل الماده الخام للقصه الا ان كونراد في محاولته للتعبير عن تطوره من المثاليه الى خيبه الامل و الفهم الاعمق عن طريق السرد الخيالى قد شوه التجربه الفعليه بطرق عديدة.

اولا،

انه جعل ما رلو مستريبا من الوهله الاولى،

كما نراه في تردده و ريبته في المشروع في بروكسل،

و كذلك ارتاي كونراد في فرصه الذهاب الى الكونغو حقائق مثاليه لتحقيق حلم الطفوله الذى ذكرناه لكم انفا.

فقد ذهب و هو ممتلئ بشوق مثالى ورمانسي.

ثانيا،

حاز ما رلو على دور اكثر اهميه و عملا في القصه من كونراد،

الذى لم يكن اكثر من مراقب و مستمع للقيل و القال،

و الذى ربما و جد فكره شخصيه كورتز من صحيفة.

و بتنصيب ما رلو قبطانا للباخره صيره كونراد مسؤولا مباشرا لعمليه انقاذ كورتز،

و كذلك حياه كل الاشخاص الذين على متن الباخره و هكذا يعطى سرد الشخص الاول للقصه بواسطه ما رلو قوه عظيمه انية.

ثالثا،

انه قد بالغ في تصاوير و تواصيف عزله و بدائيه اهل الكونغو.

و بارجاعهم الى عصر ما قبل التاريخ،

حتي اختفت مستوطنات كبيره لتحل محلها قري السكان الاصليين و مراكز تجاريه صغيره ضائعه و الملاحه عباره عن امر اكتشاف القناه الصحيحه و استشعار سبيل الفرد عبر المجري المائى المجهول،

حيث كان كونراد يدرك انه نهر مزدحم ايما الازدحام.

رابعا،

لقد اعطي كونراد رحلته الى “قلب الظلام” مثل ستانلى في رحلته البحريه الانقاذية نمطيه اسطوريه وجعلها موضوعا للقياس للتنميه الروحية-العاطفيه لمارلو.
و قد راى كثر من النقاد انها رحله الى النشاطات العقليه تحت عتبه الوعى مباشره عند ما رلو،

او الدووعى العام،

او كما ارتاي البيرت جيه قيرارد رحله سيكلوجيه انثروبولوجيه “ليلية”.

و بهذه العباره كان يعنى قيرارد: “اسطوره متعلقه بالطراز البدائي،

و ممسرحه في ادب عظيم العظمه كلها منذ كتاب قصه سيدنا يونس عليه الصلاه و السلام): و هى قصه رحله العزله الرئيسه التى تنطوى على تغير روحى عميق عند المسافر في هذه الرحله البحرية).

و في شكلها الكلاسيكي،

فان الرحله لعباره عن الهبوط الى الارض،

و تتبعها العوده الى الضوء.”
و عندما نعير الانتباه للواقع السطحى لقصه ما رلو،

او تفاصيلها البرانيه ينبثق المعني الجواني.

و من هذا المنطلق استطاع كونراد ان يخلط الاخلاق بالمغامره في رواياته،

و باسلوب فريد.

ففى توطئه لروايته “زنجى نارسيسوس” 1897م وصف كونراد اسلوبه،

و سرد اخلاقه الشخصيه فيما يختص بفن الرواية.

و يبدو هذا الاسلوب و اضحا الوضوح كله في تصاوير الرحله اعلي النهر،

مع تركيز دقيق على تفاصيل العواطف و الافعال.

و هذا بالمقابل يسلط نوعا من الاضواء على ما يحدث في الان نفسه في جوانيه ما رلو،

و هو نفسه مضطر كل الاضطرار ان يبدى انتباها مستمرا الى الواقع السطحى في نضاله للحفاظ على السفينه على سطح الماء و ابحارها اعلي النهر.

و هذا سينقذه من اغراءات البريه التى هو مثل كورتز عرضه لها.

ان الواقع السطحي لهو الذى ابقي ما رلو بعيدا عن اختيار البريه مع كورتز،

و ليست قوه صوته الداخلي،

و لا قيده الداخلي،

و هو موضوع رئيس في القصة.

اذ لم يكن لكورتز و سائل ضبط النفس،

و لا عمل سريع مثل كورتز،

و لا عقيده روحية.

و كان تطرفه و اعتقاده مضادان للايمان الصادق،

و الذى كان يعتقد ما رلو انه مرغوب في سبيل تبديد الظلام.

و من خلال قيام الروح الاخلاقيه و الاندفاع الجشع نحو المال و السلطه لم يستطع ما رلو التعاطى مع القوي البربريه و الحقود في جوانيته،

و التى تخرجها البريه الى الناس.

و كان دفاعه الوحيد هو الفصاحه التى لم تكن كافيه كما شهدت الرؤوس على الاعمده خارج منزله.

