10:15 صباحًا الإثنين 21 يناير، 2019








هل يجوز للكتابية اخد مسلم ولي لها في عقد الزواج

المقدمة

ان الحمد لله،

نحمده و نستعينه،

و نعوذ بالله من شرور انفسنا و من سيئات اعمالنا،

من يهده الله فلا مصل له،

و من يضلله فلا هادى له.
و اشهد ان لا اله الا الله و حده لا شريك له،

و اشهد ان محمدا عبده و رسوله.
يا ايها الذين امنوا اتقوا الله حق تقاته و لا تموتن الا و انتم مسلمون [ال عمران 107] يا ايها الناس اتقوا ربكم الذى خلكم من نفس واحده و خلق منها زوجها و بث منهما رجالا كثيرا و نساء و اتقوا الله الذى تساءلون به و الارحام ان الله كان عليكم رقيبا [النساء 1] يا ايها الذين امنوا اتقوا الله و قولوا قولا سديدا يصلح لكم اموالكم و يغفر لكم ذنوبكم و من يطع الله و رسوله فقد فاز فوزا عظيما [الاحزاب 70،

71] اما بعد:
فان الله سبحانه و تعالى خلق الحياه الدنيا لعماره الارض،

و فقا لشريعته و اهتداء بنورها،

الي ان يرث الله الارض و من عليها،

و خلق هذا الانسان فيها ليقوم بعمارتها و يستغل ما منحه الله من خيراتها،

و ما اودع الله فيها من كنوز،

و ما اكرمه به من بركات السماء،

فكانت عمارتها تقتضى وجود هذا الانسان الى ان تقوم الساعة.
و لما كانت مشيئه الله تعالى قد اقتضت ان تكون الاعمار محدوده بحيث لا يمر في الغالب ما ئه عام قبل انقضاء الجيل الذى يعيش فيها فقد كان حفظ النسل و استمراره ضروره من ضرورات الحياة.
و قد اودع الله في الحيوانات كلها دوافع التناسل،

باجتماع ذكورها و اناثها،

اجتماعا يثمر التوالد،

و لولا ذلك لانقطع النسل الحيوانى في فتره قصيره جدا من عمر الحياه الدنيا،

و ان كان الله قادرا على ايجاد ما شاء من المخلوقات الحيوانيه ليخلف كل نوع مثيله بلا سبب،

و لكنه جلت قدرته ربط الاسباب بالمسببات،

و جعل المسبب مترتبا على سببه،

و النتائج مترتبه على مقدماتها،

و ان كانت كلها بمشيئته و ارادته.

الفرق بين تناسل الانسان و سائر الحيوان

وفرق سبحانه في كيفيه التوالد بين الانسان و الحيوان،

كما فرق بينهما بتكليف الانسان القيام بعباده الله و تطبيق شريعته،

لما منحه من اله صالحه لان تكون مناطا لذلك التكليف،

و هى العقل.
فترك الحيوانات تتوالد بما اودع الله فيها من غريزه وان اختلفت اجناسها في اساليب تلك الكيفيه و اشباع تلك الغريزه فكان لكل جنس طريقته في اتصال ذكره بانثاه بحسب ما فطر عليه،

دون تغيير،

و كان ذلك كافيا في استمرار تناسل كل اجناس الحيوانات،

و قد يتصارع الذكور على انثي واحده فاذا غلب عليها احدها،

اتجهت بقيه الذكور الى انثي غيرها،

لا فرق بين ان تكون الانثي اما او اختا او غيرهما للذكور،

فالمطلوب لهما جميعا قضاء شهوه مؤقته فحسب،

اما محافظتها على اولادها بعد ولادتها،

فتلك فطره اخري فطرها الله عليها.
واما الانسان،

فهو بخلاف ذلك،

فقد كلفه الله تعالى تكليفات محدده و قيده بنظام معين لحياته،

يضبطه بشريعه شرعها له،

و من ذلك اسلوب توالده الذى هو ضروره لحياته و بقائه،

و افضل لتناسله.

[فصل الكاتب ما يتعلق بالضرورات الخمس و منها حفظ النسل في كتابه:الاسلام و ضرورات الحياه و قد طبع مرتين نشر دار المجتمع في جدة] و المقصد الشرعى الرئيس من تناسل الانسان،

ان يقوم بعماره هذا الكون العماره الصالحه النافعه و يحفظها من الفساد،

من يسلم نفسه و وجهه في كل تصرفاته لخالقه،

يعبده و حده و لا يشرك به شيئا،

و يطبق شريعته و يلتزم بها منهاجا لحياته كلها،

و يحكم كتابه و سنه رسوله صلى الله عليه و سلم في كل شئون حياته،

و يجاهد في سبيله لاعلاء رايته في الارض،

فلا يقر الشرك به في الارض،

و لا الفسق ينتشر فيها،

ما كان قادرا على دفع ذلك و ازالته،

و اذا لم يكن قادرا على ذلك في زمن،

عبدالله بما يقدر عليه من ذلك،

و اعد العده لمقارعه الباطل و اهله في زمن تال.
يعادى من عادي الله و رسوله و عباده المؤمنين و دينه الحق و شريعته السمحه و يوالى الله و رسوله و عباده المؤمنين و شريعته الغراء،

فتكون بذلك الامه الاسلاميه التى ترضى ربها بامتثال امره و اجتناب نهيه،

تنفى الخبث من الارض و تطرد عناصر الفساد من صفها،

من اجل ان تحيي حياه سعيده في الدنيا،

و تنجو من سخطه و اليم عذابه في العقبى،

و تنال من الله الثواب الجزيل في جنه الخلد التى يحل الله عليها رضوانه فلا يسخط عليها بعده ابدا.
تتعاون في حياتها على البر و التقوى،

و يحرص كل فرد فيها على مجالسه عباد الله الصالحين،

و البعد عن رفقاء السوء من الكفار و الفاسقين،

يتامرون بالمعروف و يزينونه،

و يتناهون عن المنكر و يقبحونه،

مخالفه لغيرهم من اعداء الله الذين يتامرون بالمنكر و يتناهون عن المعروف،

كما قال تعالى: والمؤمنون و المؤمنات بعضهم اولياء بعض يامرون بالمعروف وينهون عن المنكر و يقيمون الصلاه و يؤتون الزكاه و يطيعون الله و رسوله اولئك سيرحمهم الله ان الله عزيز حكيم [التوبه 71] و قال تعالى: المنافقون و المنافقات بعضهم اولياء بعض يامرون بالمنكر وينهون عن المعروف و يقبضون ايديهم نسوا الله فنسيهم ان المنافقين هم الفاسقون [التوبه 67] و بذلك تحقق هذه الامه بافرادها و اسرها و دولها – الولاء و البراء المشروعين.
يوالى بعضهم بعضا،

و ان تباعدت انسابهم،

و يعادون من عادي الله و رسوله و حارب دينه و عباده المؤمنين،

و لو كان اقرب المقربين اليه،

كما قال تعالى: لا تجد قوما يؤمنون بالله و اليوم الاخر يوادون من حاد الله و رسوله و لو كانوا اباءهم او ابناءهم او اخوانهم او عشيرتهم اولئك كتب في قلوبهم الايمان وايدهم بروح منه و يدخلهم جنات تجرى من تحتها الانهار خالدين فيها رضى الله عنهم و رضوا عنه اولئك حزب الله الا ان حزب الله هم الغالبون [المجادله 22]

عنايه الاسلام بالاسرة

ولما كانت الاسره هى نواه الامه و اساسها،

فقد عنى الاسلام بها عنايه فائقه تحفظ كيانها،

و تجعلها متماسكه متجانسه قويه الايمان محكمه البناء،

محاطه بقواعد متينه من احكام دينه و ادابه،

و ذلك لا يتاتي الا بزوجين صالحين،

يختار كل منهما الاخر على اساس من الدين و التقوي و الخلق القويم،

و بهما تبدا الاسره المسلمه الصالحه التى ترضى ربها،

باداء الحقوق و القيام بالواجبات،

و من ذلك التنشئه الصالحه على دين الله و طاعته.

الاسره في اول البعثه النبوية:

عندما نزل القران الكريم على رسوله صلى الله عليه و سلم بهذا الدين،

كان للناس الذين بعث فيهم عادات و معاملات يتعاطونها فيما بينهم،

و كان المسلمون مرتبطين بالمجتمع الجاهلى ارتباطا اسريا و اجتماعيا و اقتصاديا،

و كان من الصعوبه بمكان ان يطلب منهم فك ذلك الارتباط جمله واحدة.
و الله تعالى يعلم ما جبلت عليه النفوس،

من حب العوائد و التمسك بها و الدفاع عنها،

و يعلم تعالى ان التكليف بالاحكام الشرعيه التى لم يالفها الناس،

يحتاج الى تدرج،

و ان السبيل الى قبولهم ذلك التكليف سواء كان فعلا لم يالفوه،

او ترك فعل قد الفوه انما يكون بغرس الايمان الصادق القوى بالله في قلوبهم،

و الايمان برسوله صلى الله عليه و سلم و طاعته،

و الايمان باليوم الاخر،

و بالتدرج في التشريع،

فاذا ما ثبت ذلك في نفوسهم اذعنوا لامر الله و نهيه و انقادوا،

فاطاعوا الامر،

و تركوا النهي،

طمعا في رضا الله تعالى.

