5:10 صباحًا الأحد 18 نوفمبر، 2018

ملخص رواية قلب الظلام لجوزيف كونراد


صور ملخص رواية قلب الظلام لجوزيف كونراد

يبدا جوزيف كونراد رحله مارلو ويختتمها في داخل “قلب الظلام” على نهر “التايمز”،

وعلى متن مركب شراعي ذي مجاديف يسمى “نيلي”،

وذلك باستهلال موجز،

والذي عن طريق استخدام رقيق للتصاوير،

وتوسل بارع للبيئه يقدم لنا مارلو الشخصيه المحوريه في الروايه)،

ويهيؤنا للقضايا الجوهريه في القصه.

وفي مغامره فريده يبتدئ كونراد الحكايه بشعور قوي مدهش تجاه الهدوء والسكون اللذان يسودان القصة كلها،

مع مقاطعات بين الحين والاخر بواسطه القاص نفسه لوصف مارلو،

او ليدون اقحاما موجزا بواسطه احد سامعيه،

وذلك مع عوده خاطفه الى المركب في نهاية الامر.

وعلى نهر “التايمز” كان النهار في طريقة الى النهاية في سكون هادئ وبراعه نادره،

وارتاح هذا النهر العجوز في سكينه واطمئنان؛

ومارلو نفسه كان يجلس جيدا دون حركة كما يجلس “الاله بودا”،

وبدت كل اشرعه البارجات كانها واقفه لم تبرح مكانها.

اما الرجال الذين هم على متن القارب جالسون،

والذين عليهم ان ينتظروا انقلاب حركة المد والجزر،

فقد استكانوا بارتياح على متن القارب،

ومن ثم اعدوا المكان لمارلو ليبدا في سرد حكايته.

وقبل ان يبدا مارلو في سرد قصته،

حذر القاص سامعيه انهم بصدد سماع واحد من تجارب مارلو غير الحاسمه.

وهذه التجربه بالتاكيد واحده من تجاربه الكثيرة غير الحاسمه،

وهو اي مارلو الخبير الدعي،

بمحض الصدفه،

في القفر السيكلوجي،

ولديه الكثير الذي يود اذاعته فيهم.

فهو القاص ايضا في روايات “اللورد جيم” 1900م)،

و”فرصه” 1913م)،

و”الشباب” 1902م).

وعلى سبيل هذا الاستهلال شرع في سرد الحكايه حينما اسدل الليل استاره السوداء.

وهذه هي المقدمه الاولى للظلام.
ولعل كونراد يبدي اهتماما مستعظما لتاثيرات الضوء ومؤثراته في هذا العمل الذي نحن على وشك الحديث عنه.

ففي المنظر الافتتاحي يصف كونراد السماء قائلا:

“انها لضخامه معتدله لضوء غير ملوث،

والظلام الوحيد هو ذلك الذي يخيم فوق “قريفسيند” ومدينه لندن،

وهناك الكابه الحداديه التي تستولد السكون؛

والارض العاديه في لندن تفترض طبيعه متشائمه غير واقعيه حين تغرب الشمس،

وذلك بعد ان تغيرت من بيضاء متوهجه الى حميراء رتيبه عديمه الاشعه وعديمه الحراره،

كانها على وشك الخروج فجاءه،

بعد ان ضربت ضربا مستميتا بواسطه تلامسها مع الكابه المستولده فوق حشد من الناس.” ومن غير سابق انذار يعلن مارلو في هذا الصمت الذي اعد بحذر:

“وهذا ايضا احد الامكنه المظلمه في الارض برغم من انه لم يكن هذا المكان يمثل الظلام العميق كما بدا لمارلو لاحقا مركز الارض،

ولكن النهاية الاقصى للعالم يمثل نهرا لونه كالرصاص،

وسماءا لونه كالدخان..”).
ويستخدم مارلو هنا نفس اللغه،

التي يستخدمها في وصف نهر “التايمز”،

في تصوير النهر الاخر العظيم في القصة وهو نهر الكونغو،

ويوحد بينهما باقراره بان كل الانهار والبحار تجري في بعضها بعضا.

وعلى هذا السبيل يربط مارلو كل البشر ببعضهم بعضا.

وهكذا يهيؤنا عن الكلاسيكيه المقلقه التي اكتسبها حين كان يشاهد المواطنين “يصرخون” ويرقصون على شواطئ نهر الكونغو،

وايضا من التجارب التي تعلمها من الزعم في ان العلاقه البعيده بين البشر قد اثبتتها “اللحظه الساميه”،

والتي احس بها حين مات قبطانه الزنجي.

وكان هذا الشعور يمثل الافتتاحيه التي تذكرنا والحديث هنا لمارلو “ان “دولتنا المتحضره”،

حيث الطبيعه عبارة عن نمط من انماط الهوله المهزومه،

والتي كانت في عصر ما يمثل الظلام والهوله عينها،

وكنا ذات مره بربريين.” وفي هذا الاستهلال يحاول مارلو ان يغرس في نفس القارئ نوعا من الاحساس الجواني للتضامن مع اهالي الكونغو،

وفي الان نفسه مع المستعمرين “المتحضرين”،

الذين لا يستطيعون مساعدتهم،

بل الارتباط بهم.

وهذا الشعور الذي يبديه مارلو ماخوذ من وجهه راي الغزاه الرومان،

الذين ابدوا اسفهم للمواطنين الشباب الخلصاء وهم يرتدون التوجه ثوب روماني فضفاض)،

وكان الرجال يتبعون ذلك عميا.
وفي خضم هذه اللحظه الانعطافيه يحس مارلو بهذا النزاع السيكلوجي في التعاطفات عند بداية رحلته الى افريقيا،

وبخاصة بعد تجارب العزله وسط البيض في “حي البيض” في بروكسل،

وعلى متن سفينه.

ومن هناك يشاهد القوارب على الشواطئ،

حيث يجدفها السود الصارخون وهم يتصببون عرقا،

والذين لم يكونوا في حاجة الى عذر في وجودهم هناك،

والذين هم كذلك كانوا بمثابه ارتياح عظيم لمارلو بمجرد مشاهدتهم.

ومن هنا لا نجد الغرابه في الارتياح او الاندهاش في مشاهدة صائدين يجدفون قواربهم،

او مواطنين محليين يستخدمون سبل تنقلهم المائي ليعبروا بها النهر من شاطئ الى اخر،

او يجدفون بمشقه وفي اشد ما تكون المشقه عكس التيار من قريه الى اخرى،

او يبحرون في اتجاه التيار بسهولة ايه سهوله من مدينه الى اخرى،

الا اولئك الذين ينظرون الى الانسان الافريقي كحيوان مستوحش ينبغي السفر الى افريقيا لمشاهدته وتصويره مثلما يفعلون مع الحيوانات الاخرى في الحدائق المحظوره المسوره.
والحال هذه،

فان اول التقاء بين مارلو والسكان المحليين كان في محطه الشركه،

وكان انطباعه الابتدائي هو ارتعابه عن تعاستهم وبؤسهم.

وقد استعظمت هذه المشاهد القوية في تاثيرها بواسطه خلفيه عدوانيه سيئه،

ونشاط سخيف يمارسه المستعمرون مثل تفجير الجرف من غير ذي جدوى والذي يذكرنا بجنون رجال الحرب الفرنسيين والقصف العبثي للاعداء المحليين الوهميين على طول الساحل الافريقي مخلفين وراءهم حفره واسعه والات صدئه،

وذلك في امر لا طائل تحته.

ومع ذلك،

قيدوا ما اسموهم ب”المجرمين” بالسلاسل حول اعناقهم،

حتى بدت ضلوعهم ومفاصلهم “كالعقد في حبل المسد”،

واستحالت الظلال السوداء للمرض والجوع الى كابه للشجر مخضره كنار تلظى.

بيد ان الموت يقف في وضع مضاد “للاستزعام”،

او الاسود المنبت المنفصل عن اصله،

وهو القروي المسؤول عن “المجرمين”،

وهو نتاج القوى الجديدة العامله،

والذي بوجهه السافل يعتوره النسيان لماسي الاخرين الذين تحت سطوته وجبروته،

ونجده فخورا كان بثقته المستعظمه المفرطه.