اذ ان الفصاحه توضح ان كورتز يحتاج الى و سائل ضبط النفس في سعيه الحثيث و راء شهواته المتباينه و كذلك لان هناك شيئا مرغوبا في جوانيته شيئا صغيرا،

و الذى حين تتبين الحوجه الملحه له،

سوف لا تجد له وجودا تحت بلاغته البارعه برغم من ان الكلمات ليست ادوات لنقل المعانى فحسب،

بل هى اسلحه دفاعيه ايضا.
و على هذا النحو،

يفتقد احد الربابنه المنبتين المحليين معايير ضبط النفس،

و بذلك يلقى حتفه.

و في الحق،

لم يكن لاى شخص في القصه سبل ضبط النفس،

الا الرجال الاكثر بربريه اي اكلى لحم البشر الذين هم يتضورون جوعا على متن الباخره و الذين ادهشوا ما رلو بحقيقه انهم يستطيعون ان يضبطوا انفسهم من التهام “الحجاج” بينهم بنهم.

فضبط النفس اي ضبط النفس ليس هو بالدووعي،

او الاشمئزاز،

او الصبر،

او الخوف،

او نوع من الشرف البدائي.

فليس هناك خوف يمكن ان يقف في وجه الجوع،

ثم ليس هناك صبر يمكن ان يهلك الجوع.

اما الاشمئزاز فانه غير موجود متى ما و جد الجوع،

اما قوي ما و راء الطبيعه و الشعوذه و المعتقدات،

و كل ما يمكن ان تسميه المبادئ كلها اقل من القشره في الهواء الخفيف.

اذ يكلف المرء كل قوته الفطريه لكى يقاوم الجوع كليا.
على ايه حال،

فقد خلفت الروايه جدالا و اسعا و سط النقاد عن طبيعه “الظلام” بالتحديد.

فعدم و ضوح الرؤيه الذى يصاحب الكلمه قد ترك هكذا عمدا من ناحيه و هو الفشل من ناحيه اخرى.

فالظلام يعني اشياءا كثيرة: انه ليعنى المجهول،

و الدووعي،

و انه ليعنى الظلام الاخلاقي،

و الشر الذى ابتلع كورتز،

ثم انه ليعنى الفراغ الروحى كما يراه في مركز البقاء،

و لكن و فوق ذلك كله فانه اللغز ذاته،

اى لغز حياه الانسان الروحية.

و لابداء او استظهار كل هذا فان كميه محدده من عدم الوضوح لهى مطلوبة.

و هذا اللغز كما يتخيله كونراد يمسى كبيرا جدا لحدود القصه و ما رلو،

و ذلك في محاولاته في تصوير الذى لا يمكن تصوره،

حيث يفقد السيطره على كلماته و يجنح الى عدم المعني الواقعى حين يحاول ان يوضح جوهر تجربته عن طريق الاقتراح،

و كانت النتيجه شعاعا باهتا غير مفهوم،

بل ضبابا من الصفات المبهمه التى تصبح كثيفه كلما اقتربنا الى القلب و الى كورتز معا.
و في كتابه “التقليد العظيم” انتقد في ر ليفيز الروائى كونراد لعدم و ضوحه و استخدامه الطاغى للصفات بصوره غير دقيقه فعلي سبيل المثال: استفاضته في استعمال مفردات مثل “غامض؛

مبهم؛

ملغز”،

و ”لا يتخيل؛

لا يتصور؛

لا يصدق”،

و ”لا يوصف؛

لا يصح ذكره؛

رديء جدا”،

و تساءل ليفيز: “هل اضافت هذه العبارات شيئا الى الطبيعه الاضطهاديه في الكونغو؟” فربما اضطرته الحال الى استخدام هذه المفردات لانه حاول جاهدا ان يغوص في اعماق الاشياء،

حتي المجرده منها بما فيها “قلب الظلام”،

و حينما راى ان الاسماء غير كافيه او غير كفيله بتبليغ الرساله اياها،

او المعانى التى يود توصيلها عمد الى الاستعاضه و الاستعانه بهذه الصفات القويه في معانيها و مضامينها.

فمن الملاحظ انه من الناحيه الاسلوبيه و الطريقه الفنيه للسرد نجد ان هذه الروايه و على عكس ما هو ما لوف في الروايات عاده ان التواصيف جاءت مستكثره على حساب السرد،

حتي بات الزمن السرمدى قصيرا جدا،

و كان يكفى بضع صفحات للوصول الى ما يريد النص الوصول اليه،

لولا تلك الوقفات الوصفيه الغزيره في الروايه التى ابطات و تيره السير السردى غير مره مما جعل الروايه اقرب الى لوحه من الالوان و الزخارف ذات اللمسات النعتيه العميقه التى يمكن فصلها عن سيروره الاحداث،

لانها طغت و كادت ان تجعل السرد كلمات متقاطعة.
و مع ذلك،

تبقي شخصيه كورتز لغزيه في اقرب الاحوال مثل الظلام نفسه،

الذى يعيش فيه.