ولهذا بدا الاسلام بهذا الاساس،

فنزل القران يدعو الناس الى الايمان بالغيب الذى يشمل الايمان بالله تعالى و عبادته،

و الايمان برسوله و طاعته،

و عدم طاعه كل من خالفه،

و الايمان بالوحى المنزل من عند الله الذى هو منهج حياه البشر،

و الايمان باليوم الاخر الذى فيه البعث و العرض و الجزاء و الحساب و الثواب و العقاب،

و دخول الجنه او النار.
و استمر الرسول صلى الله عليه و سلم يدعو الى هذا الاساس،

و ترك كل ما يخالفه ثلاثه عشر عاما،

و لم يكن يدعو الى احكام شرعيه اخري الا القليل منها،

مما يعتبر اصولا عامه للاحكام التفصيليه الكثيره التى شرعت فيما بعد،

و من الاداب و الاخلاق العامه التى اتفقت على حسنها الامم،

كالصدق و الامانه وصله الارحام.
لذلك كان الناس يتعاملون فيما بينهم بما الفوا و اعتادوا من عادات اجتماعيه و اقتصاديه و غيرها.
و من ذلك الزواج،

فكان المسلم يتزوج الكافره و المشركه و الكافر يتزوج المسلمه الطاهره و كانوا يشربون الخمر،

و ياكلون لحم الميته و يتعاملون بالربا،

و يتعاطون الميسر،

و بقى كثير من تلك العادات و المعاملات على حالها،

حتي هاجر الرسول صلى الله عليه و سلم و اصحابه الى المدينة.
و قد ذكر العلماء ان ذلك من حكمه الله تعالى في انزاله القران منجما على رسوله صلى الله عليه و سلم،

و لم ينزله دفعه واحده كما قال تعالى: (وقرانا فرقناه لتقراه على الناس على مكث و نزلناه تنزيلا) [الاسراء 106)] [يراجع كتاب تاريخ التشريع،

للشيخ مناع بن خليل القطان،

رحمه الله،

من صفحه 52الي صفحه 57 الطبعه العاشرة] و قد اشارت عائشه رضى الله عنها الى هذه الحكمه فقالت: “انما نزل اول ما نزل منه سوره من المفصل،

فيها ذكر الجنه و النار،

حتي اذا ثاب الناس الى الاسلام،

نزل الحلال و الحرام،

و لو نزل اول شيء: لا تشربوا الخمر،

لقالوا: لا ندع الخمر ابدا،

و لو نزل: لا تزنوا لقالوا: لا ندع الزنا ابدا،

لقد نزل بمكه على محمد صلى الله عليه و سلم،

و انى لجاريه العب: (بل الساعه موعدهم و الساعه ادهي و امر) و ما نزلت سوره البقره و النساء الا و انا عنده” [البخارى ،



رقم 4707]

وهنا في المدينه النبويه صار للمسلمين ارض يعيشون عليها اعزه جمع الله فيها كتيبتى الاسلام من المهاجرين و الانصار،

فاصبحوا قوه تتولي شئون الدوله الاسلاميه الناشئه ينفذون امر الله.
و بدا القران الكريم ينزل على الرسول صلى الله عليه و سلم بالاحكام الشرعيه في تدرج الى ان اكمل الله دينه الذى ارتضاه لنا.


تحريم زواج المسلم بالكافره و تحريم زواج الكافر بالمسلمة

ومن تلكم الاحكام التى نزلت،

تحريم التناكح بين الملمين و المشركين،

فلا يجوز لمسلم ان ينكح مشركه ابتداء،

و لا ان يمسكها في عصمته استدامه كما لا يجوز لمسلمه ان تتزوج كافرا كذلك.

قال تعالى: ياايها الذين امنوا اذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله اعلم بايمانهن فان علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن الى الكفار لا هن حل لهم و لا هم يحلون لهن و اتوهم ما انفقوا و لا جناح عليكم ان تنكحوهن اذا اتيتموهن اجورهن و لا تمسكوا بعصم الكوافر و اسالوا ما انفقتم و ليسالوا ما انفقوا ذلكم حكم الله يحكم بينكم و الله عليم حكيم [الممتحنة: 10] قال القرطبى رحمه الله: “والمراد بالعصمه هنا النكاح،

يقول: من كانت له امراه فقد انقطعت عصمتها … و كان الكفار يتزوجون المسلمات،

و المسلمون يتزوجون المشركات،

ثم نسخ ذلك في هذه الاية” [الجامع لاحكام القران 18/65)] و كان هذا بعد صلح الحديبيه [نفس المرجع 18/61)] و قال تعالى: ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن و لامه مؤمنه خير من مشركه و لو اعجبتكم،

و لا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا و لعبد مؤمن خير من مشرك و لو اعجبكم اولئك يدعون الى النار و الله يدعو الى الجنه و المغفره باذنه و يبين اياته للناس لعلهم يتذكرون  [البقره 221]

وفى هذا التحريم تحقيق لامرين:
الامر الاول: المفاصله بين عباد الله المؤمنين و اعدائهم الكافرين في تكوين نواه الامه و هى الاسره لان النواه الفاسده تثمر نباتا فاسدا.
الامر الثاني: تاكيد الولاء بين المسلمين و تقويته في اساس الامه و هى الاسرة.
و قد تواترت نصوص الكتاب و السنه و التطبيق العملى الذى سار عليه السلف الصالح،

من عهد الرسول صلى الله عليه و سلم و صحابته على هذين الامرين.
و قد اتفق العلماء على تحريم زواج المسلمين من غير اهل الكتاب و هن اليهوديات و النصرانيات و في المجوسيات و الصابئيات خلاف،

و حديث سنوا بهم [اى المجوس] سنه اهل الكتاب ضعفه العلماء،

و مع ضعفه حملوه على اخذ الجزيه منهم،

لا على نحاح نسائهم.

يراجع نصب الرايه 3/170)] قال ابن قدامه رحمه الله: “وسائر الكفار غير اهل الكتاب،

كمن عبد ما استحسن من الاصنام و الاحجار و الشجر و الحيوان،

فلا خلاف بين اهل العلم في تحريم نسائهم و ذبائحهم،

و ذلك لما ذكرنا من الايتين [يعنى ايه الممتحنه وايه البقره السابقتين] و عدم المعارض لهما.
و المرتده يحرم نكاحها على اي دين كانت،

لانه لم يثبت لها حكم اهل الدين الذى انتقلت اليه في اقرارها عليه،

ففى حلها اولى.

” [المغنى 7/121)].
و اذا خرجت الكتابيه عن دينها الى عباده الاوثان،

صار حكمها حكم الوثنيه لا يجوز نكاحها للمسلم،

و ان ادعت انها من اهل الكتاب،

و كذلك اذا الحدت،

فانكرت الدين مطلقا،

كما هو حال الشيوعيين في هذا العصر.
قال الخرقى رحمه الله: “واذا تزوج كتابيه فانتقلت الى دين اخر من الكفر غير دين اهل الكتاب،

اجبرت على الاسلام،

فان لم تسلم حتى انقضت عدتها انفسخ نكاحها” [نفس المرجع 7/122)]

واذا لم يجز استدامه نكاحها،

فابتداؤه اولي بعدم الجواز.
وينبغى ان يعلم ان المسلمه لا يجوز ولا يصح ان ينكحها كافر مطلقا،

سواء كان كتابيا او غير كتابي،

و على ذلك اجماع العلماء في قديم الزمان و حديثه،

و بهذا يعلم شناعه ما نقل من فتوي عن بعض من يدعى الاجتهاد في هذا العصر،

من جواز بقاء امراه مسلمه تزوجت جهلا بنصراني،

بدعوي ان الضروره اقتضت تلك الفتوي

!!
لكن اذا اسلمت الزوجه و بقى الزوج على دينه،

ثم دخل في الاسلام قبل انتهاء عدتها،

فهما على نكاحهما الاول،

علي الصحيح،

و قيل يفسخ نكاحهما بمجرد اسلامه.

[راجع المغنى لابن قدامه 7/118)]


حكم الزواج بالكتابية.

اما زواج المسلم بالمراه الكتابيه و هى اليهوديه و النصرانيه فقط،

علي الصحيح من اقوال العلماء،

فالكلام فيه ينحصر في الفصول الثلاثه الاتية:
[وقد راى بعض العلماء،

و منهم ابن حزم رحمه الله،

كما في المحلي 9/445 بان حكم المجوسيه حكم الكتابيه و هو راى الامام الشوكانى رحمه الله،

كما في السيل الجرار 2/252-254).

و راجع المغنى لابن قدامه رحمه الله 7/130-131)]

الفصل الاول:
حكم
الزواج بالكتابيه في دار الاسلام.

تمهيد:
و رد النهى صريحا في نكاح المشركات و عدم حلهن للمسلمين،

فى ايه البقرة: ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن،

و ايه الممتحنه ولا تمسكوا بعصم الكوافر و ظاهر النهى العموم في كل كافره و مشركة.
و ورد الاذن بحل طعام اهل الكتاب و نسائهم للمسلمين،

علي وجه الخصوص في قوله تعالى: اليوم احل لكم الطيبات و طعام الذين اوتوا الكتاب حل لكم و طعامكم حل لهم و المحصنات من المؤمنات و المحصنات من الذين اوتوا الكتاب من قبلكم اذا اتيتموهن اجورهن محصنين غير مسافحين و لا متخذى اخدان و من يكفر بالايمان فقد حبط عمله و هو في الاخره من الخاسرين  [المائدة: 5]

وعندما نزلت هذه الايات الحاظره او المبيحه كانت الارض تنقسم قسمين:
القسم الاول: دار الاسلام التى ترتفع فيها رايه الاسلام،

و يقام بها هذا الدين،

و تنفذ فيها احكام الشيعة.
القسم الثاني: دار الحرب التى بينها و بين المسلمين حرب لا يوقفها الا دخول اهلها في الاسلام،

او خضوعهم لنظامه العام و دفع الجزيه مع بقائهم على دينهم،

فيكونون بذلك اهل ذمه تدخل ارضهم في دار الاسلام.
و لم يكن المسلمون يسكنون في دار الحرب،

لان الله تعالى امرهم بالهجره منها الى دار الاسلام،

و نهاهم عن المقام بين ظهرانى المشركين،

لا فرق بين اهل مكه قبل فتحها و غيرها،

و الاصل ان الهجره من بلاد الحرب الى دار الاسلام باقيه الى يوم القيامة.