ونمط اخر مساو لذلك القروي “المستزعم” هو صبي مدير المحطه،

الذي اكل وشبع ثم شبع،

والذي سمح له المدير ان يعامل البيض جهارا من غير مواربه بوقاحه سمجه مستجلبه،

وهو الذي اذاع فينا بلهجه ازدراء جارحه بان “مسته مستر كورتز قد قضى نحبه.” وعلى هذا النحو،

ووسط خضم الاحداث والمشكلات والتعقيدات،

نجد ان السود عكس البيض:

فهناك المحاسب الشاذ كل الشذوذ بلياقته المبيضه بالنشا،

واكمام قميصه البيضاء،

وشعره المعتنى به؛

وهناك كذلك طلائع التقدم الاخرين الذين يفتقرون السلاسل الفقاريه.

وهؤلاء البيض يمرضون باستمرار،

ونسبة لجشعهم للعاج وحبهم للترقيه،

لتجدنهم ينخرطون في مؤامرات مستديمه ضد بعضهم بعضا،

ثم انهم لمسؤولون عن تفجير الجرف من غير ذي جدوى،

وذلك في محاكاه للعمل تهكميه.

انهم لمملوكون كما يبدو لمارلو وهو يقف على جانب الجبل المطل على “الدمار المستوطن” بواسطه شيطان ذي عين مترهله،

مدعيه،

ضعيفه،

والتي هي ميزه الحماقه الجشعه عديمه الشفقه.
ففي هذه الروايه يستغل كونراد مشاهد السود والبيض،

والضوء والظلام بعده طرق.

فالظلام هو الليل،

المجهول،

الكتيم،

البدائي،

والشر.

ومع ذلك،

حين وصل الى افريقيا قلبت الوان البشره العلاقات المقبوله في التضاد.

فالرجل الابيض فوق كل شيء يسعى سعيا حثيثا وراء العاج،

واشباع رغباته في حياة الرفاهيه الخلابه،

لانه يزعم تمثيل “الرجل الحضاري”،

والذي يعتبر جذور كل الشرور في الظلام،

والتي تقلق مضاجع البيض،

حتى اخذ هؤلاء مثل كورتز يمثلوها،

ونحن هنا نسترعى الذاكره الى “حي البيض” بمدينه بروكسل،

كما بدا جليا لماذا طفق مارلو عنصريا ضد المدينه،

ولا يستطيع التناسي،

بل التفكير فيها على هذا النحو وبهذا الاسلوب.
يبدا مارلو روايته عن كيفية وصوله الى افريقيا،

والتي هي نفس الكيفية التي بها ذهب كونراد بنفسه الى الكونغو العام 1890م،

والاحداث هنا تماثل تماما واقعيه كونراد.

ومثل مارلو كان كونراد قد عاد الى لندن بعد ست سنوات من الابحار في الشرق الاقصى:

اولا كرفيق اول في سفينه،

ثم كقبطان.

وبعد فتره من التسكع وضياع الوقت في التبطل،

طفق يبحث عن عمل في سفينه اخرى،

وكان هذا يعد عملا شاقا كل المشقه في الارض.

ثم ان هذا ليلخص شعور كونراد الشخصي في التجربه المريره الصعوبه في ايجاد الوظائف التي تخصص فيها).

وان هذا الاحباط لهو الذي يصيب المرء دوما حين يعجز عن العثور على عمل حسب التخصص الذي فيه تدرب.

ثم ان هذين القنوط والياس هما اللذان دفعا كونراد ان يهجر مهنته في الابحار في ذلك الردح من الزمان،

ويروح متخبطا،

على غير هدى،

في احياء المدينه وقد غشاه السام والملل.

هكذا لم تعرف حياة كونراد هذه اي استقرار مهني اونفسي،

او في اي مكان،

فهو كان قد عاشها دائم التنقل،

وغالبا هربا من وضع ما،

او بحثا عن شيء ما.

ومع هذا،

اخذت حلقات حياته تتالف كلها من فصول الموت والمرض والافلاس والصراعات النفسيه والترحال ومحاوله الانتحار.

وفي خلال فتره تسكعه هذه مهما يكن من شيء شرع كونراد يكتب روايته الاولى “حماقه الماير” 1895م)،

ومن ثم وهو في الحادي والثلاثين من عمره بدا ما اسماه فريدريك كارل “حياته الثالثه”،

اي حياة الكاتب كونراد.(1 فما هي قصة حياته الاولى والثانية

هذه حكايه اخرى،

ولسوف نبينها بعد حين.
مهما يكن من امر،

فلجوزيف كونراد حياتين:

اذ بدات هاتان الحياتين لجوزيف كورزينيوفسكي كبولندي وبحار،

حيث غير اسمه الى جوزيف كونراد،

لانه لم يكن يطيق النطق الخطا بواسطه الانكليز.

فقد ولد جوزيف كونراد العام 1857م في بيرديكزوف في اوكرانيا حاليا.

وقد ادرك وهو يافعا الروح العميقه للقوميه المكبوته في بولندا،

التي كانت تسيطر عليها روسيا،

والى حد ما،

الامبراطوريه النمسويه وبروسيا لاكثر من 60 عاما،

حتى لم يبق لها وجود كامه في حقيقة الامر،

الا في قلوب وادمغه الناس.

فقد تحدر كونراد من اسرة ارستقراطيه،

وكان والده ابولو كورزينيوفسكي متمردا “متجيشا” ضد الحكم الروسي،

وكان مثاليا رومانسيا كذلك،

ومترجما ثم انه كان كاتبا مسرحيا وشاعرا.

وبعد ميلاد جوزيف قصد والده قصيده “مهداه الى ابنه الذي ولد في العام الخامس والثمانين للاضطهاد الموسكوي”.

وفي العام 1861م انتقل ابولو واسرته الى وارسو حاضره بولندا وفي ذلك الحين من الزمان قفزت حركة المقاومه الوطنية الى قمتها في المصير المستميت للعصيان المسلح العام 1863م.

وقبل ذلك الردح من الزمان،

مهما يكن من شيء،

اعتقل ابولو بسبب نشاطاته التامريه،

ومع زوجه المريضه ايفيلينا بوبروفسكي وابنهما البالغ من العمر وقتذاك اربع سنوات،

تم نفيهم الى فولوقدا في شمال شرقي روسيا.

وهناك ماتت زوجه،

وعانى هو نفسه من اكتئاب مستديم،

مما تسبب في وفاته باكرا،

وترك الطفل جوزيف البالغ من العمر حينذاك احدى عشره عاما ليترعرع في كنف،

او تحت رعايه،

عمه المحافظ الثري،

تاديوس بوبروفسكي.

وحين بلغ من العمر 16 عاما ذهب الى فرنسا ليبدا حياته كربان سفينه،

لكنه تعرض لاحباطات مستمره،

ووقع في ديون باهظه،

حتى تراكمت كل هذه الاشياء ودفعته الى ان يطلق النار على نفسه في مدينه مارسيه بعد اربع سنوات:

اما الرصاصه ويا للعجب فقد اخترقت صدره لتخرج من ظهره مخطاه قلبه،

ومن غير ان تحدث ايه خسائر خطيره.

وبعد شفائه،

قرر كونراد ان يبدا بداية جديدة بانتقاله الى انكلترا ليجرب حظه في السفن البريطانيه،

واخيرا وبعد جهد جهيد اصبح اول بولندي يمسي قبطانا في الخدمه التجاريه البريطانيه.

ثم كان ذلك في السفن البريطانيه،

حيث تعلم كونراد اللغه الانكليزيه واتقنها،

حتى امسى فيها سيدا لا يشق له غبار،

وبات يكتب بها باسلوبه التطريزي المزركش وتعابيره الرائقه الرقراقه.
وهو ما يزال طفلا يافعا كان كونراد يشارك والده في مزاجه الرومانسي،

وكان يحلم بالرحلات والمغامرات.

وفي كتابة “السيره الذاتيه”،

الذي اخرجه للناس بعد عده سنوات لاحقه،

استذكر الاعجاب الذي كان يحمله وهو ما يزال طفلا غريرا ارعنا عن “قلب افريقيا الابيض”.

وبهذه العنصريه المقلوبه راسا على عقب،

تحدث كونراد عن تنبؤ طفولي غريب.