برغم من الاستخدام المركب للقصاص،

الا انه يعطى الحال الموضوعيه للقصه ثم انه ليضيف جوا من عدم الوضوح و القنوط في الوصول الى قلب الشيء،

و يترك القارئ على بعد معتبر من القصة.

و هذا بالضبط و الربط هى الحال مع نمو شخصيه كورتز.

فالقاص في القصه اي كونراد نفسه يحططنا علما عما قال له المنفصل ما رلو عما قال له المهرج الروسى و بعض الناس عن كورتز.

لذلك كانت الامال المبالغه التى يحملها ما رلو عن كورتز مبنيه في الاساس على اشاعات المحطه و لذلك بقى كورتز بالنسبه لمارلو،

و لنا كلنا اجمعين اكتعين،

مجرد “اشاعة”،

او “كلمة”،

او بصوره اكثر قوه في نهايه الامر “صوتا”.

انه لم يكن شخصيه حقيقية.

و ان كرتز بالنسبه لمارلو لهو الموضوع الرئيس لهذه الرحله النهريه لانه يعتقد ان كورتز هو الرجل الذى يمكن ان يشرح له درس الظلام.
و في هذه الاثناء التى فيها شرع ما رلو يتحدث الى كورتز،

كان كورتز نفسه قد بات سقيما في اشد ما يكون السقم،

و امسي مضطربا الاضطراب كله بحيث اصبح لا يستطيع ايضاح اي شيء،

و لا يقدر على ان يبين من امره شيئا،

برغم من ان ما رلو كان قد ادرك اثناء رحلته اعلي النهر انه بات من الامر الميؤوس ان يتحدث و يستمع الى كورتز على ايه حال.

و ذلك لان حتميه هذا الامر تقع عميقا تحت السطح،

و بعيده عن متناول فهمه و استيعابه،

و خارجه عن دائره قوته الفضولية.

و من هنا يدرك ما رلو انه لا يستطيع فهم اسرار الظلام و فك طلاسمه،

و ان ثمن فهمه،

او التشبث في حل الغازه،

لهو من جنون الروح الذى يسيطر على كورتز.

و من هنا ايضا يقرر ما رلو على انه من الافضل ان لا يغوص في اعماق الواقع السطحى ان اراد ان يبقي حيا،

و يبقى جسمه سليما من الاذى.
هكذا لم يكد ما رلو ان يتجرا في الغوص تحت السطح ابدا،

و انه قد حرمت عنه المعرفه الذاتيه عن كورتز،

الذى افلت من المازق و الموت،

و افلح في ان يجرجر الى الوراء قدمه المترددة.

اما كورتز فان معرفته الذاتيه و صرخه النصر “الرعب

الرعب!” هما نصر متناقض: انه لتاكيد النصر الاخلاقى الذى يتحقق بعد عده هزائم،

و بواسطه انماط ارهابيه قميئه و اكتفاءات سيئة.

و لكن في هذا النصر يتجسد فشل الانسانيه لانه ليست هناك فصاحه يمكن ان تذبل في اعتقاد احد من البشر في و اقع الامر،

و هذا هو الواقع اليومى للناس في بروكسل،

علي سبيل المثال و الذى يبدو كانه ازدهاءات مفرطه من الحماقه لا تطاق او تحتمل في وجه الخطر الذى لا يستطيع الشخص ادراكه،

و الذى هو في حقيقه الامر غير و اقعي.

و بالنسبه للبشر فان الظلام لهو الفوضي الجوانيه المكبوته في الاعماق،

و التى يستحيل كما يختتم ما رلو تفسيره،

و من الافضل ان لا نتخيله.
غير ان الكتابه الروائيه لم تكن هم كونراد و شاغله الوحيد،

فهو اضافه اليها كان كونراد اديبا مبدعا في كتابه القصه القصيره و كاتبا بارعا في فن تاليف الحكايه القصيره ايضا اكثر من ان يكون روائيا.

فانه فوق كل شيء لم يستطع ان يتعاطي مع توتر الروايه باكملها،

و ذلك باستثناء روايه “نوسترومو” 1904م).

اما روايه “قلب الظلام” 1899م مهما يكن من شان فبرغم من انها روايه صغيره في حجمها،

حيث يبلغ تعداد كلماتها 38000 كلمه لا يبدو فيها تخفيف التوتر.

