يوم الأربعاء 12:55 مساءً 21 أغسطس 2019

ملخص رواية قلب الظلام لجوزيف كونراد

صور ملخص رواية قلب الظلام لجوزيف كونراد

يبدا جوزيف كونراد رحله ما رلو و يختتمها في داخل “قلب الظلام” على نهر “التايمز”،

 

و على متن مركب شراعى ذى مجاديف يسمي “نيلي”،

 

و ذلك باستهلال موجز،

 

و الذى عن طريق استخدام رقيق للتصاوير،

 

و توسل بارع للبيئه يقدم لنا ما رلو الشخصيه المحوريه في الرواية)،

 

و يهيؤنا للقضايا الجوهريه في القصة.

 

و في مغامره فريده يبتدئ كونراد الحكايه بشعور قوي مدهش تجاة الهدوء و السكون اللذان يسودان القصة كلها،

 

مع مقاطعات بين الحين و الاخر بواسطه القاص نفسة لوصف ما رلو،

 

او ليدون اقحاما موجزا بواسطه احد سامعيه،

 

و ذلك مع عوده خاطفه الى المركب في نهاية الامر.

 

و على نهر “التايمز” كان النهار في طريقة الى النهاية في سكون هادئ و براعه نادرة،

 

و ارتاح هذا النهر العجوز في سكينه و اطمئنان؛

 

و ما رلو نفسة كان يجلس جيدا دون حركة كما يجلس “الالة بودا”،

 

و بدت كل اشرعه البارجات كانها و اقفه لم تبرح مكانها.

 

اما الرجال الذين هم على متن القارب جالسون،

 

و الذين عليهم ان ينتظروا انقلاب حركة المد و الجزر،

 

فقد استكانوا بارتياح على متن القارب،

 

و من ثم اعدوا المكان لمارلو ليبدا في سرد حكايته.

 

و قبل ان يبدا ما رلو في سرد قصته،

 

حذر القاص سامعية انهم بصدد سماع واحد من تجارب ما رلو غير الحاسمة.

 

و هذه التجربه بالتاكيد واحده من تجاربة الكثيرة غير الحاسمة،

 

و هو اي ما رلو الخبير الدعي،

 

بمحض الصدفة،

 

فى القفر السيكلوجي،

 

و لدية الكثير الذى يود اذاعتة فيهم.

 

فهو القاص ايضا في روايات “اللورد جيم” 1900م)،

 

و ”فرصة” 1913م)،

 

و ”الشباب” 1902م).

 

و على سبيل هذا الاستهلال شرع في سرد الحكايه حينما اسدل الليل استارة السوداء.

 

و هذه هي المقدمه الاولي للظلام.
و لعل كونراد يبدى اهتماما مستعظما لتاثيرات الضوء و مؤثراتة في هذا العمل الذى نحن على و شك الحديث عنه.

 

ففى المنظر الافتتاحى يصف كونراد السماء قائلا: “انها لضخامه معتدله لضوء غير ملوث،

 

و الظلام الوحيد هو ذلك الذى يخيم فوق “قريفسيند” و مدينه لندن،

 

و هناك الكابه الحداديه التي تستولد السكون؛

 

و الارض العاديه في لندن تفترض طبيعه متشائمه غير و اقعيه حين تغرب الشمس،

 

و ذلك بعد ان تغيرت من بيضاء متوهجه الى حميراء رتيبه عديمه الاشعه و عديمه الحرارة،

 

كانها على و شك الخروج فجاءة،

 

بعد ان ضربت ضربا مستميتا بواسطه تلامسها مع الكابه المستولده فوق حشد من الناس.” و من غير سابق انذار يعلن ما رلو في هذا الصمت الذى اعد بحذر: “وهذا ايضا احد الامكنه المظلمه في الارض برغم من انه لم يكن هذا المكان يمثل الظلام العميق كما بدا لمارلو لاحقا مركز الارض،

 

و لكن النهاية الاقصي للعالم يمثل نهرا لونة كالرصاص،

 

و سماءا لونة كالدخان..”).
و يستخدم ما رلو هنا نفس اللغة،

 

التي يستخدمها في وصف نهر “التايمز”،

 

فى تصوير النهر الاخر العظيم في القصة و هو نهر الكونغو،

 

و يوحد بينهما باقرارة بان كل الانهار و البحار تجرى في بعضها بعضا.

 

و على هذا السبيل يربط ما رلو كل البشر ببعضهم بعضا.

 

و هكذا يهيؤنا عن الكلاسيكيه المقلقه التي اكتسبها حين كان يشاهد المواطنين “يصرخون” و يرقصون على شواطئ نهر الكونغو،

 

و ايضا من التجارب التي تعلمها من الزعم في ان العلاقه البعيده بين البشر قد اثبتتها “اللحظه السامية”،

 

و التي احس بها حين ما ت قبطانة الزنجي.

 

و كان هذا الشعور يمثل الافتتاحيه التي تذكرنا و الحديث هنا لمارلو “ان “دولتنا المتحضرة”،

 

حيث الطبيعه عبارة عن نمط من انماط الهوله المهزومة،

 

و التي كانت في عصر ما يمثل الظلام و الهوله عينها،

 

و كنا ذات مره بربريين.” و في هذا الاستهلال يحاول ما رلوان يغرس في نفس القارئ نوعا من الاحساس الجوانى للتضامن مع اهالى الكونغو،

 

و في الان نفسة مع المستعمرين “المتحضرين”،

 

الذين لا يستطيعون مساعدتهم،

 

بل الارتباط بهم.

 

و هذا الشعور الذى يبدية ما رلو ما خوذ من و جهه راى الغزاه الرومان،

 

الذين ابدوا اسفهم للمواطنين الشباب الخلصاء و هم يرتدون التوجه ثوب رومانى فضفاض)،

 

و كان الرجال يتبعون ذلك عميا.
و في خضم هذه اللحظه الانعطافيه يحس ما رلو بهذا النزاع السيكلوجى في التعاطفات عند بداية رحلتة الى افريقيا،

 

و بخاصة بعد تجارب العزله و سط البيض في “حى البيض” في بروكسل،

 

و على متن سفينة.

 

و من هناك يشاهد القوارب على الشواطئ،

 

حيث يجدفها السود الصارخون و هم يتصببون عرقا،

 

و الذين لم يكونوا في حاجة الى عذر في و جودهم هناك،

 

و الذين هم كذلك كانوا بمثابه ارتياح عظيم لمارلو بمجرد مشاهدتهم.

 

و من هنا لا نجد الغرابه في الارتياح او الاندهاش في مشاهدة صائدين يجدفون قواربهم،

 

او مواطنين محليين يستخدمون سبل تنقلهم المائى ليعبروا بها النهر من شاطئ الى اخر،

 

او يجدفون بمشقه و في اشد ما تكون المشقه عكس التيار من قريه الى اخرى،

 

او يبحرون في اتجاة التيار بسهولة ايه سهوله من مدينه الى اخرى،

 

الا اولئك الذين ينظرون الى الانسان الافريقى كحيوان مستوحش ينبغى السفر الى افريقيا لمشاهدتة و تصويرة مثلما يفعلون مع الحيوانات الاخرى في الحدائق المحظوره المسورة.
و الحال هذه،

 

فان اول التقاء بين ما رلو و السكان المحليين كان في محطه الشركة،

 

و كان انطباعة الابتدائى هو ارتعابة عن تعاستهم و بؤسهم.

 

و قد استعظمت هذه المشاهد القوية في تاثيرها بواسطه خلفيه عدوانيه سيئة،

 

و نشاط سخيف يمارسة المستعمرون مثل تفجير الجرف من غير ذى جدوى والذى يذكرنا بجنون رجال الحرب الفرنسيين و القصف العبثى للاعداء المحليين الوهميين على طول الساحل الافريقي مخلفين و راءهم حفره و اسعه و الات صدئة،

 

و ذلك في امر لا طائل تحته.

 

و مع ذلك،

 

قيدوا ما اسموهم ب”المجرمين” بالسلاسل حول اعناقهم،

 

حتى بدت ضلوعهم و مفاصلهم “كالعقد في حبل المسد”،

 

و استحالت الظلال السوداء للمرض و الجوع الى كابه للشجر مخضره كنار تلظى.

 

بيد ان الموت يقف في وضع مضاد “للاستزعام”،

 

او الاسود المنبت المنفصل عن اصله،

 

و هو القروى المسؤول عن “المجرمين”،

 

و هو نتاج القوي الجديدة العاملة،

 

و الذى بوجهة السافل يعتورة النسيان لماسى الاخرين الذين تحت سطوتة و جبروته،

 

و نجدة فخورا كان بثقتة المستعظمه المفرطة.