والمقصود من ذكر هذا التمهيد هنا،

ان يعلم ان كلام علماء المسلمين في جواز نكاح الكتابيه او عدم جوازه،

اذا اطلق يراد به نكاحها في دار الاسلام،

اما دار الحرب،

فانهم يصرحون بذكر حكم الزواج فيها،

و لم يكن يدخلها من المسلمين الا الاسير،

او التاجر،

او الرسول،

كما سياتى الكلام على ذلك.

مذاهب العلم في زواج المسلم بالكتابيه في دار الاسلام:

وقد اختلف العلماء رحمهم الله في حكم زواج المسلم بالكتابيه في دار الاسلام:
المذهب الاول: مذهب الجمهور.
و منهم الائمه الاربعة: و هو جواز نكاح الكتابيه في ارض الاسلام،

مع الكراهة.
قال السرخسى رحمه الله: “ولا باس ان يتزوج المسلم الحره من اهل الكتاب لقوله تعالى: والمحصنات من الذين اوتوا الكتاب [المائده 5 المبسوط 4/210)].
[لم اتغرض لحكم الامه الكتابيه لانقراض ذلك في هذا العصر،

بخلاف الحرائر] و قال علاء الدين الكاسانى رحمه الله: “ويجوز ان ينكح الكتابيه لقوله عز و جل: والمحصنات من الذين اوتوا الكتاب من قبلكم ” [بدائع الصنائع 3/1414)].
و قال في تنوير الابصار: “وصح نكاح كتابية” و قال شارحه في الدر المختار: “وان كره تنزيها” [حاشيه رد المحتار 3/45)].
و قال في الشرح الصغير على الدردير: “وحرمت الكافرة” اي و طؤها،

حره او امه بنكاح او ملك” الا الحره الكتابيه “فيحل نكاحها”بكره”عند الامام”.
و قال محققه: “وانما حكم ما لك بالكراهه في بلد الاسلام،

لانها تتغذي بالخمر و الخنزير و تغذى و لدها به،

و زوجها يقبلها و يضاجعها،

و ليس له منعها من التغذى و لو تضرر برائحته،

و لا من الذهاب الى الكنيسه و قد تموت و هى حامل،

فتدفن في مقبره الكفار،

و هى حفره من حفر النار ” [الشرح الصغير 2/420 بتحقيق الدكتور كمال وصفي] و قال النووى رحمه الله: “ويحرم نكاح من لا كتاب لها … و تحل كتابيه لكن تكره حربيه و كذا ذميه على الصحيح”.

و قال المحشي: [وكذا] ” تكره ذميه على الصحيح” [لما مر من خوف الفتنة] [المنهاج 3/187 و راجع روضه الطالبين 7/135-137)] و قال الخرقى رحمه الله: “وحرائر نساء اهل الكتاب و ذبائحهم حلال للمسلمين” و قال ابن قدامه رحمه الله بعد ان ذكر اقوال العلماء و ناقشها: “اذا ثبت هذا فالاولي ان لا يتزوج كتابية” [المغنى 7/129)]

وقد استدل الجمهور لما ذهبوا اليه من الجواز بالكتاب و الاثر و المعقول:
اما الكتاب،

فقوله تعالى: والمحصنات من الذين اوتوا الكتاب من قبلكم كما مضى،

و راوا ان هذه الايه و هى ايه المائده اما مخصصه لعموم قوله تعالى في سوره البقره ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن،

و اما ناسخه لها،

لان نزول سوره المائده متاخر عن نزول سوره البقره واما ان لفظ المشركين لا يتناول اهل الكتاب.

[راجع في هذا المغنى لابن قدامه 7/129 و السيل الجرار 2/252 و مجموع الفتاوي لابن تيميه 22/178 و جامع البيان عن تاويل القران لابن جرير 2/326 و الجامع لاحكام القران 3/69)] واما الاثر فما و رد في نكاح الصحابه الكتابيات من اليهوديات و النصرانيات،

منهم طلحه بن عبيد الله،

و حذيفه بن اليمان،

و عثمان بن عفان،

رضى الله عنهم.

[جامع البيان عن تاويل القران 2/332-376 و احكام القران للجصاص 1/332/336)] واما المعقول،

فان الكتابيه و قد امنت في الجملة بالله و بعض كتبه و اليوم الاخر – و بعض الرسل قد تميل الى الاسلام اذا عرفت حقيقته،

فرجاء اسلامها اقرب من رجاء اسلام الوثنيه كما قال الكاساني: “الا انه يجوز نكاح الكتابيه لرجاء اسلامها،

لانها امنت بكتب الانبياء و الرسل في الجمله و انما نقضت الجمله بالتفصيل،

بناء على انها اخبرت عن الامر على خلاف حقيقته.

فالظاهر انها متى نبهت على حقيقه الامر تنبهت،

و تاتى بالايمان على التفصيل،

علي حسب ما كانت اتت به في الجمله و هذا هو الظاهر من حال التى بنى امرها على الدليل دون الهوي و الطبع،

و الزوج يدعوها الى الاسلام وينبهها على حقيقه الامر،

فكان في نكاح المسلم اياها رجاء اسلامها،

فيجوز نكاحها لهذه العاقبه الحميده بخلاف المشركه فانها في اختيارها الشرك،

ما ثبت امرها على الحجه بل على التقليد بوجود الاباء على ذلك …” [بدائع الصنائع 3/1414)] و قال في حاشيه المنهاج للنووي: “وقد يقال باستحباب نكاحها،

اذا رجى اسلامها،

و قد روى ان عثمان رضى الله عنه،

تزوج نصرانيه فاسلمت و حسن اسلامها،

و قد ذكر القفال ان الحكمه في اباحه الكتابيه ما يرجي من ميلها الى دين زوجها،

اذ الغالب على النساء الميل الى ازواجهن وايثارهم على الاباء و الامهات،

و لهذا حرمت المسلمه على المشرك ” [المنهاج مع الحاشيه 3/187)]

المذهب الثاني: تحريم الزواج بالكتابيه على المسلم في دار الاسلام.
و اشتهر هذا المذهب عن الصحابى الجليل عبدالله بن عمر رضى الله عنهما.

قال السرخسى رحمه الله: “ولا باس ان يتزوج المسلم الحره من اهل الكتاب،

لقوله تعالى: والمحصنات من الذين اوتوا الكتاب الاية.

و كان ابن عمر لا يجوز ذلك،

و يقول: الكتابيه مشركة”.

[المبسوط 4/210)]

وقال ابن حزم رحمه الله: “وروينا عن ابن عمر تحريم نساء اهل الكتاب جمله ثم ساق بسنده عن نافع ان ابن عمر سئل عن نكاح اليهوديه و النصرانية

فقال: ان الله تعالى حرم المشركات على المؤمنين،

و لا اعلم من الاشراك شيئا اكثر من ان تقول المراة: ربها عيسى،

و هو عبد من عباد الله عز و جل” [المحلي 9/445)] و نقل ابن جرير رحمه الله عن امير المؤمنين عمر بن الخطاب،

رضى الله عنه،

ما يدل على عدم صحه نكاح المسلم الكتابيه فقال: “وقد نكح طلحه بن عبيد الله يهوديه و نكح حذيفه بن اليمان نصرانيه فغضب عمر غضبا شديدا،

حتي هم بان يسطو عليهما،

فقالا: نحن نطلق يا امير المؤمنين و لا تغضب،

فقال: لئن حل طلاقهن لقد حل نكاحهن،

و لكن انتزعهن منكم صغره قماء “

[يعنى صغارا و ذلة]

ثم رد ابن جرير رحمه الله ما نقل عن عمر من التفريق بين طلحه و حذيفه و امراتيهما بالاجماع على خلافه،

و ذكر انه قد نقل عن عمر خلاف ذلك باسناد اصح [جامع البيان 2/376)] كما ذكر ابن جرير روايه عن ابن عباس رضى الله عنهما،

يفهم منها انه يقول بالتحريم،

فقال: “بل انزلت هذه الايه يعنى ايه البقره مرادا بها كل مشركه من اي اصناف الشرك كانت،

غير مخصوص منها مشركه دون مشركه و ثنيه كانت او مجوسيه او كتابيه و لا نسخ منها شيء.

ثم ذكر بسنده عن ابن عباس يقول: نهي رسول الله صلى الله عليه و سلم عن اصناف النساء،

الا ما كان من المؤمنات المهاجرات،

و حرم كل ذات دين غير الاسلام،

و قال الله تعالى: ومن يكفر بالايمان فقد حبط عمله  [نفس المرجع]

ومن الذين حرموا نكاح الكتابيه الاماميه كما نص على ذلك في متن الازهار،

فذكر من المحرمات في النكاح “المخالفه في الملة” و قد اطال الشوكانى رحمه الله في الرد عليهم بمخالفه كتاب الله في ذلك.

[راجع السيل الجرار المتدفق على حدائق الازهار 2/252-254 و ستاتى ادله هذا المذهب و مناقشتها في الحلقه الاتية]

ادله القائلين بتحريم زواج المسلم الكتابية:
استدل القائلون بهذا المذهب بادلة:
الدليل الاول: من القران الكريم.
و فيه ايتان صريحتان في النهى عن زواج المسلم المشركات،

و الكتابيات مشركات،

و النهى عن امساك المسلمين نساءهم الكوافر،

و قد كان هذا مسكوتا عنه في اول الاسلام.
الايه الاولى: ايه البقره و هى قوله تعالى: ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن و لامه مؤمنه خير من مشركه و لو اعجبتكم اولئك يدعون الى النار و الله يدعو الى الجنه و المغفره باذنه و يبين اياته للناس لعلهم يتذكرون [البقره 221] وجه الدلاله من الايه ان الله تعالى نهي عن نكاح كل امراه مشركه وجعل غايه النهى عن ذلك ايمانهن،

و الايمان اذا اطلق في القران و السنه هو الايمان الشرعى الذى نزل به القران و السنه فكل مشركه داخله في هذا العموم،

و الكتابيات مشركات،

بدليل وصف الله تعالى اهل الكتاب بالشرك،

كما في قوله تعالى: وقالت اليهود عزير ابن الله و قالت النصاري المسيح ابن الله ذلك قولهم بافواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله اني يؤفكون اتخذوا احبارهم و رهبانهم اربابا من دون الله و المسيح ابن مريم و ما امروا الا ليعبدوا الها واحدا سبحانه و تعالى عما يشركون [التوبة: 30،

31 و راجع كتاب اضواء البيان 1/204-205 لشيخنا العلامه محمد الامين الشنقيطى رحمه الله]

فقد وصف اليهود و النصاري بانهم يشركون به تعالى.