فالمؤامره مرتبطه مع بعضها بعضا بدهشه ايه دهشه و الحركه مزاج مشدود بين التاجيل من ناحيه و التردد من ناحيه اخرى،

و تجنبت الروايه ما يمكن ان نسميه اخفاق كونراد العظيم،

اى عدم مقدرته في اختلاق شخصيات نسائيه مقنعه و ذلك بالاحتفاظ بالمراتين الوحيدتين في القصه في الصفوف الخلفية.
و في روايه “قلب الظلام” استخدم كونراد و صديقه الحميم ما دوكس فورد،

الذى تعاون معه في اعمال اخري في الحين الذى فيه كتبت روايه “قلب الظلام”،

“نظريه الخيال” Theory of fiction).

اذ يصف فورد،

صاحب كتاب “جوزيف كونراد: ذكري شخصية”،

هذه النظريه بانها في حال كتابه الروايه فقد اتفقا على ان ايه كلمه تكتب على الورقه ايه كلمه تكتب على الورقه ينبغى ان تحمل القصه الى الامام،

و كلما تقدمت القصه يجب ان تحمل القصه الى الامام بسرعه اكثر فاكثر،

و بكثافه اكثر فاكثر.

و تسمي هذه النظريه بالفرنسيه Progression d΄effet)،

حيث لا توجد لهاتين المفردتين ما يضاهيهما في اللغه الانكليزية.

و هذا بالتاكيد صحيح في حال “قلب الظلام”،

و التى برغم من تقلبات الزمان تسير الروايه الى الامام باثر تراكمي،

و لحظه تتسارع كلما اقتربنا نحو القلب.

فقد شرع كونراد في تعلم الانكليزيه حين بلغ من العمر عشرين عاما.

و برغم من اجادته البارعه لها كان و الحديث هنا لفورد يزدريها كلغه لكتابه النثر،

معترفا بانه من المستحيل كتابه تعبير مباشر بالانكليزيه و ذلك لان كل المفردات الانكليزيه عباره عن الات للعواطف الباهته المثيرة.

فالمفرده الفرنسيه تحمل معنى واحدا،

اما الانكليزيه فتحمل اكثر من معنى.

لذلك قال كونراد: “انه كان يفضل ان يكون كاتبا روائيا فرنسيا،” و لكن جاءت الفرصه متاخره جدا بحيث لم يكد يستطيع ان يغير حاله.

و في الحكايه يسرد ما رلو القصه بالتسلسل المباشر غير المباشر،

و الذى فيه يبدو ما رلو كانه يسرد الاحداث بتسلسل تاريخي،

لكنه في حقيقه الامر لا يفعل ذلك.

فالقصه لا تسير حسب تسلسل الاحداث،

بل حسب تسلسل افكار ما رلو.(3)
فروايه “قلب” الظلام”،

التى كتبت في العام الاخير للقرن التاسع عشر من الميلاد،

تعتبر اول روايه في القرن العشرين،

و ذلك بمناخها المشبع بالشك و عدم الوضوح،

و ضياع الثقه الاخلاقيه و حوجتها في الاعتقاد و سط البريه الاخلاقيه و اكتشافها الى الدووعي،

و توكيدها للحريه الفردية.

و لعل الجشع الاستعمارى و الاضطهاد الامبريالى في القصه و الفجوه الفسيحه بين رغبات الانسان الخيره و المثل العليا من جانب،

و ما يقوم به فعلا من جانب اخر يشى بمقاربه مرعبه و هذا ما اسماه ما رلو “احتلال الارض”،

و الذى ما يزال مستمرا الى يومنا هذا،

و انه ليس بالشيء الحميد ابدا حين نمعن او نديم النظر فيه.

و احتلال الارض هنا يعنى دوما اخذها عنوه و اقتدارا من الذين يحملون ملامح مختلفه او انوف مسطحه الى حد ما ،



او سحنات لا تشبه تلك التى عند الغاصبين.

فما الذى يمكن ان ينقذ هذا الاستغلال

انه لهو الفكره الفكره في خلفيتها النبيله و ليس الادعاء الاستعطافي،

و لكن الفكره الخيره و الاعتقاد غير الانانى في الفكره ثم انه لهو الشيء الذى يمكنك ان تؤسسه،

و تسجد امامه،

و تقدم له قربانا.

فالامبراطوريتان البلجيكيه و البريطانيه قد اندثرتا،

و لكن اخريات قد حلت محلهما.

فقد حل محل العاج الابيض،

الذى كان يستخرج من اشجار بعينها في الكونغو،

النفط الاسود كماده رئيسه للنهب،

و هناك اخريات بالطبع.

فالتقدم او بالاحري لنقل مزاعم التقدم هو احد منها.

هذه الفكره المقدسه التى تفضى الى القول بان كل ما نفعله عرضه للتحسين،

و ان للبشر حركه الى الامام مستمره و لا يزال الانسان يسيطر على المجتمع،

و بما انه بدا يفقد هذه السيطره قليلا قليلا،

و ذلك حين اخذ الوعى ينتابنا عن كوارث ما نسميه التقدم و امسينا اكثر تواضعا في و جهها،

لم نغلق الابواب على مصاريعها بعد في وجه ما اسماه ما رلو بمراره “مزبله التقدم”.