 

و نمط اخر مساو لذلك القروى “المستزعم” هو صبى مدير المحطة،

 

الذى اكل و شبع ثم شبع،

 

و الذى سمح له المدير ان يعامل البيض جهارا من غير مواربه بوقاحه سمجه مستجلبة،

 

و هو الذى اذاع فينا بلهجه ازدراء جارحه بان “مستة مستر كورتز قد قضي نحبه.” و على هذا النحو،

 

و وسط خضم الاحداث و المشكلات و التعقيدات،

 

نجد ان السود عكس البيض: فهناك المحاسب الشاذ كل الشذوذ بلياقتة المبيضه بالنشا،

 

و اكمام قميصة البيضاء،

 

و شعرة المعتني به؛

 

و هناك كذلك طلائع التقدم الاخرين الذين يفتقرون السلاسل الفقارية.

 

و هؤلاء البيض يمرضون باستمرار،

 

و نسبة لجشعهم للعاج و حبهم للترقية،

 

لتجدنهم ينخرطون في مؤامرات مستديمه ضد بعضهم بعضا،

 

ثم انهم لمسؤولون عن تفجير الجرف من غير ذى جدوى،

 

و ذلك في محاكاه للعمل تهكمية.

 

انهم لمملوكون كما يبدو لمارلو و هو يقف على جانب الجبل المطل على “الدمار المستوطن” بواسطه شيطان ذى عين مترهلة،

 

مدعية،

 

ضعيفة،

 

و التي هي ميزه الحماقه الجشعه عديمه الشفقة.
ففى هذه الروايه يستغل كونراد مشاهد السود و البيض،

 

و الضوء و الظلام بعده طرق.

 

فالظلام هو الليل،

 

المجهول،

 

الكتيم،

 

البدائي،

 

و الشر.

 

و مع ذلك،

 

حين وصل الى افريقيا قلبت الوان البشره العلاقات المقبوله في التضاد.

 

فالرجل الابيض فوق كل شيء يسعي سعيا حثيثا و راء العاج،

 

و اشباع رغباتة في حياة الرفاهيه الخلابة،

 

لانة يزعم تمثيل “الرجل الحضاري”،

 

و الذى يعتبر جذور كل الشرور في الظلام،

 

و التي تقلق مضاجع البيض،

 

حتى اخذ هؤلاء مثل كورتز يمثلوها،

 

و نحن هنا نسترعي الذاكره الى “حى البيض” بمدينه بروكسل،

 

كما بدا جليا لماذا طفق ما رلو عنصريا ضد المدينة،

 

و لا يستطيع التناسي،

 

بل التفكير فيها على هذا النحو و بهذا الاسلوب.
يبدا ما رلو روايتة عن كيفية و صولة الى افريقيا،

 

و التي هي نفس الكيفية التي بها ذهب كونراد بنفسة الى الكونغو العام 1890م،

 

و الاحداث هنا تماثل تماما و اقعيه كونراد.

 

و مثل ما رلو كان كونراد قد عاد الى لندن بعد ست سنوات من الابحار في الشرق الاقصى: اولا كرفيق اول في سفينة،

 

ثم كقبطان.

 

و بعد فتره من التسكع و ضياع الوقت في التبطل،

 

طفق يبحث عن عمل في سفينه اخرى،

 

و كان هذا يعد عملا شاقا كل المشقه في الارض.

 

ثم ان هذا ليلخص شعور كونراد الشخصى في التجربه المريره الصعوبه في ايجاد الوظائف التي تخصص فيها).

 

وان هذا الاحباط لهو الذى يصيب المرء دوما حين يعجز عن العثور على عمل حسب التخصص الذى فيه تدرب.

 

ثم ان هذين القنوط و الياس هما اللذان دفعا كونراد ان يهجر مهنتة في الابحار في ذلك الردح من الزمان،

 

و يروح متخبطا،

 

على غير هدى،

 

فى احياء المدينه و قد غشاة السام و الملل.

 

هكذا لم تعرف حياة كونراد هذه اي استقرار مهنى اونفسي،

 

او في اي مكان،

 

فهو كان قد عاشها دائم التنقل،

 

و غالبا هربا من وضع ما ،

 

 

او بحثا عن شيء ما .

 

 

و مع هذا،

 

اخذت حلقات حياتة تتالف كلها من فصول الموت و المرض و الافلاس و الصراعات النفسيه و الترحال و محاوله الانتحار.

 

و في خلال فتره تسكعة هذه مهما يكن من شيء شرع كونراد يكتب روايتة الاولي “حماقه الماير” 1895م)،

 

و من ثم و هو في الحادى و الثلاثين من عمرة بدا ما اسماة فريدريك كارل “حياتة الثالثة”،

 

اى حياة الكاتب كونراد.(1 فما هي قصة حياتة الاولي و الثانية

 

هذه حكايه اخرى،

 

و لسوف نبينها بعد حين.
مهما يكن من امر،

 

فلجوزيف كونراد حياتين: اذ بدات هاتان الحياتين لجوزيف كورزينيوفسكى كبولندى و بحار،

 

حيث غير اسمه الى جوزيف كونراد،

 

لانة لم يكن يطيق النطق الخطا بواسطه الانكليز.

 

فقد ولد جوزيف كونراد العام 1857م في بيرديكزوف في اوكرانيا حاليا.

 

و قد ادرك و هو يافعا الروح العميقه للقوميه المكبوته في بولندا،

 

التي كانت تسيطر عليها روسيا،

 

و الى حد ما ،

 

 

الامبراطوريه النمسويه و بروسيا لاكثر من 60 عاما،

 

حتى لم يبق لها وجود كامه في حقيقة الامر،

 

الا في قلوب و ادمغه الناس.

 

فقد تحدر كونراد من اسرة ارستقراطية،

 

و كان و الدة ابولو كورزينيوفسكى متمردا “متجيشا” ضد الحكم الروسي،

 

و كان مثاليا رومانسيا كذلك،

 

و مترجما ثم انه كان كاتبا مسرحيا و شاعرا.

 

و بعد ميلاد جوزيف قصد و الدة قصيده “مهداه الى ابنة الذى ولد في العام الخامس و الثمانين للاضطهاد الموسكوي”.

 

و في العام 1861م انتقل ابولو و اسرتة الى و ارسو حاضره بولندا و في ذلك الحين من الزمان قفزت حركة المقاومه الوطنية الى قمتها في المصير المستميت للعصيان المسلح العام 1863م.

 

و قبل ذلك الردح من الزمان،

 

مهما يكن من شيء،

 

اعتقل ابولو بسبب نشاطاتة التامرية،

 

و مع زوجة المريضه ايفيلينا بوبروفسكى و ابنهما البالغ من العمر و قتذاك اربع سنوات،

 

تم نفيهم الى فولوقدا في شمال شرقى روسيا.

 

و هناك ما تت زوجه،

 

و عاني هو نفسة من اكتئاب مستديم،

 

مما تسبب في و فاتة باكرا،

 

و ترك الطفل جوزيف البالغ من العمر حينذاك احدي عشره عاما ليترعرع في كنف،

 

او تحت رعاية،

 

عمة المحافظ الثري،

 

تاديوس بوبروفسكي.

 

و حين بلغ من العمر 16 عاما ذهب الى فرنسا ليبدا حياتة كربان سفينة،

 

لكنة تعرض لاحباطات مستمرة،

 

و وقع في ديون باهظة،

 

حتى تراكمت كل هذه الاشياء و دفعتة الى ان يطلق النار على نفسة في مدينه ما رسية بعد اربع سنوات: اما الرصاصه و يا للعجب فقد اخترقت صدرة لتخرج من ظهرة مخطاه قلبه،

 

و من غير ان تحدث ايه خسائر خطيرة.

 

و بعد شفائه،

 

قرر كونراد ان يبدا بداية جديدة بانتقالة الى انكلترا ليجرب حظة في السفن البريطانية،

 

و اخيرا و بعد جهد جهيد اصبح اول بولندى يمسى قبطانا في الخدمه التجاريه البريطانية.

 

ثم كان ذلك في السفن البريطانية،

 

حيث تعلم كونراد اللغه الانكليزيه و اتقنها،

 

حتى امسي فيها سيدا لا يشق له غبار،

 

و بات يكتب بها باسلوبة التطريزى المزركش و تعابيرة الرائقه الرقراقة.
و هو ما يزال طفلا يافعا كان كونراد يشارك و الدة في مزاجة الرومانسي،

 

و كان يحلم بالرحلات و المغامرات.

 

و في كتابة “السيره الذاتية”،

 

الذى اخرجة للناس بعد عده سنوات لاحقة،

 

استذكر الاعجاب الذى كان يحملة و هو ما يزال طفلا غريرا ارعنا عن “قلب افريقيا الابيض”.

 

و بهذه العنصريه المقلوبه راسا على عقب،

 

تحدث كونراد عن تنبؤ طفولى غريب.