و على هذا القول تعتبر ايه البقره ناسخه لايه المائده على عكس ما ذهب اليه اهل المذهب الاول.
و قد ذكر ابن حيان قولا لابن عباس: “ان ايه البقره هذه عامه في الوثنيات و المجوسيات و الكتابيات،

و كل من على غير دين الاسلام،

و نكاحهن حرام،

و الايه محكمه على هذا ناسخه لايه المائده و ايه المائده متقدمه في النزول على هذه الايه في سوره البقره وان كانت متاخره في التلاوه و يؤيدها قول ابن عمر في الموطا: و لا اعلم شركا اعظم من ان تقول المراة: ربها عيسي ….

” [التفسير الكبير 2/164 و راجع فتح البارى 9/416-417)] و معنى هذا ان سوره المائده وان كانت من اخر سور القران نزولا،

فلا يمنع ذلك من ان تكون بعض اياتها متقدمه على بعض ايات سور نزلت قبلها،

و منها سوره البقره الا انه يشكل على ذلك عمل عامه الصحابه و التابعين بعدهم بحكم ايه المائده اذ لو كانت منسوخه لكان عمل عامه المسلمين على خلافها،

و هذا بعيد.
و لهذا قال ابن حيان بعد ذكره ما تقدم: “ويجوز نكاح الكتابيات،

قاله جمهور الصحابه و التابعين: عمر و عثمان و جابر و طلحه و حذيفه و عطاء و ابن المسيب و الحسن و طاووس و ابن جبير و الزهري،

و به قال الشافعي،

و عامه اهل المدينه و الكوفة.

قيل اجمع علماء الامصار على جواز تزويج الكتابيات،

غير ان ما لكا و ابن حنبل كرها ذلك مع وجود المسلمات و القدره على نكاحهن …”

واجيب عن دعوي نسخ الايه بايه البقره بامرين:
الجواب الاول: عدم وجود دليل على تاخر ايه البقره على ايه المائده و دعوي نسخ ايه البقره بايه المائده اولى،

لان سوره المائده متاخره عن سوره البقره باتفاق بين العلماء [راجع مجموع الفتاوي 32/178 و ما بعدها،

لابن تيميه رحمه الله] و على فرض عدم تاخر ايه المائده على ايه البقره فان الاولي المصير الى الامر الثانى الاتي.
الامر الثاني: ان الجمع بين النصين اذا امكن – اولي من اعمال احدهما و اهمال الاخر،

و الجمع هنا ممكن،

و هو ما ذهب اليه الجمهور من اعتبار ايه البقره عامه تشمل كل المشركات،

بما فيهن الكتابيات،

و ايه المائده خاصه استثنت الكتابيات من النهى فبقين على الجواز.
الايه الثانيه و هى قوله تعالى: ولا تمسكوا بعصم الكوافر [الممتحنه 10] لفظها عام يتناول كل كافره فلا تحل كافره بوجه من الوجوه،

و لا عبره بخصوص سبب نزولها في نساء المسلمين من مشركات مكه بل العبره بعموم لفظها.
و اجيب عنها بما اجيب به عن سوره البقره بان الكتابيات مستثنيات بايه المائده و دل على ذلك عمل الصحابه بعد وفاه الرسول صلى الله عليه و سلم،

و التابعين.

[راجع الجامع لاحكام القران 18/65 للامام القرطبى رحمه الله]

الدليل الثانى على تحريم الزواج بالكتابية:
ما و رد من الاثارعن بعض الصحابه رضى الله عنهم من النهى عن زواج المسلم بالكتابيات،

كما مضي عن عمر و ابنه عبدالله و ابن عباس،

رضى الله عنهم.

فقد نهي عمر رضى الله عنه طلحه و حذيفه عن امساك امراتيهما الكتابيتين،

و غضب غضبا شديدا عليهما بسبب ذلك الزواج،

و هم ان يسطو عليهما،

و عندما قالا له: نحن نطلق و لا تغضب،

قال لهما: لئن حل طلاقهن لقد حل نكاحهن،

و لكن انتزعهن منكم صغره قماء،

و هذا يدل على ان نكاح الكتابيات باطل من اصله عند عمر.
و نقل ابن جرير عن ابن عباس ما يدل على تحريم نكاح الكتابيات،

كغيرهن من الوثنيات.
واما ابن عمر فقد صرح بانه لا يعلم شركا اعظم من قول النصرانية: ربها عيسي و هو عبدالله.

فهذه الاثار و اضحه في دلالتها على التحريم.

واجاب الجمهور عن هذا الدليل،

فقالوا: ان عمر رضى الله عنه،

انما كره زواج المسلم بالكتابيه و لم يحرمه،

و قد صرح بعدم التحريم عندما امر حذيفه ان يفارق امراته اليهوديه فكتب اليه حذيفة: احرام هي

فكتب اليه عمر: لا،

و لكن اخاف ان تواقعوا المومسات منهن.

[احكام القران 1/333 للجصاص] و ذكر ابن جرير رحمه الله عن ابن عباس روايه اخرى،

تدل على انه يري جواز نكاح المسلم الكتابيه فقد روي بسنده عن على بن ابى طلحه عن ابن عباس قوله ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن: ثم استثني اهل الكتاب فقال: والمحصنات من الذين اوتوا الكتاب حل لكم اذا اتيتموهم اجورهن.
و ذكر ابن جرير كذلك عن عمر رضى الله عنه القول بالجواز،

فروي بسنده عن زيد ابن و هب،

قال: قال عمر: المسلم يتزوج النصرانيه و لا يتزوج النصرانى المسلمة.

ثم قال ابن جرير: و انما كره لطلحه و حذيفه – رحمه الله عليهم نكاح اليهوديه و النصرانيه حذرا من ان يقتدى بهما الناس في ذلك،

فيزهدوا في المسلمات،

او لغير ذلك من المعاني،

فامرهما بتخليتهما.
ثم روي ابن جرير بسنده عن شقيق قال: تزوج حذيفه يهوديه فكتب اليه خل سبيلها،

فكتب اليه: اتزعم انها حرام فاخلى سبيلها

فقال: لا ازعم انها حرام،

و لكن اخاف ان تعاطوا المومسات منهن.

[جامع البيان عن تاويل اي القران 2/376-378)] فهذه الروايات تدل على ان غايه ما قصده عمر و ابن عباس،

هى الكراهه و لم يريدا التحريم،

و بذلك يجمع بين الروايات عنهما.

واما ابن عمر،

فقد روى عنه الكراهه كما روي عنه نافع ان كان لا يري باسا بطعام اهل الكتاب،

و كره نكاح نسائهم،

و لما سئل عن نكاح اليهوديه و النصرانيه قال: ان الله حرم المشركات على المسلمين قال: فلا اعلم من الشرك شيئا اكبر او قال اعظم من ان تقول ربها عيسي و هو عبد ممن عباد الله.
قال الجصاص: رحمه الله بعد ان ساق الروايتين فكرهه في الحديث الاول و لم يذكر التحريم،

و تلا في الحديث الثانى الايه و لم يقطع فيها بشيء،

و انما اخبر ان مذهب النصاري شرك،

ثم ذكر عنه روايه اخري استنبط منها ان ابن عمر رضى الله عنهما كان متوقفا في الحكم،

فروي بسنده عن ميمون بن مهران قال: قلت لابن عمر: انا بارض قوم يخالطنا فيها اهل الكتاب،

فننكح نساءهم و ناكل طعامهم،

قال: فقرا على ايه التحليل و ايه التحريم.

قال: قلت: انى اقرا ما تقرا،

فننكح نساءهم و ناكل طعامهم،

فاعاد على ايه التحليل وايه التحريم.

ثم قال الجصاص: قال ابو بكر: عدوله بالجواب بالاباحه و الحظر الى تلاوه الايه دليل على انه كان و اقفا في الحكم،

غير قاطع فيه بشيء.
و ما ذكره عنه من الكراهه يدل على انه ليس على وجه التحريم،

كما يكره تزويج نساء اهل الحرب من الكتابيات.

[احكام القران 1/332-333)] تلك هى الاثار التى استدل بها القائلون بالتحريم،

و هذه اجوبه من راى الاباحة.
و بهذا يعلم انه لم يوجد دليل يقوي على معارضه ايه المائده الداله على الاباحة.