فهناك كثر من اناس خيرين مثل كورتز يودون تطبيق الفكره و لكن ان الفجوه بين افكارهم من ناحيه و ما يفعلونه من ناحيه اخري لمتسعة.

و ان الظلام،

كما راه ما رلو في نهايه المطاف،

لمحيط بنا تماما،

و كذلك انه لفى دواخلنا.

ثم ان المشكل لهو من ذا الذى يحمل معايير و سائل ضبط النفس الضروريه لحله.

لقد بدا ما رلو بدايه اخلاقيه و بمقاصد نبيله و لكنه في نهايه الامر لم يستطع ان يحافظ على مثالياته،

و ذلك حينما امتلك سلطه مطلقة.(4 الم نقل لكم ان السلطه لتفسد،

و ان السلطه المطلقه لتفسد فسادا مطلقا Power corrupts, and absolute power corrupts absolutely

و ما رلو هنا انسان يحمل تناقضات البشر،

عيوبهم و احزانهم،

خوفهم و بطشهم،

نهمهم و تحفظهم،

بل و اكثر من هذا يحمل الى حد الافراط كل تلك القدره على ان يكون وحشا و حنونا في الوقت نفسه.
و من هنا نستطيع ان نقول ان جوزيف كونراد 1857-1924م المذكور هنا،

ليس بالبطل الثورى الاسطوري،

بل اديبا روائيا.

و هو ذلكم الطفل البولندى الذى تربي على الطبيعه البولنديه البارده و صعقه المجتمع الغربى منذ بدايه حياته الشبابيه و عاش كل نجاحاته،

انطلاقا من خيبته و اخفاقه المؤكدين في مقتبل عمره،

حتي كادا ان يؤديان الى هلاكه.

و لكن من جحيم هذا الفشل في بادئ الامر انطلق منتصرا ليمسى امثوله روائيه بين ليله و ضحاها.

و لم يكن ذلك كله بالصدفه بالطبع،

فلا ريب في ان البارعين العظام لا بد ان يكونوا قد مروا بتجارب مريره محبطه كادت ان تدمرهم نهائيا.

و من الذين دفعهم الياس الى سوداويه حياتيه قادتهم الى محاولات الانتحار هو ذلك الموسيقى الالمانى الذائع الصيت روبرت شومان 1810-1856م و الاديب الفرنسى الالمعى فرانسوا رينيه اوغست دى شاتوبريان 1768-1848م).

و المهم هنا ان كونراد قدم لنا اعمالا روائيه باشكال اخاذه يبلغ تعدادها 20 رواية.

اذ صار جزء منها اوبرا،

و عكفت شركات السينما الكبيره على تلفزه و افلمه بعضا منها،

حيث حققها مخرجون كثيرون معظمهم من اصحاب الاسماء الكبيره في السينما الامريكية).

فبالاضافه الى الاعمال التى ذكرناها سلفا و التى سنذكرها لاحقا،

و التى سوف لا نذكرها هنا كتب كونراد “حقير الجزر” 1896م)،

و ”العميل السري” 1907م و روايات اخريات.

فلا شك في ان المواضيع الرئيسه في اعمال كونراد الذى اهتم،

اكثر ما اهتم اي روائى اخر،

بالكتابه عن المغامرات تتركز حول الرحلات و النزاع،

و بخاصه في “نوسترومو”،

و ”اللورد جيم”،

و ”قلب الظلام”،

و ”زنجى نارسيسوس”.

و اكثر اعماله المقروءه قد كتبت في الفتره الوسطى،

و التى تمتد بالتقريب في الفتره ما بين 1899-1911م).

ففى هذه الفتره كتب كونراد “الشباب”،

و ”قلب الظلام”،

و ”اللورد جيم”،

و ”الفرصة”،

و التى فيها يمثل تشارلى ما رلو الشخصيه المحورية.

و في كثر من اعماله حاول كونراد ان يتحري العلاقه بين الولاء للقيم الاجتماعيه من ناحيه و بين الولاء للفرد من ناحيه اخرى،

لكنه لم يكد يستطيع ان يصل الى نتيجه مؤكدة.

ففى ببعض اعماله مثل “اللورد جيم”،

و ”نوسترومو”،

و ”تحت العيون الغربية” 1911م و قف الى جانب الولاء الى الفرد.