وكان ذلك العام 1868م حين كان يربو على تسع سنوات من العمر،

وكان ينظر الى خارطه افريقيا،

ويضع اصبعه على مكان فارغ اي منطقة شلالات ستانلي،

وكان يمثل لغز هذه القاره ومن ثم قال لنفسه في نفسه،

وبتاكيد مطلق وتهور مدهش:

“عندما اكبر لسوف اذهب الى هناك.” واذ قرر منذ موئل طفولته ان يصبح بحارا ومغامرا،

ومن ثم تحقق له ما اراد،

واضاف الى ذلك ان اصبح ايضا كاتبا كما سنرى لاحقا.

هكذا اعطى كونراد هذا الحلم الطفولي عن الكونغو الى مارلو،

وشرع يبحث عن قياده سفينه جديده،

وكذلك سمع عن شركة تجاريه تتاجر على نهر الكونغو،

وقرر ان يسافر الى هناك.

هذه هي نفس الفكرة التي امست تختلج في مخيله كونراد.

فبعد عودته من الشرق الى لندن كان هنري مورتون ستانلي مشغولا مشغوفا كل الشغل وكل الشغف بعملية اغاثه امين باشا حاكم مديريه الاستوائيه في عهد الحكم التركي-المصري في السودان 1821-1885م)،

والذي بات معزولا في احراش الجنوب السوداني عقب انفجار الثوره المهديه 1881-1898م)،

واخذ يجد اعلاما مستعظما،

وصيتا ذائعا في بريطانيا.

فقد عثر ستانلي الكاتب والرحالة على المبشر المسيحي المفقود الدكتور ديفيد ليفينغستون في ادغال افريقيا العام 1871م.

ففي السبعينيات من القرن التاسع عشر الميلادي توغل ستانلي في غابات افريقيا،

وتتبع لاول مره مجرى نهر الكونغو،

حتى وصل الى قلب هذه القاره السوداء.

وكان استظهاره الامكانيات التجاريه في المنطقة قد ادى الى تاسيس مشروع تجاري ضخم،

وقاد في نهاية الامر الى تكوين “دوله الكونغو الحره” وفي ذكر عبارة الحره تنزف قلوبنا دما.

وحين نطق اولئك وهؤلاء بعبارة “الكونغو الحره” كان عليهم ان يتحدثوا عنها باستحياء،

لانهم مسوا الناس والمنطقة بغير رفق ولا رافه،

وتركوا ماضيا تعيسا لم يعد من الممكن تغييره.

فقد كانت المنطقة كلها تحت اجراءات وتمويل المستثمر الملك ليوبولد الثاني ملك بلجيكا.

وفي بادئ الامر لم يبد الراسماليون البريطانيون رغبتهم في الاستثمار في هذه المنطقه،

مما نتج عن ذلك اسفهم وندمهم في نهاية الامر.

وكان الملك البلجيكي قد خول لنفسه سلطات وصلاحيات السياده على هذه الدوله الجديده،

والتي بقيت مهما يكن من شيء مستقله عن حكومة بلجيكا.

فقد قاد ستانلي الرحله الاولى للبلجيكيين الى هذا الاقليم لتاسيس محطات تجاريه ومراكز اداريه،

و”لاثبات ان مواطني الكونغو يمكن ان “يتاثروا بالحضاره”،

وان حوض الكونغو غني في اكثر ما يكون الغني بحيث يمكن تسديد من موارده قيمه الاستغلال”،

كما كتب ذلك في سيرته عن تجاربه “عبر القاره السوداء” العام 1878م،

وهو الكتاب الذي فيه ايضا اماط اللثام عن الاسترقاق في هذه القاره،

وكيف استحال النخاسون المواطنين الى شظايا مجتمع وفتات بشر.

ولكن هل تبلسم الكتابة جراح الماضي

كلا

ومن يقرا التاريخ سيدرك اننا لم نطلق هذا النقد اللاذع والسخريه الزاعقه الحارقه سدى.

وكذلك كتب ستانلي عن نضاله في البحث الحثيث عن امين باشا في تاليفه “في افريقيا الاكثر سوادا”،

الذي نشر العام 1890م،

وهو العام الذي فيه ذهب كونراد الى الكونغو.

ما اذا كان كونراد قد اطلع على هذين الكتابين ام لا،

الا انه لا ريب في ان رغبته في افريقيا قد استعرت بواسطه تجارب ستانلي الدراميه،

واكتشافاته الشهيره.(2)
ايا كان الامر،

فحينما وصل كونراد الى الكونغو كان الاخير قد اصبح من الممتلكات الخاصة للملك البلجيكي ليوبولد؛

اما “العمل الصالح المنجز باسم المسيحيه والتقدم” فقد تم نسيانه او تناسيه وسط تزاحم المكتنزين الاوربيين.

وقد افرز هذا التصارع المذموم،

وذاك التسابق المحموم حول الثروه والمال في الكونغو ما يمكن نعته بالجشع والقساوه الاكثر قبحا،

ونشاطات النفاق والرئاء في الاستغلال الاستعماري في القرن التاسع عشر من الميلاد،

والذي نعته كونراد في مقال له بعنوان “الجغرافيا وبعض الرحاله” ب”التسابق الاقذر للنهب الذي شوه تاريخ الضمير الانساني،

والاكتشاف الجغرافي الى الابد.” ولعل روايه “قلب الظلام” ليست مجرد روايه عاديه،

بل سيره ذاتيه تجري وقائها في منطقة فضاؤها القسوه العابثه والعدم،

والرجاء الذي هو كسراب بقيعه،

حيث قضى الكاتب ردحا من الزمان هناك.

اذ ينطوي هذا الكتاب على ضنى في تجربه الكتابة المتمثله في انعكاس لذلك الضى الذي تميزت به تجربه الحياة في معسكرات اذلال المواطنين الكونغوليين بكل اهوالها التي تخرج عن نطاق الوصف،

وبخاصة ان الوصف في هذه الحال ليبدو مؤلما.

ومن هنا ايضا يرسم الكاتب صورا متنوعه ذات ملامح سياسية وقوميه واجتماعيه،

كانت بمنزله القضايا الشائكه في هذا الوطن المترامي الاطراف،

والتي دفعت المواطن الى السقوط في بئر عميقه من الاحباط والياس،

حيث يموت البشر كما كانوا يموتون في العصور الوسطى،

وسط الرعب وقرقره البؤس.
هذا،

فقد كانت رحله كونراد الى الكونغو قصيرة وماسويه في الان نفسه.

اذ تدهورت صحته ايما التدهور،

وشعر في اعظم ما يكون الشعور بالوهم والفشل.

فقد دخل هناك في ازمه شخصيه شديده،

واصطدم بالاضمحلال الاخلاقي والعاطفي؛

وقد اثبت ذلك في خبرته الجديدة ككاتب.

ومن خلال خالته الروائيه،

وجد كونراد وظيفه كقبطان في باخره تابعة “للشركة البلجيكيه المجهوله للتجاره في الكونغو الحره”،

والتي كانت ستاخذ الرحله الاكتشافيه بقياده الكسندر ديلكميون وهو كان اخا لمدير الشركة في كنشاسا محطه كونراد الرئيسه الى اقليم كاتنغا.

وفي بادئ الامر ابتهج كونراد المغامر بهذا المشروع،

لانه كما بدا له انه لسوف يكون قد ساهم في الاكتشاف الذي شرع فيه ستانلي في باطن افريقيا.

مهما يكن من الامر،

فحين وصل كونراد الى كنشاسا نشات هناك عداوه مباشره بينه وبين مدير الشركه،

كميل ديلكميون.

فقد اخذ كونراد ينعته باحتقار في القصة ويلومه على الايام المؤجله،

وعلى اخفاق فريق الانقاذ في الوصول الى كورتز في الوقت المناسب لانتشاله من براثن الموت.

وفي الحق،

يبدو ان ديلكميون قد اشتاط غضبا من تاخير كونراد في الوصول الى العاصمه كنشاسا من مدينه ماتادي،

حيث ان الطريق الطويله تاخذ دوما اقل من عشرين يوما،

بينما استغرق كونراد 35 يوما،

وكذلك استاء وغضب كونراد الاستياء كله والغضب كله من استقبال ديلكميون البارد له.