تنبيه:
حمل النحاس كلام ابن عمر على الكراهه التنزيهيه او على التوقف،

خلاف ظاهر كلامه،

و لهذا قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: “وقال ابو عبيد: المسلمون اليوم على الرخصه و روى عن عمر انه كان يامر بالتنزه عنهن من غير ان يحرمهن،

و زعم ابن المرابط تبعا للنحاس و غيره،

ان هذا مراد ابن عمر ايضا،

لكنه خلاف ظاهر السياق،

و لكن الذى احتج به ابن عمر يقتضى تخصيص المنع بمن يشرك من اهل الكتاب،

لا من يوحد،

و له ان يحمل ايه الحل على من لم يبدل دينه منهم ” [فتح البارى 9/416-417)] هذا و قد يستدل مستدل على تحريم زواج المسلم بالكتابيه بالنصوص الداله على و جوب معاداه المسلمين للكفار و عدم موالاتهم،

و بخاصه ما و رد في معاداه اهل الكتاب،

كقوله تعالى: يا ايها الذين امنوا لا تتخذوا اليهود و النصاري اولياء بعضهم اولياء بعض و من يتولهم منكم فانه منهم ان الله لا يهدى القوم الظالمين  [المائدة: 51]

والموالاه تشمل المحبه و النصره و الزوج لا بد ان يحب امراته،

و قد يميل الى بعض ما تهوي مما لا يقره الاسلام،

و لكن الاستدلال بهذا بعيد لامور:
الامر الاول: ان الله تعالى الذى نهي المسلمين عن اتخاذ اليهود و النصاري اولياء،

هو الذى احل نساء اهل الكتاب للمسلمين،

و هو يعلم تعالى ما يترتب على ذلك،

و المؤمن ما مور ان يتقى الله ما استطاع.
الامر الثاني: ان محبه الزوج لامراته،

هى من نوع المحبه الطبيعيه التى لا تدخل في المحبه المنهى عنها،

و هى المحبه الدينيه اي ان يحبها لدينها و اخلاقها و عاداتها التى تخالف سريعه الاسلام،

فلا يضره ان يحب امراته المحبه الطبيعية.
و حكم امراته الكتابيه التى احلها الله له،

كحكم امه و ابيه و اقاربه المشركين،

الذين قال الله تعالى في شانهم: عسي الله ان يجعل بينكم و بين الذين عاديتم منهم موده و الله قدير و الله غفور رحيم لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين و لم يخرجوكم من دياركم ان تبروهم و تقسطوا اليهم ان الله يحب المقسطين انما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين و اخرجوكم من دياركم و ظاهروا على اخراجكم ان تولوهم و من يتولهم فاولئك هم الظالمون  [الممتحنه 7-9] و البر هو الصله الدنيوية.
الامر الثالث: ان الاصل في المسلم الذى يتزوج الكتابيه ان يجتهد في دعوتها الى الاسلام،

لان من اهم اهداف حلها له،

ان يرغبها في الاسلام لتدخل فيه ن كما قال علاء الدين الكاسانى “فكان في نكاحه اياها رجاء اسلامها،

فيجوز نكاحها لهذه العاقبه الحميده بخلاف المشركة..

” [بدائع الصنائع 3/1414 و راجع حاشيه منهاج النووى 3/187)] و الخلاصة: ان زواج المسلم بالكتابيه التى لم تخرج عن دينها الى الوثنيه او الالحاد،

جائز مع الكراهه اذا تزوجها في دار الاسلام و هى الذميه
و بهذا يعلم ان الراجح هو مذهب الجمهور لما مضي من الادلة.
و سبب القول بالكراهه خشيه تاثير الكتابيه على زوجها المسلم و اسرته و اولاده،

بمعتقدها او عاداتها و اخلاقها التى تخالف الاسلام.
و الله اعلم.


الفصل الثاني:
حكم زواج المسلم
بالكتابيه في دار الحرب

تمهيد
الايه التى دلت على جواز زواج المسلم بالكتابيه لم تفرق بين ان يتزوجها في دار الاسلام او في دار الحرب.
و لكن دار الحرب تختلف عن دار الاسلام،

بان السيطره في دار الاسلام للمسلمين الذين هم اهل الحل و العقد،

يحكمون بشريعه الله التى انزلها في كتابه و في سنه رسوله صلى الله عليه و سلم،

و تظهر فيها شعائر الاسلام،

و احتمال ميل الزوجه الى دين زوجها المسلم و ارد،

كما ان احترامها لاداب الاسلام،

و عدم مجاهرتها بما يخالفها اقرب،

ارضاء لزوجها الذى يغيظه مخالفه دينه في الاخلاق و ارتكاب المحرمات،

و ان تساهل فيه مراعاه لمعتقدها الذى تزوجها مع علمه به.
و هذا بخلاف دار الحرب التى تكون الهيمنه و السيطره فيها للكفار الذين هم اهل الحل و العقد،

و الحكم فيها انما يكون بقوانينهم التى تخالف الاسلام،

كما ان الشعائر الظاهره فيها هى شعائر الكفر،

و ليست شعائر الاسلام،

و الاخلاق السائده فيها هى اخلاق الكفار.
و لهذا تكون الزوجه الكتابيه في بلاد الحرب،

اكثر تمسكا بدينها و اخلاقها و عاداتها،

و اقل ميلا الى دين زوجها و اخلاقه … بل انه ليخشي على زوجها المسلم ان يتاثر بمحيط الكفر الذى يعيش فيه،

و يخشي اكثر على ذريته من التدين بدين امهم التى تربيهم عليه.

ولهذا اختلف العلماء الذين اجازوا زواج المسلم بالكتابيه في دار الاسلام،

فى زواجه بها في دار الحرب.
فقد ذكر القرطبى رحمه الله: ان ابن عباس رضى الله عنهما سئل عن نكاح اهل الكتاب اذا كانوا حربا

فقال: ” لا يحل و تلا قوله تعالى: وقاتلوا الذين لا يؤمنون بالله و لا باليوم الاخر الى قوله تعالى  و هم صاغرون  ” [التوبه 29] قال المتحدث: حدثت بذلك ابراهيم النخعى فاعجبه يعنى ان ابراهيم يقول بالتحريم و كره ما لك تزوج الحربيات،

لعله ترك الولد في دار الحرب،

و لتصرفها في الخمر و الخنزير.

اه [ الجامع لاحكام القران 3/69 ] فمذهب ابن عباس رضى الله عنهما و ابراهيم النخعي،

تحريم زواج المسلم بالكتابيه في دار الحرب،

و يحتمل ان تكون كراهه الامام ما لك رحمه الله لذلك،

كراهه تحريم.
و سبب التحريم ان المسلم ما مور بقتال الكفار المحاربين،

و في زواجه بالحربيه في دار الحرب ركون الى تلك الدار،

و داع الى سكناه بها و بقائه فيها،

و ذلك يعود الى معنى قتاله مع اخوانه المسلمين بالنقض،

بل ان في بقائه في دار الحرب مع ذريته،

تكثير لسواد الكفار المحاربين على المسلمين.
كما ان امراته الحربيه قد تنشئ اولاده و تربيهم على النصرانيه و بغض المسلمين،

و غير ذلك من المفاسد المترتبه على زواجه بالحربيه في دار الحرب.

اقوال العلماء في حكم زواج المسلم بالكتابيه في دار الحرب.

وقد صرحت كتب المذاهب الفقهيه بكراهه الزواج بالكتابيه في دار الجرب،

الا ان بعضهم يفسرون الكراهه بكراهه التحريم،

و بعضهم يفسرونها بكراهه التنزيه.
قال السرخسى رحمه الله: “بلغنا عن على بن ابى طالب رضى الله عنه،

ان سئل عن مناكحه اهل الحرب من اهل الكتاب

فكره ذلك،

و به ناخذ،

فنقول: يجوز للمسلم ان يتزوج كتابيه في دار الحرب،

و لكنه يكره،

لانه اذا تزوجها ثمه ربما يختار المقام فيهم و قال صلى الله عليه و سلم: انا بريء من كل مسلم مع مشرك،

لا تراءي ناراهما [رواه ابو داود 3/ 105 و لفظه: انا بريء من كل مسلم يقيم بين اظهر المشركين قالوا: يا رسول الله لم

قال: لا تراءي ناراهما)] و لان فيه تعريض و لده للرق،

فربما تحبل فتسبى،

فيصير ما في بطنها رقيقا،

و ان كان مسلما،

و اذا و لدت تخلق الولد باخلاق الكفار،

و فيه بعض الفتنه فيكره لهذا.

” [المبسوط 5/50 و راجع مجمع الانهر في شرح مرتقي الابحر 1/328 و كتاب السير الكبير 5/1838 للامام محمد بن حسن الشيباني] و رجح الفقيه الحنفى محمد امين المشهور بابن عابدين رحمه الله ان الكراهه هنا كراهه تحريميه و ليست كراهه تنزيه،

فقال: “وفيه ان اطلاقهم الكراهه في الحربيه يفيد انها تحريميه و الدليل عند المجتهد على ان التعليل يفيد ذلك،

ففى الفتح: و يجوز تزوج الكتابيات،

و الاولي ان لا يفعل … و تكره الكتابيه الحربيه اجماعا،

لافتتاح باب الفتنه من امكان التعليق المستدعى للمقام معها في دار الحرب،

و تعريض الولد على التخلق باخلاق اهل الكفر،

و على الرق،

بان تسبي و هى حبلى،

فيولد رقيقا،

و ان كان مسلما اه.

[حاشيه رد المحتار على الدر المختار 3/45 و صرح الدكتور و هبه الزحيلى في كتابه الفقه الاسلامى و ادلته 7/145 ان الحنفيه يحرمون الزواج بالحربيه في دار الحرب] فقوله: “والاولي الا يفعل” يفيد كراهه التنزيه في غير الحربيه و ما بعده يفيد كراهه التحريم في الزواج بالحربيه في دار الحرب.
و قال في الشرح الصغير في المذهب المالكى ” و تاكد الكره اي الكراهه ان تزوجها بدار الحرب،

لان لها قوه بها لم تكن بدار الاسلام،

فربما ربت و لده على دينها،

و لم تبال باطلاع ابيه على ذلك … [الشرح الصغير 2/420)] و قال النووى رحمه الله: “وتحل كتابيه و لكن تكره حربيه و كذا ذميه على الصحيح” و قال في الحاشية: “لكن الحربيه اشد كراهه منها” [المنهاج مع حاشيته 2/187)] و قال الخرقى رحمه الله: “ولا يتزوج في ارض العدو،

الا ان تغلب عليه الشهوه فيتزوج مسلمه و يعزل عنها،

و لا يتزوج منهم،

و من اشتري منهم جاريه لم يطاها في الفرج،

و هو في ارضهم” و قال ابن قدامه معلقا على ذلك: ” يعنى و الله اعلم من دخل ارض العدو بامان،

فاما ان كان في جيش المسلمين فمباح له ان يتزوج،

و قد روى عن سعيد بن ابى هلال انه بلغه ان رسول الله صلى الله عليه و سلم،

زوج ابا بكر اسماء بنت عميس و هم تحت الرايات.