 

و كان ذلك العام 1868م حين كان يربو على تسع سنوات من العمر،

 

و كان ينظر الى خارطه افريقيا،

 

و يضع اصبعة على مكان فارغ اي منطقة شلالات ستانلي،

 

و كان يمثل لغز هذه القاره و من ثم قال لنفسة في نفسه،

 

و بتاكيد مطلق و تهور مدهش: “عندما اكبر لسوف اذهب الى هناك.” و اذ قرر منذ موئل طفولتة ان يصبح بحارا و مغامرا،

 

و من ثم تحقق له ما اراد،

 

و اضاف الى ذلك ان اصبح ايضا كاتبا كما سنري لاحقا.

 

هكذا اعطي كونراد هذا الحلم الطفولى عن الكونغو الى ما رلو،

 

و شرع يبحث عن قياده سفينه جديدة،

 

و كذلك سمع عن شركة تجاريه تتاجر على نهر الكونغو،

 

و قرر ان يسافر الى هناك.

 

هذه هي نفس الفكرة التي امست تختلج في مخيله كونراد.

 

فبعد عودتة من الشرق الى لندن كان هنرى مورتون ستانلى مشغولا مشغوفا كل الشغل و كل الشغف بعملية اغاثه امين باشا حاكم مديريه الاستوائيه في عهد الحكم التركي-المصري في السودان 1821-1885م)،

 

و الذى بات معزولا في احراش الجنوب السوداني عقب انفجار الثوره المهديه 1881-1898م)،

 

و اخذ يجد اعلاما مستعظما،

 

و صيتا ذائعا في بريطانيا.

 

فقد عثر ستانلى الكاتب و الرحالة على المبشر المسيحى المفقود الدكتور ديفيد ليفينغستون في ادغال افريقيا العام 1871م.

 

ففى السبعينيات من القرن التاسع عشر الميلادي توغل ستانلى في غابات افريقيا،

 

و تتبع لاول مره مجري نهر الكونغو،

 

حتى وصل الى قلب هذه القاره السوداء.

 

و كان استظهارة الامكانيات التجاريه في المنطقة قد ادي الى تاسيس مشروع تجارى ضخم،

 

و قاد في نهاية الامر الى تكوين “دوله الكونغو الحرة” و في ذكر عبارة الحره تنزف قلوبنا دما.

 

و حين نطق اولئك و هؤلاء بعبارة “الكونغو الحرة” كان عليهم ان يتحدثوا عنها باستحياء،

 

لانهم مسوا الناس و المنطقة بغير رفق و لا رافة،

 

و تركوا ما ضيا تعيسا لم يعد من الممكن تغييره.

 

فقد كانت المنطقة كلها تحت اجراءات و تمويل المستثمر الملك ليوبولد الثاني ملك بلجيكا.

 

و في بادئ الامر لم يبد الراسماليون البريطانيون رغبتهم في الاستثمار في هذه المنطقة،

 

مما نتج عن ذلك اسفهم و ندمهم في نهاية الامر.

 

و كان الملك البلجيكى قد خول لنفسة سلطات و صلاحيات السياده على هذه الدوله الجديدة،

 

و التي بقيت مهما يكن من شيء مستقله عن حكومة بلجيكا.

 

فقد قاد ستانلى الرحله الاولي للبلجيكيين الى هذا الاقليم لتاسيس محطات تجاريه و مراكز ادارية،

 

و ”لاثبات ان مواطنى الكونغو يمكن ان “يتاثروا بالحضارة”،

 

وان حوض الكونغو غنى في اكثر ما يكون الغنى بحيث يمكن تسديد من مواردة قيمه الاستغلال”،

 

كما كتب ذلك في سيرتة عن تجاربة “عبر القاره السوداء” العام 1878م،

 

و هو الكتاب الذى فيه ايضا اماط اللثام عن الاسترقاق في هذه القارة،

 

و كيف استحال النخاسون المواطنين الى شظايا مجتمع و فتات بشر.

 

و لكن هل تبلسم الكتابة جراح الماضي

 

كلا

 

و من يقرا التاريخ سيدرك اننا لم نطلق هذا النقد اللاذع و السخريه الزاعقه الحارقه سدى.

 

و كذلك كتب ستانلى عن نضالة في البحث الحثيث عن امين باشا في تاليفة “فى افريقيا الاكثر سوادا”،

 

الذى نشر العام 1890م،

 

و هو العام الذى فيه ذهب كونراد الى الكونغو.

 

ما اذا كان كونراد قد اطلع على هذين الكتابين ام لا،

 

الا انه لا ريب في ان رغبتة في افريقيا قد استعرت بواسطه تجارب ستانلى الدرامية،

 

و اكتشافاتة الشهيرة.(2)
ايا كان الامر،

 

فحينما وصل كونراد الى الكونغو كان الاخير قد اصبح من الممتلكات الخاصة للملك البلجيكى ليوبولد؛

 

اما “العمل الصالح المنجز باسم المسيحيه و التقدم” فقد تم نسيانة او تناسية و سط تزاحم المكتنزين الاوربيين.

 

و قد افرز هذا التصارع المذموم،

 

و ذاك التسابق المحموم حول الثروه و المال في الكونغو ما يمكن نعتة بالجشع و القساوه الاكثر قبحا،

 

و نشاطات النفاق و الرئاء في الاستغلال الاستعمارى في القرن التاسع عشر من الميلاد،

 

و الذى نعتة كونراد في مقال له بعنوان “الجغرافيا و بعض الرحالة” ب”التسابق الاقذر للنهب الذى شوة تاريخ الضمير الانساني،

 

و الاكتشاف الجغرافى الى الابد.” و لعل روايه “قلب الظلام” ليست مجرد روايه عادية،

 

بل سيره ذاتيه تجرى و قائها في منطقة فضاؤها القسوه العابثه و العدم،

 

و الرجاء الذى هو كسراب بقيعة،

 

حيث قضي الكاتب ردحا من الزمان هناك.

 

اذ ينطوى هذا الكتاب على ضني في تجربه الكتابة المتمثله في انعكاس لذلك الضي الذى تميزت به تجربه الحياة في معسكرات اذلال المواطنين الكونغوليين بكل اهوالها التي تخرج عن نطاق الوصف،

 

و بخاصة ان الوصف في هذه الحال ليبدو مؤلما.

 

و من هنا ايضا يرسم الكاتب صورا متنوعه ذات ملامح سياسية و قوميه و اجتماعية،

 

كانت بمنزله القضايا الشائكه في هذا الوطن المترامي الاطراف،

 

و التي دفعت المواطن الى السقوط في بئر عميقه من الاحباط و الياس،

 

حيث يموت البشر كما كانوا يموتون في العصور الوسطى،

 

و سط الرعب و قرقره البؤس.
هذا،

 

فقد كانت رحله كونراد الى الكونغو قصيرة و ما سويه في الان نفسه.

 

اذ تدهورت صحتة ايما التدهور،

 

و شعر في اعظم ما يكون الشعور بالوهم و الفشل.

 

فقد دخل هناك في ازمه شخصيه شديدة،

 

و اصطدم بالاضمحلال الاخلاقى و العاطفي؛

 

و قد اثبت ذلك في خبرتة الجديدة ككاتب.

 

و من خلال خالتة الروائية،

 

و جد كونراد و ظيفه كقبطان في باخره تابعة “للشركة البلجيكيه المجهوله للتجاره في الكونغو الحرة”،

 

و التي كانت ستاخذ الرحله الاكتشافيه بقياده الكسندر ديلكميون و هو كان اخا لمدير الشركة في كنشاسا محطه كونراد الرئيسة الى اقليم كاتنغا.

 

و في بادئ الامر ابتهج كونراد المغامر بهذا المشروع،

 

لانة كما بدا له انه لسوف يكون قد ساهم في الاكتشاف الذى شرع فيه ستانلى في باطن افريقيا.

 

مهما يكن من الامر،

 

فحين وصل كونراد الى كنشاسا نشات هناك عداوه مباشره بينة و بين مدير الشركة،

 

كميل ديلكميون.

 

فقد اخذ كونراد ينعتة باحتقار في القصة و يلومة على الايام المؤجلة،

 

و على اخفاق فريق الانقاذ في الوصول الى كورتز في الوقت المناسب لانتشالة من براثن الموت.

 

و في الحق،

 

يبدوان ديلكميون قد اشتاط غضبا من تاخير كونراد في الوصول الى العاصمه كنشاسا من مدينه ما تادي،

 

حيث ان الطريق الطويله تاخذ دوما اقل من عشرين يوما،

 

بينما استغرق كونراد 35 يوما،

 

و كذلك استاء و غضب كونراد الاستياء كله و الغضب كله من استقبال ديلكميون البارد له.