وبرغم من ان الباخره،

التي كان يقودها قد اصابها عطب،

الا ان كونراد لم يبق في المكان لمدة ثلاثه اشهر مثلما فعل مارلو،

ولكن في الواقع بعد يوم او يومين انطلق الى اعلى النهر مع كميل ديلكميون على متن باخره مختلفة تحمل اسم “ملك بلجيكا”،

وكان كونراد،

الذي كان زائدا عن العدد المقرر او المطلوب،

موجودا على متنها ليراقب ويتعلم الملاحه في النهر من ربان ذي خبره.
وكان هذا السفر ما هو الا رحله روتينيه بالنسبة الى ديلكميون،

حيث انتهت في زمن قياسي،

وليس كما قطعها مارلو في الروايه.

وكان اصطحاب الوكيل “كلين”،

والذي كان سقيما بالدسنتاريا في شلالات ستانلي،

وقضى نحبه في مجرى اسفل النهر،

ما هو الا حدثا عارضا.

فلم يكن يحمل “كلين” شبها ل”كورتز” ابدا كما كان يزعم.

وابتنيت شخصيه كورتز،

في حقيقة الامر،

على رجل يدعى هوديستر،

وهو كان وكيلا ناجحا لشركة ورحاله،

ثم انه كان عضوا في “نقابه مجرمي الفضيله”،

الذين كانوا يستهجنون كل الاستهجان الرق والعادات البربريه،

علاوه على انه كان منافسا ل”ديلكميون”.

وبالطبع والطبيعه،

فقد سمع كونراد عنه من حديث القيل والقال في المحطات.

وكان مقتله العام 1892م،

خلال تمرد العرب والسكان الاصليين حينما كان في رحله لتاسيس المصانع،

وقد نشر نبا وفاته واذيع عنه في الناس بكثرة في الصحف الانكليزيه،

وفي ذلك الحين كان كونراد يتواجد في لندن.

اذ لم يملك،

مهما يكن من شيء،

روحا غير شرعيه خادعه تفوق الحدود التي تسمح بها الامال والرغائب مثل كورتز،

ثم انه لم يكن من نمط البشر المؤله وسط “المستوحشين” الذي مثله كورتز،

هكذا كتب احد النقاد الادباء.
وحين مرض كونراد بالحمى والدسنتاريا ولازم سرير المرض في اغلب الاوقات،

احيط علما بواسطه كميل ديلكميون بانه سوف لا يكون على راس الباخره التي تقل الفرقه الاستكشافيه الى اقليم كاتنغا،

ثم انه لسوف لا يكون قبطانا في باخره نهريه عاديه،

وذلك كما كتب كونراد الى خالته:

“ليس لي امل في الترقيه،

ولا في زياده الاجر في الحين الذي فيه يبقى ديلكميون هنا،

بالاضافه الى ذلك،

انه لقد قال سوف لا يلتزم هنا ابدا بالعهود المبرمه في اوربا.” وبعد ذلك الحين مباشره امسى كونراد سقيما في اشد ما يكون السقم،

وغادر الكونغو عائدا الى بروكسل حاضره بلجيكا بشعور مرير من الاخفاق شديد.

ومن ثم انتهت رحلته الماسويه الى الكونغو بتفاصيل شخصيه،

ولا شيء غير الرنين الكئيب،

وظاهريا من غير مواجهه او مقابله شخصيه رديئه الرداءه العظيمه مثل كورتز.
وفي خلال قصة الكونغو،

تعرض كونراد بحال ما الى تجربه استناره شبيهه بتلك التي تعرض لها مارلو،

ودخل في عملية النمو عبر خيبه الامل والهزيمه،

وهو نمط الهزيمه الذي ساقه الى حافه البقاء اي بقائه الشخصي وليس بقاء الحضاره،

والذي انتج فيه فهم عريض وعميق بالبشر،

وبخاصة نواحيهم السويداء.
برغم من ان تجارب كونراد الشخصيه تمثل المادة الخام للقصه،

الا ان كونراد في محاولته للتعبير عن تطوره من المثاليه الى خيبه الامل والفهم الاعمق عن طريق السرد الخيالي قد شوه التجربه الفعليه بطرق عديده.

اولا،

انه جعل مارلو مستريبا من الوهله الاولى،

كما نراه في تردده وريبته في المشروع في بروكسل،

وكذلك ارتاى كونراد في فرصه الذهاب الى الكونغو حقائق مثاليه لتحقيق حلم الطفوله الذي ذكرناه لكم انفا.

فقد ذهب وهو ممتلئ بشوق مثالي ورمانسي.

ثانيا،

حاز مارلو على دور اكثر اهمية وعملا في القصة من كونراد،

الذي لم يكن اكثر من مراقب ومستمع للقيل والقال،

والذي ربما وجد فكرة شخصيه كورتز من صحيفه.

وبتنصيب مارلو قبطانا للباخره صيره كونراد مسؤولا مباشرا لعملية انقاذ كورتز،

وكذلك حياة كل الاشخاص الذين على متن الباخره،

وهكذا يعطي سرد الشخص الاول للقصة بواسطه مارلو قوه عظيمه انيه.

ثالثا،

انه قد بالغ في تصاوير وتواصيف عزله وبدائيه اهل الكونغو.

وبارجاعهم الى عصر ما قبل التاريخ،

حتى اختفت مستوطنات كبيرة لتحل محلها قرى السكان الاصليين ومراكز تجاريه صغيرة ضائعه،

والملاحه عبارة عن امر اكتشاف القناة الصحيحه،

واستشعار سبيل الفرد عبر المجرى المائي المجهول،

حيث كان كونراد يدرك انه نهر مزدحم ايما الازدحام.

رابعا،

لقد اعطى كونراد رحلته الى “قلب الظلام” مثل ستانلي في رحلته البحريه الانقاذيه نمطيه اسطوريه،

وجعلها موضوعا للقياس للتنميه الروحيه-العاطفيه لمارلو.
وقد راى كثر من النقاد انها رحله الى النشاطات العقليه تحت عتبه الوعي مباشره عند مارلو،

او الدووعي العام،

او كما ارتاى البيرت جيه قيرارد رحله سيكلوجيه انثروبولوجيه “ليليه”.

وبهذه العبارة كان يعني قيرارد:

“اسطوره متعلقه بالطراز البدائي،

وممسرحه في ادب عظيم العظمه كلها منذ كتاب قصة سيدنا يونس عليه الصلاة والسلام):

وهي قصة رحله العزله الرئيسه،

التي تنطوي على تغير روحي عميق عند المسافر في هذه الرحله البحريه).

وفي شكلها الكلاسيكي،

فان الرحله لعبارة عن الهبوط الى الارض،

وتتبعها العوده الى الضوء.”
وعندما نعير الانتباه للواقع السطحي لقصة مارلو،

او تفاصيلها البرانيه ينبثق المعنى الجواني.

ومن هذا المنطلق استطاع كونراد ان يخلط الاخلاق بالمغامره في رواياته،

وباسلوب فريد.

ففي توطئه لروايته “زنجي نارسيسوس” 1897م وصف كونراد اسلوبه،

وسرد اخلاقه الشخصيه فيما يختص بفن الروايه.

ويبدو هذا الاسلوب واضحا الوضوح كله في تصاوير الرحله اعلى النهر،

مع تركيز دقيق على تفاصيل العواطف والافعال.

وهذا بالمقابل يسلط نوعا من الاضواء على ما يحدث في الان نفسه في جوانيه مارلو،

وهو نفسه مضطر كل الاضطرار ان يبدي انتباها مستمرا الى الواقع السطحي في نضاله للحفاظ على السفينه على سطح الماء وابحارها اعلى النهر.

وهذا سينقذه من اغراءات البريه،

التي هو مثل كورتز عرضه لها.

ان الواقع السطحى لهو الذي ابقى مارلو بعيدا عن اختيار البريه مع كورتز،

وليست قوه صوته الداخلي،

ولا قيده الداخلي،

وهو موضوع رئيس في القصه.

اذ لم يكن لكورتز وسائل ضبط النفس،

ولا عمل سريع مثل كورتز،

ولا عقيده روحيه.

وكان تطرفه واعتقاده مضادان للايمان الصادق،

والذي كان يعتقد مارلو انه مرغوب في سبيل تبديد الظلام.

ومن خلال قيام الروح الاخلاقيه والاندفاع الجشع نحو المال والسلطه،

لم يستطع مارلو التعاطي مع القوى البربريه والحقود في جوانيته،

والتي تخرجها البريه الى الناس.

وكان دفاعه الوحيد هو الفصاحه،

التي لم تكن كافيه،

كما شهدت الرؤوس على الاعمدة خارج منزله.