اخرجه سعيد،

لان الكفار لا يد لهم عليه،

فاشبه من في دار الاسلام.
اما الاسير فظاهر كلام احمد انه لا يحل له التزوج ما دام اسيرا،

لانه منعه من و طء امراته اذا اسرت معه،

مع صحه نكاحهما،

و هذا قول الزهري،

فانه قال: لا يحل للاسير ان يتزوج ما دام في ارض المشركين ” [المغنى 9/292-293)]

وقال ابن القيم رحمه الله: “وانما الذى نص عليه احمد،

ما رواه ابنه عبدالله،

قال: كره ان يتزوج الرجل في دار الحرب،

او يتسرى،

من اجل و لده،

و قال في روايه اسحاق بن ابراهيم: لا يتزوج و لا يتسري الاسير،

و لا يتسري بمسلمه الا ان يخاف على نفسه،

فاذا خاف على نفسه لا يطلب الولد …” [احكام اهل الذمه 2/420)] و بهذا يظهر ان مذهب الامام احمد،

اكثر صراحه في تحريم زواج المسلم بالكتابيه في دار الحرب،

بل لا يبيح له و طء امته المسلمه او امراته في دار الحرب الا للضروره مع توقى انجاب الولد.

و يلى مذهب الامام احمد في الصراحه بالتجريم المذهب الحنفي.

اسباب تحريم العلماء زواج المسلم بالكتابيه في دار الحرب.

والذى دعا العلماء الى القول بتحريم زواج المسلم بالكتابيه في دار الحرب او كراهته،

يتلخص في ثلاثه امور رئيسة:
الامر الاول: الخوف على ذريه المسلم المولودين في دار الحرب.
من ان يربوا على غير دين ابيهم،

فيكون بذلك قد غرس لاعداء الاسلام غرسا يكثر به سوادهم،

و يخسر بذلك المسلمون الذين هم اولي بتكثير سوادهم،

و قد علم ان حفظ النسل ضروره من ضرورات الحياه التى يجب حفظها و حمايتها.
و المقصد الاساسى من حفظ النسل البشرى في الارض،

ان يكون النسل محققا لعباده الله،

لان الله تعالى انما خلق الخلق لعبادته،

كما قال تعالى ” وما خلقت الجن و الانس الا ليعبدون  [ الذاريات 56 ] و بعباده الله تعالى يعمر الكون عماره ترضيه،

و تحقق للبشريه السعاده في الدنيا و الاخره و المسلم الذى يلقى نطفته في رحم يعلم او يغلب على ظنه،

ان ذريته المتناسله من ذلك الرحم سيكونون في عداد الكفار الذين يصدون عن دين الله،

يكون قد اضاع نسله،

و لم يحفظه الحفظ الذى يترتب عليه المقصد الاساسى منه.
و لهذا نص بعض العلماء على ان المسلم لا يتزوج في دار الحرب وان خاف على نفسه.

و بعضهم اجاز له ان يتزوج بمسلمه و يعزل عنها ز و بعضهم اجاز له التزوج بالحربيه و لا يقصد الولد،

و لا يطا جاريته في فرجها.

كل ذلك من اجل الخوف على و لده من الكفر.
الامر الثاني: الخوف من اختيار المسلم المقام بين ظهرانى الكفار الحربيين،

لما في ذلك من المفاسد:

مفاسد الزواج بالكتابيه في دار الحرب

المفسده الاولى: مخالفه الامر بالهجره الى بلاد الاسلام.
و في ذلك تعريض المسلم نفسه لعذاب الله و سخطه،

و اذلال نفسه لعدوه،

كما قال تعالى: ان الذين توفاهم الملائكه ظالمى انفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الارض قالوا الم تكن ارض الله و اسعه فتهاجروا فيها فاولئك ما واهم جهنم و ساءت مصيرا الا المستضعفين من الرجال و النساء و الولدان لا يستطيعون حيله و لا يهتدون سبيلا فاولئك عسي الله ان يعفو عنهم و كان الله عفوا غفورا 
قال القرطبى رحمه الله: “المراد بها جماعه من اهل مكه كانوا قد اسلموا،

و اظهروا للنبى صلى الله عليه و سلم الايمان به،

فلما هاجر النبى صلى الله عليه و سلم،

اقاموا مع قومهم،

و فتن منهم جماعه فافتتنوا،

فلما كان امر بدر خرج منهم قوم مع الكفار،

فنزلت الايه …” [الجامع لاحكام القران 5/345)] فالمسلم الذى يقيم في بلاد الحرب و هو قادر على الهجره الى بلاد الاسلام معرض لسخط الله.

المفسده الثانية: تكثير سواد الكافرين،

و تقليل سواد المسلمين.
و في ذلك تقويه للكفار،

و اضعاف للمسلمين.

المفسده الثالثة: تعريض ذريته للكفر،

او الاسترقاق،

و لو كانوا مسلمين،

ذلك ان امراته قد ياسرها المسلمون و هى حامل،

فيكون و لدها رقيقا.

المفسده الرابعة: ما قد يتعرض له المسلم من المنكر.
و من ذلك تعاطى المحرمات التى قد لا يستطيع الافلات من تعاطيها،

و مشاهده المنكرات الكثيره التى تجعله يالفها و لا ينكرها قلبه،

بل قد يموت قلبه فيرضي بها لكثرتها.
المفسده الخامسة: ما تمارسه امراته من منكرات.

فقد تمارس انواعا كثيره من تلك المنكرات،

و قد يميل مع طول الوقت و المعايشه الى كثير من تلك المنكرات المخالفه لدينه،

ان سلم من الارتداد عنه.
و من هنا يبدو رجحان القول بتحريم زواج المسلم بالكتابيه في دار الحرب،

لان زواجه بالكتابيه في دار الاسلام مباح مع الكراهه و معلوم ان تناول المباح اذا ادي الى مفاسد تفوق المصلحه من تناوله،

غلب جانب المفسده الراجحه فيدخل في الحرام بذلك،

و مفاسد نكاح الكتابيه في دار الحرب تفوق المصالح المترتبه عليه كما هو و اضح مما تقدم،

و الله تعالى اعلم


الفصل الثالث:
حكم زواج المسلم بالكتابية
في دار الكفر اليوم

هذا الموضوع هو اصعب موضوعات هذه الرساله و سبب صعوبته ان احوال بلدان المسلمين و بلدان الكفر قد تغيرت.
فقد كانت الارض في العصور الاسلاميه السابقه تنقسم الى بلاد اسلام يطبق فيها شرع الله،

و اهل الحل و العقد فيها هم المسلمون،

و ترفع بها رايه الاسلام،

و تبعث منها كتائب الدعوه الى الله و الجهاد في سبيله،

و بلاد كفر اهلها يحاربون الاسلام،

حربا مباشره و لا يخرجها عن كونها بلاد حرب،

الا المعاهدات التى تعقد بين زعماء المسلمين و زعماء تلك البلدان.
اما الان فان كثيرا من بلدان المسلمين التى كل سكانها او غالبهم مسلمون،

قد تربع على كراسى حكمها من يحاربون الاسلام و تطبيق شريعته،

اشد من كثير من الكفار الحربيين.
و من امثله ذلك بعض الشعوب الاسلاميه التى حكمها شيوعيون ملحدون،

لا يؤمنون بالله و لا برسوله و لا باليوم الاخر و لا بالوحي،

بل يعدون الايمان بالغيب الذى جاءت به الرسل و نزلت به الكتب،

خرافه تجب محاربتها و القضاء على من يعتقدها و يؤمن بها.
و كذلك العلمانيون الذين يرون اقصاء الاسلام عن حياه الناس،

و يسندون رايهم بالقوه و يرون ان قوانين البشر انفع لحياه الناس من احكام القران و السنه و قلما تخلو من احد هذين الصنفين بلاد من بلدان المسلمين،

و ان كانوا في بعض الشعوب لا يجرؤن على الظهور بمظهر الدعوه الى اقصاء الاسلام علنا،

لعلمهم بان الظروف غير مناسبه لذلك.

فبماذا نحكم على هذه البلدان التى يحكمها امثال هؤلاء؟
اهى بلاد اسلام،

نظرا لان كل سكانها،

او اغلبهم مسلمون وان كان الحل و العقد فيها لغير المسلمين ام هى بلاد كفر،

لان الاحكام التى تنفذ فيها هى احكام القوانين التى تعارض نصوص القران و السنه التى اجمعت الامه على و جوب الحكم بها؟
و تعريف بعض علماء الاسلام لبلاد الاسلام و بلاد الكفر يرجح اعتبارها دار كفر،

و ليست دار اسلام،

فقد قال علاء الدين الكاسانى رحمه الله: “ان دار الكفر تصير دار اسلام بظهور احكام الاسلام فيها … وان دار الاسلام تصير دار كفر بظهور احكام الكفر فيها ” [ بدائع الصنائع 9/4374..