و الفرديه كما انضجها الفكر الانسانى الحديث،

و التجارب العمليه في كنف الدوله الديمقراطيه الحديثه نقيض الانانيه و الانغلاق على الذات؛

فالفرد الانسانى الذى تنسب الفرديه له،

تواصلى و تبادلي،

او حامل لامكانيه التواصل و التبادل في مختلف مجالات الحياه و يمتاز بالمعرفه و العمل و الحب،

و هى حدود وجوده الانساني.
اما في روايه “نهايه الامل” 1902م)،

التى اعتبرها بعض النقاد اقل اعماله بريقا،

فقد حاول كونراد ان يغوص في الازمات الاخلاقيه و النفسيه و يتحري عده قضايا هامه بطرق فريده و يوضح ان البشر ليس لهم سلطه على مصائرهم،

و هم في نهايه الامر تحت رحمه تقلبات القضاء و القدر في حيواتهم الدنيا.

اما روايته “زنجى نارسيسوس” و الزنجى هنا بمعناه العنصرى الاحتقارى فهى من افضل اعمال كونراد في فتره حياته الاولى.

فلولا عنوانها الطارد،

ربما كانت قد قراها كثر من الناس و باستمرار اكثر مما يقدم عليها القراء الان.

و ربما كان هذا العنوان المقيت ايضا هو الذى دفع الناشر في الطبعه الامريكيه الاولي ان يعيد نشرها باسم “اطفال البحر”.

و في وقت ما كانت هذه الروايه هى اكثر مؤلفات كونراد قراءه و ذلك نسبه لانها موجزه من ناحيه و لان بها عينات من المغامرات البحريه من ناحيه اخرى،

و لان بها ميزات ادبيه من ناحيه ثالثه حيث كانت تسترعى انتباه كثر من الناس.

ففى هذه الروايه يعالج كونراد قضايا هامه و بخاصه مفاهيم العزله الانسانيه و التضامن الانساني،

فضلا عن مسائل العرق.

فبما ان الرابطه الجماعيه هامه و سط الناس في سبيل البقاء،

فقد استعان بها قباطنه السفينه “نارسيسوس” من اجل البقاء،

الا ان الربان جيميس و يت المتحدر من اصول افريقيه قد ادخل الربابنه الاخرين في ازمه اجتماعيه انسانيه اخلاقية.

فمن جانب كان ينبغى على طاقم السفينه تضمين جيميس في مجتمع السفينه و من جانب اخر بقى جيميس خارج اطار هذا المجتمع الكبير نسبه لارثه الافريقي.

اذ كان عليهم حمايته كاى فرد اخر من افراد الطاقم حتى لو ادي الامر الى عرض حيواتهم كلهم اجمعين ابتعين للخطر و الهلاك،

لكنهم في الان نفسه كانوا يبدون نوعا من الاشمئزاز منه،

لانه كان يمثل الموت بالنسبه لهم،

هذا من جانب.

و من جانب اخر،

بسبب التفرقه العنصريه ضده.

و المهم هنا ان كونراد يدلنا الى مقدره لا شك فيها على الغوص في دقائق اهتزازات النفس و ارتجاجاتها،

و تذبذب الفكر بين شتي الاحتمالات و البدائل،

مع ارتباط متواصل على طول الروايات بالاوضاع السياسيه و الاجتماعيه معا.

و تمثل هذه الاعمال في احسن اعتباراتها فتنه التناسل و اللعب على الكلام،

النبش في المناطق الخبيئه للعواطف الانسانيه و الاهواء الذاتيه و التلذذ بالتناقضات الاجتماعيه و الموروثات الثقافية.
اما روايه “قلب الظلام”،

فلعمرى لم نر تاليفا استكثر فيه الكاتب و تزيد في العنصريه على هذا النحو و بهذا الشكل او النمط.

فلا تكاد العنصريه السمجه تسيل في لعابه،

و تجرى في دمه،

و تخرج منه زفيرا،

و تتصبب منه عرقا حتى ظننا ان قلبه لسوف ينفطر كراهيه للانسان الافريقى الاسود.

الم تر كيف اشار الى الشجار الذى نشب بين مواطنين في السوق الشعبى في الكونغو،

حيث ادي هذا النزاع الى مقتل احدهما،

و كان النزاع المستميت هذا حسب روايه الكاتب حول “دجاجه سوداء”

فان في الاشاره الى الدجاجه و هى حيوان انثى،

لفيها احتقار الى كل شيء انثي.

اما الازدراء و الاحتقار الحقيقين فيكمنان في سواد لون الدجاجه و كان كل شيء اسود انسان افريقى كان ام اي حيوان او “الظلام” ليس بذى قيمه و لا يستحق هذا الاقتتال و الموت في سبيله،

حتي لو كان حقا مسلوبا،

او عرضا منتهكا،

او معتقدا مدنسا.

و لعل استحضار هذا النوع الفاقع من العنصريه في العمل الادبى هو الذى قادنا الى نعته ب”توحش عنصرية” الرجل الابيض في رواية.