اذ ان الفصاحه توضح ان كورتز يحتاج الى وسائل ضبط النفس في سعيه الحثيث وراء شهواته المتباينه،

وكذلك لان هناك شيئا مرغوبا في جوانيته شيئا صغيرا،

والذي حين تتبين الحوجه الملحه له،

سوف لا تجد له وجودا تحت بلاغته البارعه،

برغم من ان الكلمات ليست ادوات لنقل المعاني فحسب،

بل هي اسلحه دفاعيه ايضا.
وعلى هذا النحو،

يفتقد احد الربابنه المنبتين المحليين معايير ضبط النفس،

وبذلك يلقي حتفه.

وفي الحق،

لم يكن لاي شخص في القصة سبل ضبط النفس،

الا الرجال الاكثر بربريه،

اي اكلي لحم البشر الذين هم يتضورون جوعا على متن الباخره،

والذين ادهشوا مارلو بحقيقة انهم يستطيعون ان يضبطوا انفسهم من التهام “الحجاج” بينهم بنهم.

فضبط النفس اي ضبط النفس ليس هو بالدووعي،

او الاشمئزاز،

او الصبر،

او الخوف،

او نوع من الشرف البدائي.

فليس هناك خوف يمكن ان يقف في وجه الجوع،

ثم ليس هناك صبر يمكن ان يهلك الجوع.

اما الاشمئزاز فانه غير موجود متى ما وجد الجوع،

اما قوى ما وراء الطبيعه،

والشعوذه،

والمعتقدات،

وكل ما يمكن ان تسميه المبادئ كلها اقل من القشره في الهواء الخفيف.

اذ يكلف المرء كل قوته الفطريه لكي يقاوم الجوع كليا.
على ايه حال،

فقد خلفت الروايه جدالا واسعا وسط النقاد عن طبيعه “الظلام” بالتحديد.

فعدم وضوح الرؤية الذي يصاحب الكلمه قد ترك هكذا عمدا من ناحيه،

وهو الفشل من ناحيه اخرى.

فالظلام يعنى اشياءا كثيره:

انه ليعني المجهول،

والدووعي،

وانه ليعني الظلام الاخلاقي،

والشر الذي ابتلع كورتز،

ثم انه ليعني الفراغ الروحي كما يراه في مركز البقاء،

ولكن وفوق ذلك كله فانه اللغز ذاته،

اي لغز حياة الانسان الروحيه.

ولابداء او استظهار كل هذا فان كميه محدده من عدم الوضوح لهي مطلوبه.

وهذا اللغز كما يتخيله كونراد يمسي كبيرا جدا لحدود القصة ومارلو،

وذلك في محاولاته في تصوير الذي لا يمكن تصوره،

حيث يفقد السيطره على كلماته ويجنح الى عدم المعنى الواقعي حين يحاول ان يوضح جوهر تجربته عن طريق الاقتراح،

وكانت النتيجة شعاعا باهتا غير مفهوم،

بل ضبابا من الصفات المبهمه التي تصبح كثيفه كلما اقتربنا الى القلب والى كورتز معا.
وفي كتابة “التقليد العظيم” انتقد في ر ليفيز الروائي كونراد لعدم وضوحه واستخدامه الطاغي للصفات بصورة غير دقيقة فعلى سبيل المثال:

استفاضته في استعمال مفردات مثل “غامض؛

مبهم؛

ملغز”،

و”لا يتخيل؛

لا يتصور؛

لا يصدق”،

و”لا يوصف؛

لا يصح ذكره؛

رديء جدا”،

وتساءل ليفيز:

“هل اضافت هذه العبارات شيئا الى الطبيعه الاضطهاديه في الكونغو؟” فربما اضطرته الحال الى استخدام هذه المفردات لانه حاول جاهدا ان يغوص في اعماق الاشياء،

حتى المجرده منها بما فيها “قلب الظلام”،

وحينما راى ان الاسماء غير كافيه او غير كفيله بتبليغ الرساله اياها،

او المعاني التي يود توصيلها عمد الى الاستعاضه والاستعانه بهذه الصفات القوية في معانيها ومضامينها.

فمن الملاحظ انه من الناحيه الاسلوبيه والطريقة الفنيه للسرد نجد ان هذه الروايه وعلى عكس ما هو مالوف في الروايات عاده ان التواصيف جاءت مستكثرة على حساب السرد،

حتى بات الزمن السرمدي قصيرا جدا،

وكان يكفي بضع صفحات للوصول الى ما يريد النص الوصول اليه،

لولا تلك الوقفات الوصفيه الغزيره في الروايه،

التي ابطات وتيره السير السردي غير مره،

مما جعل الروايه اقرب الى لوحه من الالوان والزخارف ذات اللمسات النعتيه العميقه التي يمكن فصلها عن سيروره الاحداث،

لانها طغت وكادت ان تجعل السرد كلمات متقاطعه.
ومع ذلك،

تبقى شخصيه كورتز لغزيه في اقرب الاحوال مثل الظلام نفسه،

الذي يعيش فيه.

برغم من الاستخدام المركب للقصاص،

الا انه يعطي الحال الموضوعيه للقصه،

ثم انه ليضيف جوا من عدم الوضوح والقنوط في الوصول الى قلب الشيء،

ويترك القارئ على بعد معتبر من القصه.

وهذا بالضبط والربط هي الحال مع نمو شخصيه كورتز.

فالقاص في القصة اي كونراد نفسه يحططنا علما عما قال له المنفصل مارلو عما قال له المهرج الروسي وبعض الناس عن كورتز.

لذلك كانت الامال المبالغه التي يحملها مارلو عن كورتز مبنيه في الاساس على اشاعات المحطه،

ولذلك بقي كورتز بالنسبة لمارلو،

ولنا كلنا اجمعين اكتعين،

مجرد “اشاعه”،

او “كلمه”،

او بصورة اكثر قوه في نهاية الامر “صوتا”.

انه لم يكن شخصيه حقيقيه.

وان كرتز بالنسبة لمارلو لهو الموضوع الرئيس لهذه الرحله النهريه،

لانه يعتقد ان كورتز هو الرجل الذي يمكن ان يشرح له درس الظلام.
وفي هذه الاثناء التي فيها شرع مارلو يتحدث الى كورتز،

كان كورتز نفسه قد بات سقيما في اشد ما يكون السقم،

وامسى مضطربا الاضطراب كله بحيث اصبح لا يستطيع ايضاح اي شيء،

ولا يقدر على ان يبين من امره شيئا،

برغم من ان مارلو كان قد ادرك اثناء رحلته اعلى النهر انه بات من الامر الميؤوس ان يتحدث ويستمع الى كورتز على ايه حال.

وذلك لان حتميه هذا الامر تقع عميقا تحت السطح،

وبعيده عن متناول فهمه واستيعابه،

وخارجه عن دائره قوته الفضوليه.

ومن هنا يدرك مارلو انه لا يستطيع فهم اسرار الظلام وفك طلاسمه،

وان ثمن فهمه،

او التشبث في حل الغازه،

لهو من جنون الروح الذي يسيطر على كورتز.

ومن هنا ايضا يقرر مارلو على انه من الافضل ان لا يغوص في اعماق الواقع السطحي ان اراد ان يبقى حيا،

ويبقي جسمه سليما من الاذى.
هكذا لم يكد مارلو ان يتجرا في الغوص تحت السطح ابدا،

وانه قد حرمت عنه المعرفه الذاتيه عن كورتز،

الذي افلت من المازق والموت،

وافلح في ان يجرجر الى الوراء قدمه المتردده.

اما كورتز فان معرفته الذاتيه وصرخه النصر “الرعب

الرعب!” هما نصر متناقض:

انه لتاكيد النصر الاخلاقي الذي يتحقق بعد عده هزائم،

وبواسطه انماط ارهابيه قميئه،

واكتفاءات سيئه.

ولكن في هذا النصر يتجسد فشل الانسانيه،

لانه ليست هناك فصاحه يمكن ان تذبل في اعتقاد احد من البشر في واقع الامر،

وهذا هو الواقع اليومي للناس في بروكسل،

على سبيل المثال والذي يبدو كانه ازدهاءات مفرطه من الحماقه لا تطاق او تحتمل في وجه الخطر الذي لا يستطيع الشخص ادراكه،

والذي هو في حقيقة الامر غير واقعي.