 

و برغم من ان الباخرة،

 

التي كان يقودها قد اصابها عطب،

 

الا ان كونراد لم يبق في المكان لمدة ثلاثه اشهر مثلما فعل ما رلو،

 

و لكن في الواقع بعد يوم او يومين انطلق الى اعلى النهر مع كميل ديلكميون على متن باخره مختلفة تحمل اسم “ملك بلجيكا”،

 

و كان كونراد،

 

الذى كان زائدا عن العدد المقرر او المطلوب،

 

موجودا على متنها ليراقب و يتعلم الملاحه في النهر من ربان ذى خبرة.
و كان هذا السفر ما هو الا رحله روتينيه بالنسبة الى ديلكميون،

 

حيث انتهت في زمن قياسي،

 

و ليس كما قطعها ما رلو في الرواية.

 

و كان اصطحاب الوكيل “كلين”،

 

و الذى كان سقيما بالدسنتاريا في شلالات ستانلي،

 

و قضي نحبه في مجري اسفل النهر،

 

ما هو الا حدثا عارضا.

 

فلم يكن يحمل “كلين” شبها ل”كورتز” ابدا كما كان يزعم.

 

و ابتنيت شخصيه كورتز،

 

فى حقيقة الامر،

 

على رجل يدعي هوديستر،

 

و هو كان و كيلا ناجحا لشركة و رحالة،

 

ثم انه كان عضوا في “نقابه مجرمى الفضيلة”،

 

الذين كانوا يستهجنون كل الاستهجان الرق و العادات البربرية،

 

علاوه على انه كان منافسا ل”ديلكميون”.

 

و بالطبع و الطبيعة،

 

فقد سمع كونراد عنه من حديث القيل و القال في المحطات.

 

و كان مقتلة العام 1892م،

 

خلال تمرد العرب و السكان الاصليين حينما كان في رحله لتاسيس المصانع،

 

و قد نشر نبا و فاتة و اذيع عنه في الناس بكثرة في الصحف الانكليزية،

 

و في ذلك الحين كان كونراد يتواجد في لندن.

 

اذ لم يملك،

 

مهما يكن من شيء،

 

روحا غير شرعيه خادعه تفوق الحدود التي تسمح بها الامال و الرغائب مثل كورتز،

 

ثم انه لم يكن من نمط البشر المؤلة و سط “المستوحشين” الذى مثلة كورتز،

 

هكذا كتب احد النقاد الادباء.
و حين مرض كونراد بالحمي و الدسنتاريا و لازم سرير المرض في اغلب الاوقات،

 

احيط علما بواسطه كميل ديلكميون بانه سوف لا يكون على راس الباخره التي تقل الفرقه الاستكشافيه الى اقليم كاتنغا،

 

ثم انه لسوف لا يكون قبطانا في باخره نهريه عادية،

 

و ذلك كما كتب كونراد الى خالته: “ليس لى امل في الترقية،

 

و لا في زياده الاجر في الحين الذى فيه يبقي ديلكميون هنا،

 

بالاضافه الى ذلك،

 

انة لقد قال سوف لا يلتزم هنا ابدا بالعهود المبرمه في اوربا.” و بعد ذلك الحين مباشره امسي كونراد سقيما في اشد ما يكون السقم،

 

و غادر الكونغو عائدا الى بروكسل حاضره بلجيكا بشعور مرير من الاخفاق شديد.

 

و من ثم انتهت رحلتة الماسويه الى الكونغو بتفاصيل شخصية،

 

و لا شيء غير الرنين الكئيب،

 

و ظاهريا من غير مواجهه او مقابله شخصيه رديئه الرداءه العظيمه مثل كورتز.
و في خلال قصة الكونغو،

 

تعرض كونراد بحال ما الى تجربه استناره شبيهه بتلك التي تعرض لها ما رلو،

 

و دخل في عملية النمو عبر خيبه الامل و الهزيمة،

 

و هو نمط الهزيمه الذى ساقة الى حافه البقاء اي بقائة الشخصى و ليس بقاء الحضارة،

 

و الذى انتج فيه فهم عريض و عميق بالبشر،

 

و بخاصة نواحيهم السويداء.
برغم من ان تجارب كونراد الشخصيه تمثل المادة الخام للقصة،

 

الا ان كونراد في محاولتة للتعبير عن تطورة من المثاليه الى خيبه الامل و الفهم الاعمق عن طريق السرد الخيالى قد شوة التجربه الفعليه بطرق عديدة.

 

اولا،

 

انة جعل ما رلو مستريبا من الوهله الاولى،

 

كما نراة في ترددة و ريبتة في المشروع في بروكسل،

 

و كذلك ارتاي كونراد في فرصه الذهاب الى الكونغو حقائق مثاليه لتحقيق حلم الطفوله الذى ذكرناة لكم انفا.

 

فقد ذهب و هو ممتلئ بشوق مثالى و رمانسي.

 

ثانيا،

 

حاز ما رلو على دور اكثر اهمية و عملا في القصة من كونراد،

 

الذى لم يكن اكثر من مراقب و مستمع للقيل و القال،

 

و الذى ربما و جد فكرة شخصيه كورتز من صحيفة.

 

و بتنصيب ما رلو قبطانا للباخره صيرة كونراد مسؤولا مباشرا لعملية انقاذ كورتز،

 

و كذلك حياة كل الاشخاص الذين على متن الباخرة،

 

و هكذا يعطى سرد الشخص الاول للقصة بواسطه ما رلو قوه عظيمه انية.

 

ثالثا،

 

انة قد بالغ في تصاوير و تواصيف عزله و بدائيه اهل الكونغو.

 

و بارجاعهم الى عصر ما قبل التاريخ،

 

حتى اختفت مستوطنات كبيرة لتحل محلها قري السكان الاصليين و مراكز تجاريه صغيرة ضائعة،

 

و الملاحه عبارة عن امر اكتشاف القناة الصحيحة،

 

و استشعار سبيل الفرد عبر المجري المائى المجهول،

 

حيث كان كونراد يدرك انه نهر مزدحم ايما الازدحام.

 

رابعا،

 

لقد اعطي كونراد رحلتة الى “قلب الظلام” مثل ستانلى في رحلتة البحريه الانقاذية نمطيه اسطورية،

 

و جعلها موضوعا للقياس للتنميه الروحية-العاطفيه لمارلو.
و قد راي كثر من النقاد انها رحله الى النشاطات العقليه تحت عتبه الوعى مباشره عند ما رلو،

 

او الدووعى العام،

 

او كما ارتاي البيرت جية قيرارد رحله سيكلوجيه انثروبولوجيه “ليلية”.

 

و بهذه العبارة كان يعني قيرارد: “اسطوره متعلقه بالطراز البدائي،

 

و ممسرحه في ادب عظيم العظمه كلها منذ كتاب قصة سيدنا يونس عليه الصلاة و السلام): و هي قصة رحله العزله الرئيسة،

 

التي تنطوى على تغير روحى عميق عند المسافر في هذه الرحله البحرية).

 

و في شكلها الكلاسيكي،

 

فان الرحله لعبارة عن الهبوط الى الارض،

 

و تتبعها العوده الى الضوء.”
و عندما نعير الانتباة للواقع السطحى لقصة ما رلو،

 

او تفاصيلها البرانيه ينبثق المعنى الجواني.

 

و من هذا المنطلق استطاع كونراد ان يخلط الاخلاق بالمغامره في رواياته،

 

و باسلوب فريد.

 

ففى توطئه لروايتة “زنجى نارسيسوس” 1897م وصف كونراد اسلوبه،

 

و سرد اخلاقة الشخصيه فيما يختص بفن الرواية.

 

و يبدو هذا الاسلوب و اضحا الوضوح كله في تصاوير الرحله اعلى النهر،

 

مع تركيز دقيق على تفاصيل العواطف و الافعال.

 

و هذا بالمقابل يسلط نوعا من الاضواء على ما يحدث في الان نفسة في جوانيه ما رلو،

 

و هو نفسة مضطر كل الاضطرار ان يبدى انتباها مستمرا الى الواقع السطحى في نضالة للحفاظ على السفينه على سطح الماء و ابحارها اعلى النهر.

 

و هذا سينقذة من اغراءات البرية،

 

التي هو مثل كورتز عرضه لها.

 

ان الواقع السطحي لهو الذى ابقي ما رلو بعيدا عن اختيار البريه مع كورتز،

 

و ليست قوه صوتة الداخلي،

 

و لا قيدة الداخلي،

 

و هو موضوع رئيس في القصة.

 

اذ لم يكن لكورتز و سائل ضبط النفس،

 

و لا عمل سريع مثل كورتز،

 

و لا عقيده روحية.

 

و كان تطرفة و اعتقادة مضادان للايمان الصادق،

 

و الذى كان يعتقد ما رلو انه مرغوب في سبيل تبديد الظلام.

 

و من خلال قيام الروح الاخلاقيه و الاندفاع الجشع نحو المال و السلطة،

 

لم يستطع ما رلو التعاطى مع القوي البربريه و الحقود في جوانيته،

 

و التي تخرجها البريه الى الناس.

 

و كان دفاعة الوحيد هو الفصاحة،

 

التي لم تكن كافية،

 

كما شهدت الرؤوس على الاعمدة خارج منزله.