] و قد سالت بعض العلماء المعاصرين عن تعريفهم لدار الكفر و دار الاسلام،

فلم يجبنى الا سماحه رئيس مجلس القضاء الاعلي السابق في المملكه العربيه السعوديه الشيخ عبدالله بن حميد رحمه الله،

و هذا نص جوابه: “نفيدكم ان العبره بمن كانت له الولايه و الحل و العقد و التصرف في البلد،

فان كان ذلك للمسلمين،

فهى دوله اسلاميه وان و جد بها كفار،

و ان كان الحل و العقد و التصرف و الولايه للكفار،

فتعتبر الدوله كافره وان كثر فيها المسلمون” [ في خطاب خاص بعث به الى برقم 422/1 و تاريخ 7/3/1401ه ] يلاحظ ان الشيخ اختار لفظ ” الدوله ” و لم يختر لفظ ” الدار ” و لعله لا يريد ان يسمى الدار دار كفر،

لان بعض بلدان المسلمين يحكمها من لا يؤمن بالاسلام.
و لقد ابتلى المسلمون بهذا الوضع الشاذ في كثير من بلدانهم،

و لو طبقنا تعريف بعض العلماء لبلاد الكفر،

لما سلم من هذا الوصف كثير منها،

و في ذلك من الاخطار ما فيه،

اذ يترتب عليه الا يتزوج المسلم في بلاده التى تلك صفتها بالمسلمه فضلا عن الكتابيه خشيه من ان يصبح اولاده شيوعيين او علمانيين يحاربون الاسلام،

و اذا اضطر الى ذلك لا يقصد الولد.
لهذا لا اريد الخوض في هذا الامر،

و على المسلمين ان يتقوا الله ما استطاعوا في بلدانهم،

و ان يصبروا على التمسك بدينهم،

و على تنشئه اولادهم عليه،

حسب قدرتهم و وسعهم،

و لا يكلف الله نفسا الا و سعها.
و لندع بلدان المسلمين،

و ننتقل الى الكلام عن بلدان الكفر،

لنعرف كيف تغيرت احوالها هى ايضا،

لانها هى المقصوده في هذا الموضع.


حكم زواج المسلم بالكتابيه في بلاد الكفر اليوم.

والكلام فيها يتلخص في ثلاث مسائل:
المساله الاولى: صفه بلاد الكفر اليوم.
المساله الثانية: حاله المسلمين في بلاد الكفر اليوم.
المساله الثالثة: حكم زواج المسلم بالكتابيه في بلاد الكفر اليوم.

المساله الاولى: صفه بلاد الكفر اليوم.
لقد كانت الخلائق في اخر عهد الرسول صلى الله عليه و سلم،

كما قال ابن القيم رحمه الله ثلاثه اقسام: “مسلم مؤمن به،

و مسالم له امن،

و محارب” [ زاد المعاد 3/160 ] و المراد بالمسالم له الامن اهل الذمة.
واما الارض فكانت قسمين: ارض الاسلام،

و هى التى يدين اهلها بالاسلام،

او يخضعون لحكمه باداء الجزيه و ارض الكفر،

و هى التى يسيطر عليها الكفار المحاربون.
و هكذا استمرت الارض في عهد اصحابه،

رضى الله عنهم،

اما بلاد اسلام واما بلاد حرب،

و البلدان التى كانت تعقد هدنه مؤقته مع المسلمين،

هى بلاد حرب ما لم يؤد اهلها الجزيه و يخضعوا لحكم الاسلام.

اما الان فان بلدان الكفار اذا تاملت و اقعها،

و جدتها تنقسم قسمين:
القسم الاول: بلدان يعلن اهلها الالتزام بالسلم و نبذ الحرب،

مع الشعوب الاسلاميه و غيرها،

و هى في الحقيقه ذات صفتين:
صفه تبدو بها انها ليست بلاد حرب،

و هى صفه المعاهدات و الاتفاقات الدوليه التى يترتب عليها تبادل السفراء،

و المعاملات التجاريه و الاقتصاديه و الصناعيه و الثقافيه و غيرها من المنافع،

فهى بهذه الصفه شبيهه ببلاد العهد في العصور الاسلاميه السابقه الا ان العهد في هذا العصر يتخذ صفه الدوام،

و ليس على اسس اسلاميه كما كان في السابق،

و غالب المعاهدات و الاتفاقات تكون المصالح الراجحه فيها لاهل الكفر و ليست لاهل الاسلام،

لان اهل الكفر – و بخاصه البلدان الغربيه – عندهم من القوه ما يجعلهم يسيطرون على من سواهم.
و من الامثله على ذلك: امريكا و بعض دول اوربا و غيرها …
وصفه تبدو بها دار حرب،

و ذلك من ثلاثه جوانب:
الجانب الاول: انها تساعد الدول المحاربه للمسلمين بالمال و السلاح و الغذاء و الخبراء و الاعلام،

و كل ما تحتاج اليه الدوله المحاربه كما تفعل امريكا مع اليهود ضد المسلمين في فلسطين و الدول العربيه المجاوره و كما تفعل مع الفليبين ضد المسلمين في الجنوب …
الجانب الثاني: ان اساطيلها البحريه و اسراب طائراتها الجويه و جحافل جيوشها البريه تجوب البلدان الاسلاميه و غير الاسلاميه و هى على استعداد في اي وقت لمهاجمه اي دوله من دول الشعوب الاسلاميه اذا خرجت على مخططاتها الظالمه كما فعلت امريكا نفسها مع السودان،

عندما هاجمت مصنع الشفاء،

و كما فعلت في افغانستان في نفس الفتره و قد زاد عدوانها على العالم،

و بخاصه المسلمين،

بعد حادث مبني التجاره العالمى في نيويورك يوم 11 سبتمبر 2001م
الجانب الثالث: انها تسعي لايجاد احزاب تواليها و تؤيدها في داخل الشعوب الاسلاميه لمحاربه الاسلام و المسلمين،

و تقوم بامداد تلك الاحزاب بالمال و العتاد و الخبراء،

و بالوسائل الاعلاميه و تدفع تلك الاحزاب للقيام بانقلابات في داخل الشعوب الاسلاميه اذا لزم الامر،

من اجل القضاء على الحركات الاسلاميه كما حاولت ذلك و لا زالت تحاول في السودان – حيث دعمت الدول المجاوره بالمال و السلاح،

و دعمت الاحزاب السودانيه الشماليه الموجوده في خارج السودان،

لفتح جبهات قتاليه كما دعمت الحركات النصرانيه و الوثنيه في جنوب السودان،

لنفس الغرض.
و هذه الجوانب الثلاثه كافيه لعد تلك الدول الكافره دول حرب،

و بلدانها بلدان حرب.
و قد اعتبر الرسول صلى الله عليه و سلم قريشا في مده الهدنه بينه و بينهم حربا على المسلمين،

بسبب اعانتهم بنى بكر الذين دخلوا في عهدهم بالسلاح،

علي خزاعه الذين دخلوا في عهد الرسول صلى الله عليه و سلم.

[راجع في ذلك تفسير الامام البغوى 2/266] و اذا كانت الشعوب الاسلاميه غير قادره في الوقت الحاضر بسبب ما هى فيه من ضعف و تفرق،

و بسبب المعاهدات و الاتفاقات الدوليه التى لا طاقه لهم بمخالفتها ان تعامل تلك الدول المعتديه عليها معامله الحربيين بكثير من الاحكام الشرعيه كدعوتها لاحد امرين: الدخول في الاسلام،

او اداء الجزيه فان ابوا فاعلان الجهاد في سبيل الله،

كما كان ذلك في عهد الرسول صلى الله عليه و سلم،

و مضي عليه السلف الصالح،

عندما كانوا متمسكين بالاسلام،

فيجب ان يعد المسلمون العده المعنويه و هى تقويه ايمانهم،

و التقرب الصادق و الاخلاص الكامل لله عز و جل،

و العده الماديه من اقتناء العتاد و صنعه،

و تدريب الشعوب الاسلاميه ليوم اللقاء المرتقب.
القسم الثاني: دار اسلام من حيث الاصل،

و لكها اصبحت دار حرب،

بسبب استيلاء اعداء الاسلام من اليهود عليها،

و هى ارض فلسطين التى انتزعها اليهود بمناصره النصاري في البلدان الغربيه و على راسها بريطانيا و الولايات المتحده الامريكيه فهى من حيث هذا الاستيلاء دار حرب.
و الاصل انه لا فرق في الحكم بين دار الحرب في الماضي،

و دار الحرب في هذا الزمان،

من حيث عدم جواز زواج المسلم بالكتابيه فيها،

لما مضي من الادله القاضيه بذلك.
اما زواج المسلم بالمسلمه في هذا البلد،

فلا يمكن تطبيق حكم دار الحرب عليه،

فلا يمنع المسلم من الزواج بالمسلمه بحجه تعريض الولد للكفر و اخلاق الكفار،

او تكثير سواد الحربيين،

لان الزواج و قصد الاولاد و الاكثار من النسل،

هو في مصلحه المسلمين الذين يجب عليهم ان يتخذوا كل الاسباب التى تحرر الارض المباركه و قبله المسلمين الاولى،

من ايدى العدو اليهودى المغتصب،

و كثره النسل يعين المسلمين على كثره المجاهدين،

و الاعداد لطرد اليهود منها،

و لا يجوز للمسلمين الهجره هن بلادهم،

بحجه انها دار حرب،

لانالمحارب معتد طارئ الوجود في البلد،

و لان في هجره المسلمين من بلادهم،

يتيح لاعداء الاسلام الاستئثار بها،

و خساره المسلمين لارضهم.
و الواجب على المسلمين المجاورين لارض فلسطين،

ان ينصروا المجاهدين الفلسطينيين،

حتي تتحرر ارضهم،

و اذا لم يكف هؤلاء و هؤلاء،

و جب على من يليهم في البلدان الاسلاميه ان ينضموا اليهم،

حتي لو لم يكف لجهاد لاعداء الله من اليهود الا كل المسلمين،

لوجب عليهم عينا القيام بذلك،

و الا كان كل قادر منهم على الاشتراك هذا الجهاد اثما اذا لم يقم به.