وبالنسبة للبشر فان الظلام لهو الفوضى الجوانيه المكبوته في الاعماق،

والتي يستحيل كما يختتم مارلو تفسيره،

ومن الافضل ان لا نتخيله.
غير ان الكتابة الروائيه لم تكن هم كونراد وشاغله الوحيد،

فهو اضافه اليها كان كونراد اديبا مبدعا في كتابة القصة القصيره،

وكاتبا بارعا في فن تاليف الحكايه القصيرة ايضا اكثر من ان يكون روائيا.

فانه فوق كل شيء لم يستطع ان يتعاطى مع توتر الروايه باكملها،

وذلك باستثناء روايه “نوسترومو” 1904م).

اما روايه “قلب الظلام” 1899م مهما يكن من شان فبرغم من انها روايه صغيرة في حجمها،

حيث يبلغ تعداد كلماتها 38000 كلمه،

لا يبدو فيها تخفيف التوتر.

فالمؤامره مرتبطه مع بعضها بعضا بدهشه ايه دهشه،

والحركة مزاج مشدود بين التاجيل من ناحيه،

والتردد من ناحيه اخرى،

وتجنبت الروايه ما يمكن ان نسميه اخفاق كونراد العظيم،

اي عدم مقدرته في اختلاق شخصيات نسائية مقنعه،

وذلك بالاحتفاظ بالمراتين الوحيدتين في القصة في الصفوف الخلفيه.
وفي روايه “قلب الظلام” استخدم كونراد وصديقه الحميم مادوكس فورد،

الذي تعاون معه في اعمال اخرى في الحين الذي فيه كتبت روايه “قلب الظلام”،

“نظريه الخيال” Theory of fiction).

اذ يصف فورد،

صاحب كتاب “جوزيف كونراد:

ذكرى شخصيه”،

هذه النظريه بانها في حال كتابة الروايه فقد اتفقا على ان ايه كلمه تكتب على الورقه ايه كلمه تكتب على الورقه ينبغي ان تحمل القصة الى الامام،

وكلما تقدمت القصه،

يجب ان تحمل القصة الى الامام بسرعه اكثر فاكثر،

وبكثافه اكثر فاكثر.

وتسمى هذه النظريه بالفرنسية Progression d΄effet)،

حيث لا توجد لهاتين المفردتين ما يضاهيهما في اللغه الانكليزيه.

وهذا بالتاكيد صحيح في حال “قلب الظلام”،

والتي برغم من تقلبات الزمان تسير الروايه الى الامام باثر تراكمي،

ولحظه تتسارع كلما اقتربنا نحو القلب.

فقد شرع كونراد في تعلم الانكليزيه حين بلغ من العمر عشرين عاما.

وبرغم من اجادته البارعه لها كان والحديث هنا لفورد يزدريها كلغه لكتابة النثر،

معترفا بانه من المستحيل كتابة تعبير مباشر بالانكليزيه،

وذلك لان كل المفردات الانكليزيه عبارة عن الات للعواطف الباهته المثيره.

فالمفرده الفرنسية تحمل معنى واحدا،

اما الانكليزيه فتحمل اكثر من معنى.

لذلك قال كونراد:

“انه كان يفضل ان يكون كاتبا روائيا فرنسيا،” ولكن جاءت الفرصه متاخره جدا بحيث لم يكد يستطيع ان يغير حاله.

وفي الحكايه يسرد مارلو القصة بالتسلسل المباشر غير المباشر،

والذي فيه يبدو مارلو كانه يسرد الاحداث بتسلسل تاريخي،

لكنه في حقيقة الامر لا يفعل ذلك.

فالقصة لا تسير حسب تسلسل الاحداث،

بل حسب تسلسل افكار مارلو.(3)
فروايه “قلب” الظلام”،

التي كتبت في العام الاخير للقرن التاسع عشر من الميلاد،

تعتبر اول روايه في القرن العشرين،

وذلك بمناخها المشبع بالشك وعدم الوضوح،

وضياع الثقه الاخلاقيه،

وحوجتها في الاعتقاد وسط البريه الاخلاقيه،

واكتشافها الى الدووعي،

وتوكيدها للحريه الفرديه.

ولعل الجشع الاستعماري والاضطهاد الامبريالي في القصه،

والفجوه الفسيحه بين رغبات الانسان الخيره،

والمثل العليا من جانب،

وما يقوم به فعلا من جانب اخر يشي بمقاربه مرعبه،

وهذا ما اسماه مارلو “احتلال الارض”،

والذي ما يزال مستمرا الى يومنا هذا،

وانه ليس بالشيء الحميد ابدا حين نمعن او نديم النظر فيه.

واحتلال الارض هنا يعني دوما اخذها عنوه واقتدارا من الذين يحملون ملامح مختلفه،

او انوف مسطحه الى حد ما،

او سحنات لا تشبه تلك التي عند الغاصبين.

فما الذي يمكن ان ينقذ هذا الاستغلال

انه لهو الفكره،

الفكرة في خلفيتها النبيله،

وليس الادعاء الاستعطافي،

ولكن الفكرة الخيره،

والاعتقاد غير الاناني في الفكره،

ثم انه لهو الشيء الذي يمكنك ان تؤسسه،

وتسجد امامه،

وتقدم له قربانا.

فالامبراطوريتان البلجيكيه والبريطانيه قد اندثرتا،

ولكن اخريات قد حلت محلهما.

فقد حل محل العاج الابيض،

الذي كان يستخرج من اشجار بعينها في الكونغو،

النفط الاسود كمادة رئيسه للنهب،

وهناك اخريات بالطبع.

فالتقدم او بالاحرى لنقل مزاعم التقدم هو احد منها.

هذه الفكرة المقدسه التي تفضي الى القول بان كل ما نفعله عرضه للتحسين،

وان للبشر حركة الى الامام مستمره،

ولا يزال الانسان يسيطر على المجتمع،

وبما انه بدا يفقد هذه السيطره قليلا قليلا،

وذلك حين اخذ الوعي ينتابنا عن كوارث ما نسميه التقدم وامسينا اكثر تواضعا في وجهها،

لم نغلق الابواب على مصاريعها بعد في وجه ما اسماه مارلو بمراره “مزبله التقدم”.

فهناك كثر من اناس خيرين مثل كورتز يودون تطبيق الفكره،

ولكن ان الفجوه بين افكارهم من ناحيه،

وما يفعلونه من ناحيه اخرى لمتسعه.

وان الظلام،

كما راه مارلو في نهاية المطاف،

لمحيط بنا تماما،

وكذلك انه لفي دواخلنا.

ثم ان المشكل لهو من ذا الذي يحمل معايير وسائل ضبط النفس الضرورية لحله.

لقد بدا مارلو بداية اخلاقيه،

وبمقاصد نبيله،

ولكنه في نهاية الامر لم يستطع ان يحافظ على مثالياته،

وذلك حينما امتلك سلطة مطلقه.(4 الم نقل لكم ان السلطة لتفسد،

وان السلطة المطلقه لتفسد فسادا مطلقا Power corrupts,

and absolute power corrupts absolutely

ومارلو هنا انسان يحمل تناقضات البشر،

عيوبهم واحزانهم،

خوفهم وبطشهم،

نهمهم وتحفظهم،

بل واكثر من هذا يحمل الى حد الافراط كل تلك القدره على ان يكون وحشا وحنونا في الوقت نفسه.
ومن هنا نستطيع ان نقول ان جوزيف كونراد 1857-1924م المذكور هنا،

ليس بالبطل الثوري الاسطوري،

بل اديبا روائيا.

وهو ذلكم الطفل البولندي الذي تربى على الطبيعه البولنديه البارده،

وصعقه المجتمع الغربي منذ بداية حياته الشبابيه،

وعاش كل نجاحاته،

انطلاقا من خيبته واخفاقه المؤكدين في مقتبل عمره،

حتى كادا ان يؤديان الى هلاكه.

ولكن من جحيم هذا الفشل في بادئ الامر انطلق منتصرا ليمسي امثوله روائيه بين ليلة وضحاها.

ولم يكن ذلك كله بالصدفه بالطبع،

فلا ريب في ان البارعين العظام لا بد ان يكونوا قد مروا بتجارب مريره محبطه كادت ان تدمرهم نهائيا.