 

اذ ان الفصاحه توضح ان كورتز يحتاج الى و سائل ضبط النفس في سعية الحثيث و راء شهواتة المتباينة،

 

و كذلك لان هناك شيئا مرغوبا في جوانيتة شيئا صغيرا،

 

و الذى حين تتبين الحوجه الملحه له،

 

سوف لا تجد له و جودا تحت بلاغتة البارعة،

 

برغم من ان الكلمات ليست ادوات لنقل المعاني فحسب،

 

بل هي اسلحه دفاعيه ايضا.
و على هذا النحو،

 

يفتقد احد الربابنه المنبتين المحليين معايير ضبط النفس،

 

و بذلك يلقى حتفه.

 

و في الحق،

 

لم يكن لاى شخص في القصة سبل ضبط النفس،

 

الا الرجال الاكثر بربرية،

 

اى اكلى لحم البشر الذين هم يتضورون جوعا على متن الباخرة،

 

و الذين ادهشوا ما رلو بحقيقة انهم يستطيعون ان يضبطوا انفسهم من التهام “الحجاج” بينهم بنهم.

 

فضبط النفس اي ضبط النفس ليس هو بالدووعي،

 

او الاشمئزاز،

 

او الصبر،

 

او الخوف،

 

او نوع من الشرف البدائي.

 

فليس هناك خوف يمكن ان يقف في و جة الجوع،

 

ثم ليس هناك صبر يمكن ان يهلك الجوع.

 

اما الاشمئزاز فانه غير موجود متى ما و جد الجوع،

 

اما قوي ما و راء الطبيعة،

 

و الشعوذة،

 

و المعتقدات،

 

و كل ما يمكن ان تسمية المبادئ كلها اقل من القشره في الهواء الخفيف.

 

اذ يكلف المرء كل قوتة الفطريه لكي يقاوم الجوع كليا.
على ايه حال،

 

فقد خلفت الروايه جدالا و اسعا و سط النقاد عن طبيعه “الظلام” بالتحديد.

 

فعدم و ضوح الرؤية الذى يصاحب الكلمه قد ترك هكذا عمدا من ناحية،

 

و هو الفشل من ناحيه اخرى.

 

فالظلام يعني اشياءا كثيرة: انه ليعني المجهول،

 

و الدووعي،

 

و انه ليعني الظلام الاخلاقي،

 

و الشر الذى ابتلع كورتز،

 

ثم انه ليعني الفراغ الروحى كما يراة في مركز البقاء،

 

و لكن و فوق ذلك كله فانه اللغز ذاته،

 

اى لغز حياة الانسان الروحية.

 

و لابداء او استظهار كل هذا فان كميه محدده من عدم الوضوح لهى مطلوبة.

 

و هذا اللغز كما يتخيلة كونراد يمسى كبيرا جدا لحدود القصة و ما رلو،

 

و ذلك في محاولاتة في تصوير الذى لا يمكن تصوره،

 

حيث يفقد السيطره على كلماتة و يجنح الى عدم المعنى الواقعى حين يحاول ان يوضح جوهر تجربتة عن طريق الاقتراح،

 

و كانت النتيجة شعاعا باهتا غير مفهوم،

 

بل ضبابا من الصفات المبهمه التي تصبح كثيفه كلما اقتربنا الى القلب و الى كورتز معا.
و في كتابة “التقليد العظيم” انتقد في ر ليفيز الروائى كونراد لعدم و ضوحة و استخدامة الطاغى للصفات بصورة غير دقيقة فعلى سبيل المثال: استفاضتة في استعمال مفردات مثل “غامض؛

 

مبهم؛

 

ملغز”،

 

و ”لا يتخيل؛

 

لا يتصور؛

 

لا يصدق”،

 

و ”لا يوصف؛

 

لا يصح ذكره؛

 

رديء جدا”،

 

و تساءل ليفيز: “هل اضافت هذه العبارات شيئا الى الطبيعه الاضطهاديه في الكونغو؟” فربما اضطرتة الحال الى استخدام هذه المفردات لانة حاول جاهدا ان يغوص في اعماق الاشياء،

 

حتى المجرده منها بما فيها “قلب الظلام”،

 

و حينما راي ان الاسماء غير كافيه او غير كفيله بتبليغ الرساله اياها،

 

او المعاني التي يود توصيلها عمد الى الاستعاضه و الاستعانه بهذه الصفات القوية في معانيها و مضامينها.

 

فمن الملاحظ انه من الناحيه الاسلوبيه و الطريقة الفنيه للسرد نجد ان هذه الروايه و على عكس ما هو ما لوف في الروايات عاده ان التواصيف جاءت مستكثرة على حساب السرد،

 

حتى بات الزمن السرمدى قصيرا جدا،

 

و كان يكفى بضع صفحات للوصول الى ما يريد النص الوصول اليه،

 

لولا تلك الوقفات الوصفيه الغزيره في الرواية،

 

التي ابطات و تيره السير السردى غير مرة،

 

مما جعل الروايه اقرب الى لوحه من الالوان و الزخارف ذات اللمسات النعتيه العميقه التي يمكن فصلها عن سيروره الاحداث،

 

لانها طغت و كادت ان تجعل السرد كلمات متقاطعة.
و مع ذلك،

 

تبقي شخصيه كورتز لغزيه في اقرب الاحوال مثل الظلام نفسه،

 

الذى يعيش فيه.

 

برغم من الاستخدام المركب للقصاص،

 

الا انه يعطى الحال الموضوعيه للقصة،

 

ثم انه ليضيف جوا من عدم الوضوح و القنوط في الوصول الى قلب الشيء،

 

و يترك القارئ على بعد معتبر من القصة.

 

و هذا بالضبط و الربط هي الحال مع نمو شخصيه كورتز.

 

فالقاص في القصة اي كونراد نفسة يحططنا علما عما قال له المنفصل ما رلو عما قال له المهرج الروسي و بعض الناس عن كورتز.

 

لذلك كانت الامال المبالغه التي يحملها ما رلو عن كورتز مبنيه في الاساس على اشاعات المحطة،

 

و لذلك بقى كورتز بالنسبة لمارلو،

 

و لنا كلنا اجمعين اكتعين،

 

مجرد “اشاعة”،

 

او “كلمة”،

 

او بصورة اكثر قوه في نهاية الامر “صوتا”.

 

انة لم يكن شخصيه حقيقية.

 

وان كرتز بالنسبة لمارلو لهو الموضوع الرئيس لهذه الرحله النهرية،

 

لانة يعتقد ان كورتز هو الرجل الذى يمكن ان يشرح له درس الظلام.
و في هذه الاثناء التي فيها شرع ما رلو يتحدث الى كورتز،

 

كان كورتز نفسة قد بات سقيما في اشد ما يكون السقم،

 

و امسي مضطربا الاضطراب كله بحيث اصبح لا يستطيع ايضاح اي شيء،

 

و لا يقدر على ان يبين من امرة شيئا،

 

برغم من ان ما رلو كان قد ادرك اثناء رحلتة اعلى النهر انه بات من الامر الميؤوس ان يتحدث و يستمع الى كورتز على ايه حال.

 

و ذلك لان حتميه هذا الامر تقع عميقا تحت السطح،

 

و بعيده عن متناول فهمة و استيعابه،

 

و خارجه عن دائره قوتة الفضولية.

 

و من هنا يدرك ما رلو انه لا يستطيع فهم اسرار الظلام و فك طلاسمه،

 

وان ثمن فهمه،

 

او التشبث في حل الغازه،

 

لهو من جنون الروح الذى يسيطر على كورتز.

 

و من هنا ايضا يقرر ما رلو على انه من الافضل ان لا يغوص في اعماق الواقع السطحى ان اراد ان يبقي حيا،

 

و يبقى جسمة سليما من الاذى.
هكذا لم يكد ما رلوان يتجرا في الغوص تحت السطح ابدا،

 

و انه قد حرمت عنه المعرفه الذاتيه عن كورتز،

 

الذى افلت من المازق و الموت،

 

و افلح في ان يجرجر الى الوراء قدمة المترددة.

 

اما كورتز فان معرفتة الذاتيه و صرخه النصر “الرعب

 

الرعب!” هما نصر متناقض: انه لتاكيد النصر الاخلاقى الذى يتحقق بعد عده هزائم،

 

و بواسطه انماط ارهابيه قميئة،

 

و اكتفاءات سيئة.

 

و لكن في هذا النصر يتجسد فشل الانسانية،

 

لانة ليست هناك فصاحه يمكن ان تذبل في اعتقاد احد من البشر في و اقع الامر،

 

و هذا هو الواقع اليومي للناس في بروكسل،

 

على سبيل المثال و الذى يبدو كانة ازدهاءات مفرطه من الحماقه لا تطاق او تحتمل في و جة الخطر الذى لا يستطيع الشخص ادراكه،

 

و الذى هو في حقيقة الامر غير و اقعي.