و قد شاع هذا النمط من العنصريه القميئه في عقابيل حذر و تجريم تجاره الرق عند الغرب في القرن التاسع عشر من الميلاد،

و استعاض العنصريون البيض الجدد عن العنصريه الماديه باخري ادبيه تمارس في الروايات و القصص و الصحافه و دور السينما،

و باسلوب سمج و قح لا يفوت على اولى الالباب.

و قد و جد اولئك و هؤلاء ديدنهم في الاسترخاص الاثنى في قوانين حريه التعبير و النشر.
وان الطابع الشائع لدى روائيى العهد الاستعمارى لهو التمحور حول العرق و التباهى بالعنصريه الفضحاء.

و لعل الروائى رايدر هقارد كان واحدا من الذين ابدي سلوكا عنصريا متوحشا ضد الانسان غير الابيض،

و قد استبصرنا هذا الاطار العرقى الذى ظل اولئك و هؤلاء يتحركون فيه حديثا.

الم ترك كيف كتب هقارد في روايته “قصه الاسود الثلاثة” العام 1893م حين قال: “ان الثور لهو الحيوان الاكثر تحملا في العالم،

باستثناء الزنجي!” تري كيف ضاهي الانسان الاسود بالحيوان

و كيف اعتبر انه من الامر الطبعى ان يقوم بالاعمال الشاقه و انه اكثر تحملا في ارتياد المشاق و القيام بالشاق من الاعباء.

علينا هنا ان نتوقف مستهجنين و متنبهين الى البعد الاجتماعى و الاطار السياسى اللذان تمكنا هقارد من تمرير هذا العمل و اذاعته في الناس: رواسب العنصريه العالقه بالادب و النشر بعد حظر الرق قانونيا كما ابنا انفا.

و مع ذلك،

استمتعنا بمطالعه بعضا من تاليفاته في ايام الصبا و عند مقتبل الشباب فعلي سبيل المثال: “مناجم الملك سليمان”،

و ”الن كواترمين”،

و ”هي”،

سواء اكان ذلك كمقرر اكاديمى او في الاطلاع الذاتي.

علي ايه حال،

فازاء هذا الفهم للرابط العضوى بين العنصريه و الامبرياليه اعتقد بعض من الناس ان العنصريه سبب ازدهار الاستعمار،

و لئن ذهب البعض الاخر اعتقادا بان العنصريه اثر من اثار الاستعمار،

و وسيله من و سائل ابتكار السلطه و الاحتفاظ بها،

و غايه طبيعيه للامبراطوريه البريطانيه و كانت عاملا رائسا لاستقرارها النسبي.

و الشيء نفسه ينطبق على الاستعمار الفرنسى و البلجيكى و الالمانى في عمر الاخير القصير في افريقيا و حكايات الرعب و الفزع و الموت و الدمار التى خلفها.
فقد حاولنا جاهدين غير مجاهدين الغوص في سيكلوجيه العنصريين القدامي و الجدد معا لنبحث عن سر كل هذه الكراهيه للاخر المختلف،

فوجدنا ان العنصريين يكرهون انفسهم قبل الاخر،

و تبدو هذه الكراهيه بشكلها المقيت المستميت حين تقع اعينهم على الذين يشاركونهم الشبه و الملامح على الاقل او في الحامض النووى في اغلب الاحايين لا في التفكير و التامل في الاشياء.

فبدلا من التخلص من انفسهم عن طريق الانتحار،

او ايه و سيله اخري من و سائل هلك النفس الاماره بالسوء،

يتجابنون و يقدمون على اباده الاخر،

و التلذذ بهذه الاباده و يسدرون في البغى و العدوان،

و يرتكبون الجرائم العظام ضد الانسانيه ثم لتجدنهم يعجنون شيئا من حقدهم على الاغيار.

فلنري على سبيل المثال قاده النازيه و بغضهم للاخر،

و بخاصه اليهود و السود و المعاقين و اخوه يهواه و غيرهم.

اذ قسم النازيون في المانيا الانسانيه الى مجموعتين: الاريون عرق اهل الشمال)،

و الذين اعتبروهم سيد الاعراق البشريه و الاخر الذى اعتبروه من جنس العبيد،

و كانت نظريه العرق هى اساس هذا التصنيف،

و زعموا ان الالمان هم الاريين،

و خلقوا لكى يحكموا العالم،

و يتسيدوا على الاخرين.

و يتميز العنصر الارى المثالى بطول القامه و اشقرار الشعر،

و الوسامه في الطلعة.

و لعل اغرب ما في هذه المساله ان قله قليله من قاده النازيين انفسهم حملوا هذه الصفات المثاليه حسب اعتقادهم و ظنهم.

فالدكتور جون قوبيلز،

و زير الدعايه النازيه قزما كان،

ثم كان لونه داكنا و اعرجا.