ومن الذين دفعهم الياس الى سوداويه حياتيه قادتهم الى محاولات الانتحار هو ذلك الموسيقي الالماني الذائع الصيت روبرت شومان 1810-1856م والاديب الفرنسي الالمعي فرانسوا رينيه اوغست دي شاتوبريان 1768-1848م).

والمهم هنا ان كونراد قدم لنا اعمالا روائيه باشكال اخاذه يبلغ تعدادها 20 روايه.

اذ صار جزء منها اوبرا،

وعكفت شركات السينما الكبيرة على تلفزه وافلمه بعضا منها،

حيث حققها مخرجون كثيرون معظمهم من اصحاب الاسماء الكبيرة في السينما الامريكيه).

فبالاضافه الى الاعمال التي ذكرناها سلفا والتي سنذكرها لاحقا،

والتي سوف لا نذكرها هنا كتب كونراد “حقير الجزر” 1896م)،

و”العميل السري” 1907م وروايات اخريات.

فلا شك في ان المواضيع الرئيسه في اعمال كونراد الذي اهتم،

اكثر ما اهتم اي روائي اخر،

بالكتابة عن المغامرات تتركز حول الرحلات والنزاع،

وبخاصة في “نوسترومو”،

و”اللورد جيم”،

و”قلب الظلام”،

و”زنجي نارسيسوس”.

واكثر اعماله المقروءه قد كتبت في الفتره الوسطى،

والتي تمتد بالتقريب في الفتره ما بين 1899-1911م).

ففي هذه الفتره كتب كونراد “الشباب”،

و”قلب الظلام”،

و”اللورد جيم”،

و”الفرصه”،

والتي فيها يمثل تشارلي مارلو الشخصيه المحوريه.

وفي كثر من اعماله حاول كونراد ان يتحرى العلاقه بين الولاء للقيم الاجتماعيه من ناحيه،

وبين الولاء للفرد من ناحيه اخرى،

لكنه لم يكد يستطيع ان يصل الى نتيجة مؤكده.

ففي ببعض اعماله مثل “اللورد جيم”،

و”نوسترومو”،

و”تحت العيون الغربيه” 1911م وقف الى جانب الولاء الى الفرد.

والفرديه،

كما انضجها الفكر الانساني الحديث،

والتجارب العملية في كنف الدوله الديمقراطيه الحديثه،

نقيض الانانيه والانغلاق على الذات؛

فالفرد الانساني الذي تنسب الفرديه له،

تواصلي وتبادلي،

او حامل لامكانيه التواصل والتبادل في مختلف مجالات الحياه،

ويمتاز بالمعرفه والعمل والحب،

وهي حدود وجوده الانساني.
اما في روايه “نهاية الامل” 1902م)،

التي اعتبرها بعض النقاد اقل اعماله بريقا،

فقد حاول كونراد ان يغوص في الازمات الاخلاقيه والنفسيه،

ويتحرى عده قضايا هامه بطرق فريده،

ويوضح ان البشر ليس لهم سلطة على مصائرهم،

وهم في نهاية الامر تحت رحمه تقلبات القضاء والقدر في حيواتهم الدنيا.

اما روايته “زنجي نارسيسوس” والزنجي هنا بمعناه العنصري الاحتقاري فهي من افضل اعمال كونراد في فتره حياته الاولى.

فلولا عنوانها الطارد،

ربما كانت قد قراها كثر من الناس وباستمرار اكثر مما يقدم عليها القراء الان.

وربما كان هذا العنوان المقيت ايضا هو الذي دفع الناشر في الطبعه الامريكية الاولى ان يعيد نشرها باسم “اطفال البحر”.

وفي وقت ما كانت هذه الروايه هي اكثر مؤلفات كونراد قراءه،

وذلك نسبة لانها موجزه من ناحيه،

ولان بها عينات من المغامرات البحريه من ناحيه اخرى،

ولان بها ميزات ادبيه من ناحيه ثالثه،

حيث كانت تسترعي انتباه كثر من الناس.

ففي هذه الروايه يعالج كونراد قضايا هامه،

وبخاصة مفاهيم العزله الانسانيه والتضامن الانساني،

فضلا عن مسائل العرق.

فبما ان الرابطه الجماعيه هامه وسط الناس في سبيل البقاء،

فقد استعان بها قباطنه السفينه “نارسيسوس” من اجل البقاء،

الا ان الربان جيميس ويت المتحدر من اصول افريقيه قد ادخل الربابنه الاخرين في ازمه اجتماعيه انسانيه اخلاقيه.

فمن جانب كان ينبغي على طاقم السفينه تضمين جيميس في مجتمع السفينه،

ومن جانب اخر بقي جيميس خارج اطار هذا المجتمع الكبير نسبة لارثه الافريقي.

اذ كان عليهم حمايته كاي فرد اخر من افراد الطاقم حتى لو ادى الامر الى عرض حيواتهم كلهم اجمعين ابتعين للخطر والهلاك،

لكنهم في الان نفسه كانوا يبدون نوعا من الاشمئزاز منه،

لانه كان يمثل الموت بالنسبة لهم،

هذا من جانب.

ومن جانب اخر،

بسبب التفرقه العنصريه ضده.

والمهم هنا ان كونراد يدلنا الى مقدره لا شك فيها على الغوص في دقائق اهتزازات النفس وارتجاجاتها،

وتذبذب الفكر بين شتى الاحتمالات والبدائل،

مع ارتباط متواصل على طول الروايات بالاوضاع السياسية والاجتماعيه معا.

وتمثل هذه الاعمال في احسن اعتباراتها فتنه التناسل واللعب على الكلام،

النبش في المناطق الخبيئه للعواطف الانسانيه والاهواء الذاتيه،

والتلذذ بالتناقضات الاجتماعيه والموروثات الثقافيه.
اما روايه “قلب الظلام”،

فلعمري لم نر تاليفا استكثر فيه الكاتب وتزيد في العنصريه على هذا النحو وبهذا الشكل او النمط.

فلا تكاد العنصريه السمجه تسيل في لعابه،

وتجري في دمه،

وتخرج منه زفيرا،

وتتصبب منه عرقا حتى ظننا ان قلبه لسوف ينفطر كراهيه للانسان الافريقي الاسود.

الم تر كيف اشار الى الشجار الذي نشب بين مواطنين في السوق الشعبي في الكونغو،

حيث ادى هذا النزاع الى مقتل احدهما،

وكان النزاع المستميت هذا حسب روايه الكاتب حول “دجاجة سوداء”

فان في الاشاره الى الدجاجه،

وهي حيوان انثى،

لفيها احتقار الى كل شيء انثي.

اما الازدراء والاحتقار الحقيقين فيكمنان في سواد لون الدجاجه،

وكان كل شيء اسود انسان افريقي كان ام اي حيوان او “الظلام” ليس بذي قيمه،

ولا يستحق هذا الاقتتال والموت في سبيله،

حتى لو كان حقا مسلوبا،

او عرضا منتهكا،

او معتقدا مدنسا.

ولعل استحضار هذا النوع الفاقع من العنصريه في العمل الادبي هو الذي قادنا الى نعته ب”توحش عنصريه” الرجل الابيض في روايه.

وقد شاع هذا النمط من العنصريه القميئه في عقابيل حذر وتجريم تجاره الرق عند الغرب في القرن التاسع عشر من الميلاد،

واستعاض العنصريون البيض الجدد عن العنصريه الماديه باخرى ادبيه تمارس في الروايات والقصص والصحافه ودور السينما،

وباسلوب سمج وقح لا يفوت على اولي الالباب.

وقد وجد اولئك وهؤلاء ديدنهم في الاسترخاص الاثني في قوانين حريه التعبير والنشر.
وان الطابع الشائع لدي روائيي العهد الاستعماري لهو التمحور حول العرق والتباهي بالعنصريه الفضحاء.

ولعل الروائي رايدر هقارد كان واحدا من الذين ابدى سلوكا عنصريا متوحشا ضد الانسان غير الابيض،

وقد استبصرنا هذا الاطار العرقي الذي ظل اولئك وهؤلاء يتحركون فيه حديثا.

الم ترك كيف كتب هقارد في روايته “قصة الاسود الثلاثه” العام 1893م حين قال:

“ان الثور لهو الحيوان الاكثر تحملا في العالم،

باستثناء الزنجي!” ترى كيف ضاهى الانسان الاسود بالحيوان

وكيف اعتبر انه من الامر الطبعي ان يقوم بالاعمال الشاقه،

وانه اكثر تحملا في ارتياد المشاق والقيام بالشاق من الاعباء.