 

و بالنسبة للبشر فان الظلام لهو الفوضي الجوانيه المكبوته في الاعماق،

 

و التي يستحيل كما يختتم ما رلو تفسيره،

 

و من الافضل ان لا نتخيله.
غير ان الكتابة الروائيه لم تكن هم كونراد و شاغلة الوحيد،

 

فهو اضافه اليها كان كونراد اديبا مبدعا في كتابة القصة القصيرة،

 

و كاتبا بارعا في فن تاليف الحكايه القصيرة ايضا اكثر من ان يكون روائيا.

 

فانة فوق كل شيء لم يستطع ان يتعاطي مع توتر الروايه باكملها،

 

و ذلك باستثناء روايه “نوسترومو” 1904م).

 

اما روايه “قلب الظلام” 1899م مهما يكن من شان فبرغم من انها روايه صغيرة في حجمها،

 

حيث يبلغ تعداد كلماتها 38000 كلمة،

 

لا يبدو فيها تخفيف التوتر.

 

فالمؤامره مرتبطه مع بعضها بعضا بدهشه ايه دهشة،

 

و الحركة مزاج مشدود بين التاجيل من ناحية،

 

و التردد من ناحيه اخرى،

 

و تجنبت الروايه ما يمكن ان نسمية اخفاق كونراد العظيم،

 

اى عدم مقدرتة في اختلاق شخصيات نسائية مقنعة،

 

و ذلك بالاحتفاظ بالمراتين الوحيدتين في القصة في الصفوف الخلفية.
و في روايه “قلب الظلام” استخدم كونراد و صديقة الحميم ما دوكس فورد،

 

الذى تعاون معه في اعمال اخرى في الحين الذى فيه كتبت روايه “قلب الظلام”،

 

“نظريه الخيال” Theory of fiction).

 

اذ يصف فورد،

 

صاحب كتاب “جوزيف كونراد: ذكري شخصية”،

 

هذه النظريه بانها في حال كتابة الروايه فقد اتفقا على ان ايه كلمه تكتب على الورقه ايه كلمه تكتب على الورقه ينبغى ان تحمل القصة الى الامام،

 

و كلما تقدمت القصة،

 

يجب ان تحمل القصة الى الامام بسرعه اكثر فاكثر،

 

و بكثافه اكثر فاكثر.

 

و تسمي هذه النظريه بالفرنسية Progression d΄effet)،

 

حيث لا توجد لهاتين المفردتين ما يضاهيهما في اللغه الانكليزية.

 

و هذا بالتاكيد صحيح في حال “قلب الظلام”،

 

و التي برغم من تقلبات الزمان تسير الروايه الى الامام باثر تراكمي،

 

و لحظه تتسارع كلما اقتربنا نحو القلب.

 

فقد شرع كونراد في تعلم الانكليزيه حين بلغ من العمر عشرين عاما.

 

و برغم من اجادتة البارعه لها كان و الحديث هنا لفورد يزدريها كلغه لكتابة النثر،

 

معترفا بانه من المستحيل كتابة تعبير مباشر بالانكليزية،

 

و ذلك لان كل المفردات الانكليزيه عبارة عن الات للعواطف الباهته المثيرة.

 

فالمفرده الفرنسية تحمل معنى واحدا،

 

اما الانكليزيه فتحمل اكثر من معنى.

 

لذلك قال كونراد: “انة كان يفضل ان يكون كاتبا روائيا فرنسيا،” و لكن جاءت الفرصه متاخره جدا بحيث لم يكد يستطيع ان يغير حاله.

 

و في الحكايه يسرد ما رلو القصة بالتسلسل المباشر غير المباشر،

 

و الذى فيه يبدو ما رلو كانة يسرد الاحداث بتسلسل تاريخي،

 

لكنة في حقيقة الامر لا يفعل ذلك.

 

فالقصة لا تسير حسب تسلسل الاحداث،

 

بل حسب تسلسل افكار ما رلو.(3)
فروايه “قلب” الظلام”،

 

التي كتبت في العام الاخير للقرن التاسع عشر من الميلاد،

 

تعتبر اول روايه في القرن العشرين،

 

و ذلك بمناخها المشبع بالشك و عدم الوضوح،

 

و ضياع الثقه الاخلاقية،

 

و حوجتها في الاعتقاد و سط البريه الاخلاقية،

 

و اكتشافها الى الدووعي،

 

و توكيدها للحريه الفردية.

 

و لعل الجشع الاستعمارى و الاضطهاد الامبريالى في القصة،

 

و الفجوه الفسيحه بين رغبات الانسان الخيرة،

 

و المثل العليا من جانب،

 

و ما يقوم به فعلا من جانب اخر ي شي بمقاربه مرعبة،

 

و هذا ما اسماة ما رلو “احتلال الارض”،

 

و الذى ما يزال مستمرا الى يومنا هذا،

 

و انه ليس بالشيء الحميد ابدا حين نمعن او نديم النظر فيه.

 

و احتلال الارض هنا يعني دوما اخذها عنوه و اقتدارا من الذين يحملون ملامح مختلفة،

 

او انوف مسطحه الى حد ما ،

 

 

او سحنات لا تشبة تلك التي عند الغاصبين.

 

فما الذى يمكن ان ينقذ هذا الاستغلال

 

انة لهو الفكرة،

 

الفكرة في خلفيتها النبيلة،

 

و ليس الادعاء الاستعطافي،

 

و لكن الفكرة الخيرة،

 

و الاعتقاد غير الانانى في الفكرة،

 

ثم انه لهو الشيء الذى يمكنك ان تؤسسه،

 

و تسجد امامه،

 

و تقدم له قربانا.

 

فالامبراطوريتان البلجيكيه و البريطانيه قد اندثرتا،

 

و لكن اخريات قد حلت محلهما.

 

فقد حل محل العاج الابيض،

 

الذى كان يستخرج من اشجار بعينها في الكونغو،

 

النفط الاسود كمادة رئيسه للنهب،

 

و هناك اخريات بالطبع.

 

فالتقدم او بالاحري لنقل مزاعم التقدم هواحد منها.

 

هذه الفكرة المقدسه التي تفضى الى القول بان كل ما نفعلة عرضه للتحسين،

 

وان للبشر حركة الى الامام مستمرة،

 

و لا يزال الانسان يسيطر على المجتمع،

 

و بما انه بدا يفقد هذه السيطره قليلا قليلا،

 

و ذلك حين اخذ الوعى ينتابنا عن كوارث ما نسمية التقدم و امسينا اكثر تواضعا في و جهها،

 

لم نغلق الابواب على مصاريعها بعد في و جة ما اسماة ما رلو بمراره “مزبله التقدم”.

 

فهناك كثر من اناس خيرين مثل كورتز يودون تطبيق الفكرة،

 

و لكن ان الفجوه بين افكارهم من ناحية،

 

و ما يفعلونة من ناحيه اخرى لمتسعة.

 

وان الظلام،

 

كما راة ما رلو في نهاية المطاف،

 

لمحيط بنا تماما،

 

و كذلك انه لفى دواخلنا.

 

ثم ان المشكل لهو من ذا الذى يحمل معايير و سائل ضبط النفس الضرورية لحله.

 

لقد بدا ما رلو بداية اخلاقية،

 

و بمقاصد نبيلة،

 

و لكنة في نهاية الامر لم يستطع ان يحافظ على مثالياته،

 

و ذلك حينما امتلك سلطة مطلقة.(4 الم نقل لكم ان السلطة لتفسد،

 

وان السلطة المطلقه لتفسد فسادا مطلقا Power corrupts, and absolute power corrupts absolutely

 

و ما رلو هنا انسان يحمل تناقضات البشر،

 

عيوبهم و احزانهم،

 

خوفهم و بطشهم،

 

نهمهم و تحفظهم،

 

بل و اكثر من هذا يحمل الى حد الافراط كل تلك القدره على ان يكون و حشا و حنونا في الوقت نفسه.
و من هنا نستطيع ان نقول ان جوزيف كونراد 1857-1924م المذكور هنا،

 

ليس بالبطل الثورى الاسطوري،

 

بل اديبا روائيا.

 

و هو ذلكم الطفل البولندى الذى تربي على الطبيعه البولنديه الباردة،

 

و صعقة المجتمع الغربى منذ بداية حياتة الشبابية،

 

و عاش كل نجاحاته،

 

انطلاقا من خيبتة و اخفاقة المؤكدين في مقتبل عمره،

 

حتى كادا ان يؤديان الى هلاكه.

 

و لكن من جحيم هذا الفشل في بادئ الامر انطلق منتصرا ليمسى امثوله روائيه بين ليلة و ضحاها.

 

و لم يكن ذلك كله بالصدفه بالطبع،

 

فلا ريب في ان البارعين العظام لا بد ان يكونوا قد مروا بتجارب مريره محبطه كادت ان تدمرهم نهائيا.