و كان هيرمان قورينغ اشقر الشعر،

و مع ذلك كان بدينا شحيما و قد امتلا لحما و شحما،

اما رودلف هيس الرجل الثانى في القياده بعد ادولف هتلر فقد كان لونه داكنا،

و كان ملقبا ب”المصري”،

و كانت ملامح جوليوس سترايتشر مبيد اليهود يهوديه ثم كان شعر ادولف هتلر اسودا.(5 و برغم من ذلك كله،

لم تكن تقلق هذه التناقضات القاده النازيين ابدا.
على ايه حال،

بقى لنا ان نقول من نافله القول ان جوزيف كونراد في رواياته ظل يغوص في حكايات المجتمع،

بواقعيتها و غرائبيتها،

و تعمق في وصف المشاعر البشريه و الجشع البشرى الذى يسبر اغوار طريقه عمل الدوافع الانسانية: هى باختصار شديد رحله في النفس البشريه ضمن اطار بيئه هذه النفس.

فلم يبتعد كونراد في جوهر مواضيعه عن الانسان و همومه،

و لكن بالطبع بطريقته “الكونرادية” و اسلوبه “الكونرادي”.

هكذا نجد ان كونراد كان قد خاطب مجموعه من القضايا التى كان يعانى منها العالم المرجعى الذى تحيل اليه رواياته،

و تمتح منه حكاياتها؛

الا و هو المجتمع الانساني.

اذا،

فان روايه “قلب الظلام” بشخصياتها واحداثها،

التى تبدو احيانا متشابكه و في احايين اخري متداخله لهى رحله في ثنايا الحياه وايضا في فكر كونراد ذاته.

هذه هى السمات التى اصطبغت رواياته،

و التى صنعت له شهره عالميه ظل ينعم بها حتى رحيله عن الدنيا العام 1924م.

المصادر و الاحالات

(1 Peters, J G, The Cambridge Introduction to Joseph Conrad; Cambridge University Press: Cambridge, 2006.
2 انظر الدكتور عمر مصطفي شركيان،

النوبه في السودان..

نضال شعب في سبيل العداله و المشاركه في السلطه دار الحكمه لندن،

2006م.

كذلك انظر
March, Z and Kingsnorth, G W, An Introduction to the History of East Africa; Cambridge University Press: Cambridge, 1965; Moorehead, A, The White Nile; Penguin Books Ltd: Harmondsworth, 1960; and Hazell, A, The Last Slave Market: Dr John Kirk and the Struggle to End the African Slave Trade; Constable and Robinson Ltd: London, 2019.
3 في روايته “انا احيا” 1957م سلكت ليلى البعلبكى شكل البناء الروائى المجسد للعلائق و الخطابات و القيم للتعبير عن الفرديه و فروقها.

اما في روايه الكاتبه السوريه سلوي النعيمى “شبه الجزيره العربية” 2019م فيمكن تصنيف نصها ضمن التخييل الذاتى المتحرر من الحبكه و المعتمد على بنيه مفتوحه و الذى يسمح بالانطلاق من الذات و تجاربها،

سواء اكانت معيشه ام متخيله و هو ما يتيح للكاتبه ان تبتدع حكاياتها من دون تقيد بواقع او معيش.

غير ان الروائى العراقى محمود سعيد قد اعتمد في روايته “نطه الضفدع” 2019م طريقه السرد التتابعى ذى الملامح الزمنيه “الكرونولوجية”.

و في روايه “مزرعه الجنرالات” 2019م للروائى المصرى عبدالنبى فرج لم نكن امام روايه تتبع في بنيتها الزمن الخطى المتتابع،

او تتكئ على حدث مركزى تتفرع عنه خطوط اخرى،

و لكننا امام جمله من المقاطع السرديه التى تحاول ان تصنع تاريخا موازيا للقهر،

و السلطه عبر تعريتها و كشفها.

و في روايته “وشم وحيد” 2019م للروائى المصرى سعد القرش تنهض بنيه السرد على توظيف المرويات التراثيه و تضفيرها في المسار السردى للروايه و تعتمد البنيه السرديه ايضا على اليه التوالد الحكائي،

حيث تتناسل الحكايات بعضها من بعض،

و تتفرع موصوله كلها بافق تخييلي

  • ملخص رواية قلب الظلام
  • تلخص رواية قلب الظلام لجوزيف
  • ملخص رواية قلب الظلام لجوزيف كونراد
  • رواية قلب الظلام العنصريه
  • رواية قلب الظلام
  • ملخص قلب الظلام جوزيف كونراد
  • تلخيص قلب الظلام
  • تلخيص روايه قلب السفاح
  • تلخيص رواية قلب الظلام
  • تلخيص رواية القلب الظلام
1٬580 views

ملخص رواية قلب الظلام لجوزيف كونراد