علينا هنا ان نتوقف مستهجنين ومتنبهين الى البعد الاجتماعي والاطار السياسي اللذان تمكنا هقارد من تمرير هذا العمل واذاعته في الناس:

رواسب العنصريه العالقه بالادب والنشر بعد حظر الرق قانونيا كما ابنا انفا.

ومع ذلك،

استمتعنا بمطالعه بعضا من تاليفاته في ايام الصبا وعند مقتبل الشباب فعلى سبيل المثال:

“مناجم الملك سليمان”،

و”الن كواترمين”،

و”هي”،

سواء اكان ذلك كمقرر اكاديمي او في الاطلاع الذاتي.

على ايه حال،

فازاء هذا الفهم للرابط العضوي بين العنصريه والامبرياليه اعتقد بعض من الناس ان العنصريه سبب ازدهار الاستعمار،

ولئن ذهب البعض الاخر اعتقادا بان العنصريه اثر من اثار الاستعمار،

ووسيله من وسائل ابتكار السلطة والاحتفاظ بها،

وغايه طبيعية للامبراطوريه البريطانيه،

وكانت عاملا رائسا لاستقرارها النسبي.

والشيء نفسه ينطبق على الاستعمار الفرنسي والبلجيكي والالماني في عمر الاخير القصير في افريقيا وحكايات الرعب والفزع والموت والدمار التي خلفها.
فقد حاولنا جاهدين غير مجاهدين الغوص في سيكلوجيه العنصريين القدامى والجدد معا لنبحث عن سر كل هذه الكراهيه للاخر المختلف،

فوجدنا ان العنصريين يكرهون انفسهم قبل الاخر،

وتبدو هذه الكراهيه بشكلها المقيت المستميت حين تقع اعينهم على الذين يشاركونهم الشبه والملامح على الاقل او في الحامض النووي في اغلب الاحايين لا في التفكير والتامل في الاشياء.

فبدلا من التخلص من انفسهم عن طريق الانتحار،

او ايه وسيله اخرى من وسائل هلك النفس الاماره بالسوء،

يتجابنون ويقدمون على اباده الاخر،

والتلذذ بهذه الاباده،

ويسدرون في البغي والعدوان،

ويرتكبون الجرائم العظام ضد الانسانيه،

ثم لتجدنهم يعجنون شيئا من حقدهم على الاغيار.

فلنرى على سبيل المثال قاده النازيه وبغضهم للاخر،

وبخاصة اليهود والسود والمعاقين واخوه يهواه وغيرهم.

اذ قسم النازيون في المانيا الانسانيه الى مجموعتين:

الاريون عرق اهل الشمال)،

والذين اعتبروهم سيد الاعراق البشريه،

والاخر الذي اعتبروه من جنس العبيد،

وكانت نظريه العرق هي اساس هذا التصنيف،

وزعموا ان الالمان هم الاريين،

وخلقوا لكي يحكموا العالم،

ويتسيدوا على الاخرين.

ويتميز العنصر الاري المثالي بطول القامه،

واشقرار الشعر،

والوسامه في الطلعه.

ولعل اغرب ما في هذه المساله ان قله قليلة من قاده النازيين انفسهم حملوا هذه الصفات المثاليه حسب اعتقادهم وظنهم.

فالدكتور جون قوبيلز،

وزير الدعايه النازيه،

قزما كان،

ثم كان لونه داكنا واعرجا.

وكان هيرمان قورينغ اشقر الشعر،

ومع ذلك كان بدينا شحيما وقد امتلا لحما وشحما،

اما رودلف هيس الرجل الثاني في القياده بعد ادولف هتلر فقد كان لونه داكنا،

وكان ملقبا ب”المصري”،

وكانت ملامح جوليوس سترايتشر مبيد اليهود يهوديه،

ثم كان شعر ادولف هتلر اسودا.(5 وبرغم من ذلك كله،

لم تكن تقلق هذه التناقضات القاده النازيين ابدا.
على ايه حال،

بقي لنا ان نقول من نافله القول ان جوزيف كونراد في رواياته ظل يغوص في حكايات المجتمع،

بواقعيتها وغرائبيتها،

وتعمق في وصف المشاعر البشريه،

والجشع البشري الذي يسبر اغوار طريقة عمل الدوافع الانسانيه:

هي باختصار شديد رحله في النفس البشريه ضمن اطار بيئه هذه النفس.

فلم يبتعد كونراد في جوهر مواضيعه عن الانسان وهمومه،

ولكن بالطبع بطريقته “الكونراديه” واسلوبه “الكونرادي”.

هكذا نجد ان كونراد كان قد خاطب مجموعة من القضايا التي كان يعاني منها العالم المرجعي الذي تحيل اليه رواياته،

وتمتح منه حكاياتها؛

الا وهو المجتمع الانساني.

اذا،

فان روايه “قلب الظلام” بشخصياتها واحداثها،

التي تبدو احيانا متشابكه،

وفي احايين اخرى متداخله،

لهي رحله في ثنايا الحياه،

وايضا في فكر كونراد ذاته.

هذه هي السمات التي اصطبغت رواياته،

والتي صنعت له شهره عالمية ظل ينعم بها حتى رحيله عن الدنيا العام 1924م.

المصادر والاحالات

(1 Peters,

J G,

The Cambridge Introduction to Joseph Conrad; Cambridge University Press:

Cambridge,

2006.
2 انظر الدكتور عمر مصطفى شركيان،

النوبه في السودان..

نضال شعب في سبيل العداله والمشاركه في السلطه،

دار الحكمه،

لندن،

2006م.

كذلك انظر
March,

Z and Kingsnorth,

G W,

An Introduction to the History of East Africa; Cambridge University Press:

Cambridge,

1965; Moorehead,

A,

The White Nile; Penguin Books Ltd:

Harmondsworth,

1960; and Hazell,

A,

The Last Slave Market:

Dr John Kirk and the Struggle to End the African Slave Trade; Constable and Robinson Ltd:

London,

2011.
3 في روايته “انا احيا” 1957م سلكت ليلي البعلبكي شكل البناء الروائي المجسد للعلائق والخطابات والقيم للتعبير عن الفرديه وفروقها.

اما في روايه الكاتبه السورية سلوى النعيمي “شبه الجزيره العربيه” 2019م فيمكن تصنيف نصها ضمن التخييل الذاتي المتحرر من الحبكه والمعتمد على بنيه مفتوحه،

والذي يسمح بالانطلاق من الذات وتجاربها،

سواء اكانت معيشه ام متخيله،

وهو ما يتيح للكاتبه ان تبتدع حكاياتها من دون تقيد بواقع او معيش.

غير ان الروائي العراقي محمود سعيد قد اعتمد في روايته “نطه الضفدع” 2019م طريقة السرد التتابعي ذي الملامح الزمنيه “الكرونولوجيه”.

وفي روايه “مزرعه الجنرالات” 2019م للروائي المصري عبدالنبي فرج لم نكن امام روايه تتبع في بنيتها الزمن الخطي المتتابع،

او تتكئ على حدث مركزي تتفرع عنه خطوط اخرى،

ولكننا امام جمله من المقاطع السرديه التي تحاول ان تصنع تاريخا موازيا للقهر،

والسلطة عبر تعريتها وكشفها.

وفي روايته “وشم وحيد” 2019م للروائي المصري سعد القرش تنهض بنيه السرد على توظيف المرويات التراثيه،

وتضفيرها في المسار السردي للروايه،

وتعتمد البنيه السرديه ايضا على اليه التوالد الحكائي،

حيث تتناسل الحكايات بعضها من بعض،

وتتفرع موصوله كلها بافق تخييلي

  • ملخص رواية قلب الظلام لجوزيف كونراد
  • رواية قلب الظلام العنصريه
  • ملخص رواية قلب الظلام
  • تحليل شخصيات رواية قلب الظلام
  • تلخيص قلب الظلام
  • تلخيص كتاب قلب الظلام
  • قلب الظلام جوزيف كونراد تلخيص
  • قلب الظلام ملخص
  • ملخص قلب الظلام جوزيف كونراد
1٬493 views

ملخص رواية قلب الظلام لجوزيف كونراد