 

و من الذين دفعهم الياس الى سوداويه حياتيه قادتهم الى محاولات الانتحار هو ذلك الموسيقى الالمانى الذائع الصيت روبرت شومان 1810-1856م و الاديب الفرنسي الالمعى فرانسوا رينية اوغست دى شاتوبريان 1768-1848م).

 

و المهم هنا ان كونراد قدم لنا اعمالا روائيه باشكال اخاذه يبلغ تعدادها 20 رواية.

 

اذ صار جزء منها اوبرا،

 

و عكفت شركات السينما الكبيرة على تلفزه و افلمه بعضا منها،

 

حيث حققها مخرجون كثيرون معظمهم من اصحاب الاسماء الكبيرة في السينما الامريكية).

 

فبالاضافه الى الاعمال التي ذكرناها سلفا و التي سنذكرها لاحقا،

 

و التي سوف لا نذكرها هنا كتب كونراد “حقير الجزر” 1896م)،

 

و ”العميل السري” 1907م و روايات اخريات.

 

فلا شك في ان المواضيع الرئيسه في اعمال كونراد الذى اهتم،

 

اكثر ما اهتم اي روائى اخر،

 

بالكتابة عن المغامرات تتركز حول الرحلات و النزاع،

 

و بخاصة في “نوسترومو”،

 

و ”اللورد جيم”،

 

و ”قلب الظلام”،

 

و ”زنجى نارسيسوس”.

 

و اكثر اعمالة المقروءه قد كتبت في الفتره الوسطى،

 

و التي تمتد بالتقريب في الفتره ما بين 1899-1911م).

 

ففى هذه الفتره كتب كونراد “الشباب”،

 

و ”قلب الظلام”،

 

و ”اللورد جيم”،

 

و ”الفرصة”،

 

و التي فيها يمثل تشارلى ما رلو الشخصيه المحورية.

 

و في كثر من اعمالة حاول كونراد ان يتحري العلاقه بين الولاء للقيم الاجتماعيه من ناحية،

 

و بين الولاء للفرد من ناحيه اخرى،

 

لكنة لم يكد يستطيع ان يصل الى نتيجة مؤكدة.

 

ففى ببعض اعمالة مثل “اللورد جيم”،

 

و ”نوسترومو”،

 

و ”تحت العيون الغربية” 1911م و قف الى جانب الولاء الى الفرد.

 

و الفردية،

 

كما انضجها الفكر الانسانى الحديث،

 

و التجارب العملية في كنف الدوله الديمقراطيه الحديثة،

 

نقيض الانانيه و الانغلاق على الذات؛

 

فالفرد الانسانى الذى تنسب الفرديه له،

 

تواصلي و تبادلي،

 

او حامل لامكانيه التواصل و التبادل في مختلف مجالات الحياة،

 

و يمتاز بالمعرفه و العمل و الحب،

 

و هي حدود و جودة الانساني.
اما في روايه “نهاية الامل” 1902م)،

 

التي اعتبرها بعض النقاد اقل اعمالة بريقا،

 

فقد حاول كونراد ان يغوص في الازمات الاخلاقيه و النفسية،

 

و يتحري عده قضايا هامه بطرق فريدة،

 

و يوضح ان البشر ليس لهم سلطة على مصائرهم،

 

و هم في نهاية الامر تحت رحمه تقلبات القضاء و القدر في حيواتهم الدنيا.

 

اما روايتة “زنجى نارسيسوس” و الزنجى هنا بمعناة العنصرى الاحتقارى فهي من افضل اعمال كونراد في فتره حياتة الاولى.

 

فلولا عنوانها الطارد،

 

ربما كانت قد قراها كثر من الناس و باستمرار اكثر مما يقدم عليها القراء الان.

 

و ربما كان هذا العنوان المقيت ايضا هو الذى دفع الناشر في الطبعه الامريكية الاولي ان يعيد نشرها باسم “اطفال البحر”.

 

و في وقت ما كانت هذه الروايه هي اكثر مؤلفات كونراد قراءة،

 

و ذلك نسبة لانها موجزه من ناحية،

 

و لان بها عينات من المغامرات البحريه من ناحيه اخرى،

 

و لان بها ميزات ادبيه من ناحيه ثالثة،

 

حيث كانت تسترعى انتباة كثر من الناس.

 

ففى هذه الروايه يعالج كونراد قضايا هامة،

 

و بخاصة مفاهيم العزله الانسانيه و التضامن الانساني،

 

فضلا عن مسائل العرق.

 

فبما ان الرابطه الجماعيه هامه و سط الناس في سبيل البقاء،

 

فقد استعان بها قباطنه السفينه “نارسيسوس” من اجل البقاء،

 

الا ان الربان جيميس و يت المتحدر من اصول افريقيه قد ادخل الربابنه الاخرين في ازمه اجتماعيه انسانيه اخلاقية.

 

فمن جانب كان ينبغى على طاقم السفينه تضمين جيميس في مجتمع السفينة،

 

و من جانب اخر بقى جيميس خارج اطار هذا المجتمع الكبير نسبة لارثة الافريقي.

 

اذ كان عليهم حمايتة كاى فرد اخر من افراد الطاقم حتى لو ادي الامر الى عرض حيواتهم كلهم اجمعين ابتعين للخطر و الهلاك،

 

لكنهم في الان نفسة كانوا يبدون نوعا من الاشمئزاز منه،

 

لانة كان يمثل الموت بالنسبة لهم،

 

هذا من جانب.

 

و من جانب اخر،

 

بسبب التفرقه العنصريه ضده.

 

و المهم هنا ان كونراد يدلنا الى مقدره لا شك فيها على الغوص في دقائق اهتزازات النفس و ارتجاجاتها،

 

و تذبذب الفكر بين شتي الاحتمالات و البدائل،

 

مع ارتباط متواصل على طول الروايات بالاوضاع السياسية و الاجتماعيه معا.

 

و تمثل هذه الاعمال في احسن اعتباراتها فتنه التناسل و اللعب على الكلام،

 

النبش في المناطق الخبيئه للعواطف الانسانيه و الاهواء الذاتية،

 

و التلذذ بالتناقضات الاجتماعيه و الموروثات الثقافية.
اما روايه “قلب الظلام”،

 

فلعمري لم نر تاليفا استكثر فيه الكاتب و تزيد في العنصريه على هذا النحو و بهذا الشكل او النمط.

 

فلا تكاد العنصريه السمجه تسيل في لعابه،

 

و تجرى في دمه،

 

و تخرج منه زفيرا،

 

و تتصبب منه عرقا حتى ظننا ان قلبة لسوف ينفطر كراهيه للانسان الافريقى الاسود.

 

الم تر كيف اشار الى الشجار الذى نشب بين مواطنين في السوق الشعبى في الكونغو،

 

حيث ادي هذا النزاع الى مقتل احدهما،

 

و كان النزاع المستميت هذا حسب روايه الكاتب حول “دجاجة سوداء”

 

فان في الاشاره الى الدجاجة،

 

و هي حيوان انثى،

 

لفيها احتقار الى كل شيء انثي.

 

اما الازدراء و الاحتقار الحقيقين فيكمنان في سواد لون الدجاجة،

 

و كان كل شيء اسود انسان افريقى كان ام اي حيوان او “الظلام” ليس بذى قيمة،

 

و لا يستحق هذا الاقتتال و الموت في سبيله،

 

حتى لو كان حقا مسلوبا،

 

او عرضا منتهكا،

 

او معتقدا مدنسا.

 

و لعل استحضار هذا النوع الفاقع من العنصريه في العمل الادبى هو الذى قادنا الى نعتة ب”توحش عنصرية” الرجل الابيض في رواية.

 

و قد شاع هذا النمط من العنصريه القميئه في عقابيل حذر و تجريم تجاره الرق عند الغرب في القرن التاسع عشر من الميلاد،

 

و استعاض العنصريون البيض الجدد عن العنصريه الماديه باخرى ادبيه تمارس في الروايات و القصص و الصحافه و دور السينما،

 

و باسلوب سمج و قح لا يفوت على اولى الالباب.

 

و قد و جد اولئك و هؤلاء ديدنهم في الاسترخاص الاثنى في قوانين حريه التعبير و النشر.
وان الطابع الشائع لدى روائيى العهد الاستعمارى لهو التمحور حول العرق و التباهى بالعنصريه الفضحاء.

 

و لعل الروائى رايدر هقارد كان واحدا من الذين ابدي سلوكا عنصريا متوحشا ضد الانسان غير الابيض،

 

و قد استبصرنا هذا الاطار العرقى الذى ظل اولئك و هؤلاء يتحركون فيه حديثا.

 

الم ترك كيف كتب هقارد في روايتة “قصة الاسود الثلاثة” العام 1893م حين قال: “ان الثور لهو الحيوان الاكثر تحملا في العالم،

 

باستثناء الزنجي!” تري كيف ضاهي الانسان الاسود بالحيوان

 

و كيف اعتبر انه من الامر الطبعى ان يقوم بالاعمال الشاقة،

 

و انه اكثر تحملا في ارتياد المشاق و القيام بالشاق من الاعباء.

 

علينا هنا ان نتوقف مستهجنين و متنبهين الى البعد الاجتماعى و الاطار السياسى اللذان تمكنا هقارد من تمرير هذا العمل و اذاعتة في الناس: رواسب العنصريه العالقه بالادب و النشر بعد حظر الرق قانونيا كما ابنا انفا.

 

و مع ذلك،

 

استمتعنا بمطالعه بعضا من تاليفاتة في ايام الصبا و عند مقتبل الشباب فعلى سبيل المثال: “مناجم الملك سليمان”،

 

و ”الن كواترمين”،

 

و ”هي”،

 

سواء اكان ذلك كمقرر اكاديمى او في الاطلاع الذاتي.

 

على ايه حال،

 

فازاء هذا الفهم للرابط العضوى بين العنصريه و الامبرياليه اعتقد بعض من الناس ان العنصريه سبب ازدهار الاستعمار،

 

و لئن ذهب البعض الاخر اعتقادا بان العنصريه اثر من اثار الاستعمار،

 

و وسيله من و سائل ابتكار السلطة و الاحتفاظ بها،

 

و غايه طبيعية للامبراطوريه البريطانية،

 

و كانت عاملا رائسا لاستقرارها النسبي.

 

و الشيء نفسة ينطبق على الاستعمار الفرنسي و البلجيكى و الالمانى في عمر الاخير القصير في افريقيا و حكايات الرعب و الفزع و الموت و الدمار التي خلفها.
فقد حاولنا جاهدين غير مجاهدين الغوص في سيكلوجيه العنصريين القدامي و الجدد معا لنبحث عن سر كل هذه الكراهيه للاخر المختلف،

 

فوجدنا ان العنصريين يكرهون انفسهم قبل الاخر،

 

و تبدو هذه الكراهيه بشكلها المقيت المستميت حين تقع اعينهم على الذين يشاركونهم الشبة و الملامح على الاقل او في الحامض النووى في اغلب الاحايين لا في التفكير و التامل في الاشياء.

 

فبدلا من التخلص من انفسهم عن طريق الانتحار،

 

او ايه و سيله اخرى من و سائل هلك النفس الاماره بالسوء،

 

يتجابنون و يقدمون على اباده الاخر،

 

و التلذذ بهذه الابادة،

 

و يسدرون في البغى و العدوان،

 

و يرتكبون الجرائم العظام ضد الانسانية،

 

ثم لتجدنهم يعجنون شيئا من حقدهم على الاغيار.

 

فلنري على سبيل المثال قاده النازيه و بغضهم للاخر،

 

و بخاصة اليهود و السود و المعاقين و اخوه يهواة و غيرهم.

 

اذ قسم النازيون في المانيا الانسانيه الى مجموعتين: الاريون عرق اهل الشمال)،

 

و الذين اعتبروهم سيد الاعراق البشرية،

 

و الاخر الذى اعتبروة من جنس العبيد،

 

و كانت نظريه العرق هي اساس هذا التصنيف،

 

و زعموا ان الالمان هم الاريين،

 

و خلقوا لكي يحكموا العالم،

 

و يتسيدوا على الاخرين.

 

و يتميز العنصر الارى المثالى بطول القامة،

 

و اشقرار الشعر،

 

و الوسامه في الطلعة.

 

و لعل اغرب ما في هذه المساله ان قله قليلة من قاده النازيين انفسهم حملوا هذه الصفات المثاليه حسب اعتقادهم و ظنهم.

 

فالدكتور جون قوبيلز،

 

و زير الدعايه النازية،

 

قزما كان،

 

ثم كان لونة داكنا و اعرجا.

 

و كان هيرمان قورينغ اشقر الشعر،

 

و مع ذلك كان بدينا شحيما و قد امتلا لحما و شحما،

 

اما رودلف هيس الرجل الثاني في القياده بعد ادولف هتلر فقد كان لونة داكنا،

 

و كان ملقبا ب”المصري”،

 

و كانت ملامح جوليوس سترايتشر مبيد اليهود يهودية،

 

ثم كان شعر ادولف هتلر اسودا.(5 و برغم من ذلك كله،

 

لم تكن تقلق هذه التناقضات القاده النازيين ابدا.
على ايه حال،

 

بقى لنا ان نقول من نافله القول ان جوزيف كونراد في رواياتة ظل يغوص في حكايات المجتمع،

 

بواقعيتها و غرائبيتها،

 

و تعمق في وصف المشاعر البشرية،

 

و الجشع البشرى الذى يسبر اغوار طريقة عمل الدوافع الانسانية: هي باختصار شديد رحله في النفس البشريه ضمن اطار بيئه هذه النفس.

 

فلم يبتعد كونراد في جوهر مواضيعة عن الانسان و همومه،

 

و لكن بالطبع بطريقتة “الكونرادية” و اسلوبة “الكونرادي”.

 

هكذا نجد ان كونراد كان قد خاطب مجموعة من القضايا التي كان يعانى منها العالم المرجعى الذى تحيل الية رواياته،

 

و تمتح منه حكاياتها؛

 

الا و هو المجتمع الانساني.

 

اذا،

 

فان روايه “قلب الظلام” بشخصياتها واحداثها،

 

التي تبدو احيانا متشابكة،

 

و في احايين اخرى متداخلة،

 

لهى رحله في ثنايا الحياة،

 

و ايضا في فكر كونراد ذاته.

 

هذه هي السمات التي اصطبغت رواياته،

 

و التي صنعت له شهره عالمية ظل ينعم بها حتى رحيلة عن الدنيا العام 1924م.

المصادر و الاحالات

(1 Peters, J G, The Cambridge Introduction to Joseph Conrad; Cambridge University Press: Cambridge, 2006.
2 انظر الدكتور عمر مصطفى شركيان،

 

النوبه في السودان..

 

نضال شعب في سبيل العداله و المشاركه في السلطة،

 

دار الحكمة،

 

لندن،

 

2006م.

 

كذلك انظر
March, Z and Kingsnorth, G W, An Introduction to the History of East Africa; Cambridge University Press: Cambridge, 1965; Moorehead, A, The White Nile; Penguin Books Ltd: Harmondsworth, 1960; and Hazell, A, The Last Slave Market: Dr John Kirk and the Struggle to End the African Slave Trade; Constable and Robinson Ltd: London, 2019.
3 في روايتة “انا احيا” 1957م سلكت ليلى البعلبكى شكل البناء الروائى المجسد للعلائق و الخطابات و القيم للتعبير عن الفرديه و فروقها.

 

اما في روايه الكاتبه السورية سلوي النعيمى “شبة الجزيره العربية” 2019م فيمكن تصنيف نصها ضمن التخييل الذاتى المتحرر من الحبكه و المعتمد على بنيه مفتوحة،

 

و الذى يسمح بالانطلاق من الذات و تجاربها،

 

سواء اكانت معيشه ام متخيلة،

 

و هو ما يتيح للكاتبه ان تبتدع حكاياتها من دون تقيد بواقع او معيش.

 

غير ان الروائى العراقي محمود سعيد قد اعتمد في روايتة “نطه الضفدع” 2019م طريقة السرد التتابعى ذى الملامح الزمنيه “الكرونولوجية”.

 

و في روايه “مزرعه الجنرالات” 2019م للروائى المصري عبدالنبى فرج لم نكن امام روايه تتبع في بنيتها الزمن الخطى المتتابع،

 

او تتكئ على حدث مركزى تتفرع عنه خطوط اخرى،

 

و لكننا امام جمله من المقاطع السرديه التي تحاول ان تصنع تاريخا موازيا للقهر،

 

و السلطة عبر تعريتها و كشفها.

 

و في روايتة “وشم و حيد” 2019م للروائى المصري سعد القرش تنهض بنيه السرد على توظيف المرويات التراثية،

 

و تضفيرها في المسار السردى للرواية،

 

و تعتمد البنيه السرديه ايضا على اليه التوالد الحكائي،

 

حيث تتناسل الحكايات بعضها من بعض،

 

و تتفرع موصوله كلها بافق تخييلي

  • تلخص رواية قلب الظلام لجوزيف
  • ملخص رواية قلب الظلام لجوزيف كونراد
  • ملخص رواية قلب الظلام
  • تلخيص رواية قلب الضلام
  • رواية قلب الظلام العنصريه
  • ملخص كتاب قلب الظلام
  • مقال قصير عن قلب الظلام
  • تلخيص قلب الظلام
  • تلخيص روايه قلب السفاح
  • تلخيص رواية القلب الظلام

1٬790 views

ملخص رواية قلب الظلام لجوزيف كونراد