حاله المسلمين المقيمين في بلاد الكفر اليوم

ان اغلب المسلمين الذين ينتقلون من بلادهم الى بلاد الكفر،

و يسكنون فيها،

انما يفعلوا ذلك لنيل مصالح خاصه و هي: طلب الرزق بالحصول على اجور معينه على الاعمال التى تتاح لهم،

او تجاره لطلب الربح،

و بعضهم يهاجرون اليها لطلب علم معين،

و منهم من يهاجر اليها هربا من الظلم الذى يصبه عليهم حكامهم،

و قليل جدا من يبقي في بلاد الكفار من اجل الدعوه الى الاسلام
[تنبيه: هذا كان في الفتره التى كتبت فيها هذا البحث،

اما اليوم فقد كثرت المراكز الاسلاميه و المساجد و المدارس،

بل بدا المسلمون ينشئون جامعات في بلدان الغرب،

و قد يفرغ بعض الدعاه و العلماء للقيام بتعليم المسلمين و دعوه غيرهم الى الاسلام].
هذا من حيث مقاصد المسلمين المقيمين في بلاد الكفر.

اما حالتهم في تلك البلدان،

فان المصالح التى تعود الى الكفار منهم اعظم من المصالح التى تعود على المسلمين،

فغالب المسلمين هم من ذوى الاعمال البدنيه ذات الجهود الشاقه و الاجور الزهيده و ثمار اعمالهم عائده الى الكفار،

الذين يعدون العده للاضرار بالمسلمين عند الحاجه فالمسلمون العاملون في البلدان غير الاسلاميه يساعدون اهل تلك البلدان بطريق مباشر او غير مباشر بغير قصد في الغالب – ضد المسلمين في بلدانهم.
و كذلك المتخصصون المهره في اي علم من العلوم الكونيه و الانسانيه كالطب و الفلك،

و الكيمياء،

و الفيزياء،

و الاقتصاد،

و القانون،

و السياسه و العلوم العسكريه … كل جهود هؤلاء تعود ثمارها بالفائده على بلاد الكفر.
و قد سمعت من بعض المسلمين المتخصصين في بعض تلك العلوم الذين اضطروا الى البقاء في تلك البلدان،

انهم نادمون ندما شديدا على مشاركتهم في بناء بلاد الكفر بجهودهم،

و حرمان بلادهم من تلك الجهود،

مع العلم ان ما يجنونه من اجور على تلك الجهود لا يعد شيئا يذكر،

و لو اتيحت لهم فرص العمل في تخصصاتهم باقل من ذلك،

لفضلوا العمل في بلدانهم على العمل في تلك البلدان.
و قد يظن بعض الناس ان المسلمين يستفيدون فائده معنويه في بلدان الكفر،

لا يجدونها في بلدانهم،

تلك الفائده هى حريه التدين،

و حريه الكلمه و الدعوه الى الاسلام،

و اقامه الشعائر الدينية.
و هذا الظن صحيح في ظاهر الامر،

اما الواقع فان خساره المسلمين في بلاد الغرب التى توجد فيها حريه لا توجد في اكثر بلاد المسلمين،

خساره فادحة.
فالحريه الموجوده في تلك البلاد،

يتمتع بها اهل البلاد انفسهم،

لانهم هم الغالبيه العظمي التى لها عقائدها،

و عاداتها،

و اخلاقها،

و نظمها و قوانينها،

و وسائل اعلامها و تعليمها.
اما الوافدون المسلمون من خارج تلك البلاد،

فهم قله قليله يعدون في تلك البيئه كقطره ماء صاف عذب،

القيت في محيط من القاذورات،

تري هل تؤثر تلك القطره في ذلك المحيط،

او تذوب فيه فتصبح كالعدم؟
و ما ذا عسي ان يصنع احاد المسلمين في المصانع بين الاف الكافرين

و ما ذا عسي ان يصنع مسلم واحد،

او اسره واحده في منزل بحى من الاحياء التى يسكنها ملايين من الكفار

و ما ذا سيحدث مركز اسلامى صغير لا يوجد به دعاه فقهاء في الدين بين الاف الدعوات المضاده للاسلام،

المسنده بقوه الدوله و الشعب؟
لهذا تجد الوافد الجديد على البلدان غير الاسلاميه التى بها تلك الحريه ممن يفقدون الحصانه الايمانيه و الفقه في الدين يذوبون غالبا في بوتقه البيئه الغربيه و تذوب من باب اولي ذريتهم،

و لو بقيت اسماؤهم اسلامية.
طفل مسلم صغير يجهل ابواه الاسلام،

يدفع به في رياض الاطفال،

ثم في المراحل لدراسيه الاخرى،

يختلط بزملاء غير مسلمين،

لهم عقائدهم و اخلاقهم و عاداتهم،

و مدرسين غير مسلمين،

يوجهونه الى محبه عاداتهم و اعتقادهم و اخلاقهم،

و يري كل ذلك في سلوكهم،

كيف ينجو من الكفر و اثاره في مراحل دراسته من الروضه الى الجامعه الى الدراسات العليا

كيف ينجو الشاب من مخالطه الخليلات،

و كيف تنجو الشابه من الخلان و الاخدان

كيف يفلت المسلم و المسلمه من شرب المسكرات و تناول لحم الخنزير،

كيف ينجو من دخول الكنيسه و اداء الطقوس النصرانيه الكافرة

كيف ينجو من الضلال و الارتداد عن دينه بسبب ما تلقي عليه من الشبهات المشككه في الاسلام؟
ثم لو فرض وجود ابوين مسلمين حريصين على تربيه اولادهما تربيه اسلاميه فعصاهما الاولاد بعد بلوغهم سنا معينه كالثامنه عشره مثلا فاختاروا الكفر على الاسلام،

و الكنيسه على المسجد،

و الفسق على الطاعه فما سلطه الابوين على اولادهما،

و القانون يحول بينهما و بين منع اولادهما من تلك الامور،

تحقيقا للحريه الموجوده في البلد؟
الفتاه المسلمه لها الحق ان تتزوج بالرجل الكافر،

و لا حق لابويها في الاعتراض على ما تختار و من تختار،

تحقيقا للحريه السائده في البلد،

و لا يستطيع المسلم المقيم في ديار الكفر ان يستنجد باى دوله من دول الشعوب الاسلاميه لتنقذه من القوانين المنفذه في بلاد المهجر،

بل على العكس من ذلك لو استنجد احد الكفار بدولته الكافره و هو في بلد مسلم،

لحصل على النجده التى تنقذه من سلطه الدوله التى يوجد بها،

و لو كان مجرما،

علي خلاف ما كان عليه المسلمون في الماضي.
هذه هى حال المسلمين في بلاد الكفر في هذا الزمان،

انهم شبيهون في ضياع دينهم و اسرهم بالاسري في دار الحرب لشده الضغوط الاجتماعيه و القانونيه في الشئون الاسريه التى يتعرضون لها في تلك البلدان وان كانت القوانين المتعلقه بالمعاملات الاخري اقل عنتا و عسرا.

شواهد و تجارب تدل على خطر زواج المسلم بالكتابيه في دار الكفر

انك لا تذهب الى اي بلد من بلدان الكفر،

الا و جدت كثيرا من المسلمين يشكون اشد الشكوي من ارتداد مسلمين عن دينهم،

و تشرد كثير من ابنائهم و هربهم عن اسرهم،

بتاييد من سلطات تلك الدول التى استوطنوها،

عن طريق القانون و الضمان الاجتماعى الذى يوفر للشاب و الشابه المسكن و النفقه بعيدا عن اسرته.
و اقلهم خطرا من لا يزال يدعى الاسلام و هو لا يفهم من الاسلام شيئا،

يمارس اغلب المنكرات التى يمارسها الكفار،

و في مقابل ذلك تجد قله ممن يدخلون في الاسلام من اهل الكتاب،

اكثرهم بعيدون عن فهم حقيقه الاسلام،

و عن تطبيق مبادئه تطبيقا سليما،

بسبب قله من يتابعهم من الدعاه الى الله الذين يفقهون الاسلام فقها صحيحا،

و يمثلون للناس القدوه الحسنة.
بل قد و جدنا من دخل في الاسلام و اصبح زعيما للمسلمين،

و امراته نصرانيه تجمع التبرعات من المسلمين و من النصاري لرفع شان الكنيسه


و ما ذا عسي ان يجد ابناؤه من تربيه و امهم لا يهدا لها بال الا في النشاط الكنسي،

و اذا ذهبت الى الكنيسه فهل ستدع اولادها في المنزل،

او تبعثهم الى المسجد الذى لا يعرفه ابوهم الا في المناسبات.
و قد اخبرنا بعض المسلمين في مدينه “برزبن” و هى من المدن الاستراليه الشرقيه في يوم السبت 29/من شهر شوال عام 1404ه،

ان بعض المسلمين من افغانستان و الهند الذين جاءت بهم بريطانيا للعمل هناك لاستخدامهم في الاعمال الشاقه كانوا متمسكين بدينهم،

و بنوا لهم مسجدا صغيرا من الخشب في منطقه تسمي “كويزلند” سنه 1908م يقيمون فيه شعائر دينهم،

و تزوجوا من نصرانيات و انجبوا ذريه اصبحوا بعد انقراض ابائهم نصارى،

و لا يزالون يسكنون في نفس المنطقه و يقفون بقرب المسجد ينظرون الى المسلمين و هم يصلون و يدرسون ابناءهم،

و يحملون اسماء ابائهم المسلمين،

و قد حاول امام المسجد و بعض المسلمين دعوتهم للرجوع الى الاسلام دين ابائهم،

فلم يستجيبوا لذلك.
و كان سبب ذوبانهم في دين امهاتهم جهلهم بدينهم،

و تنشئتهن لهم على دينهن.
[وقد بني المسلمون مكان هذا المسجد الصغير مركزا اسلاميا،

يشتمل على مسجد و مدرسه و مكتبه لتدريس ابنائهم،

و قد زرنا هذا المركز،

انا و الشيخ عمر فلاته رحمه الله،

فى نفس التاريخ المذكور 2/شوال عام 1404ه] هذا في استراليا،

و في وقت مبكر نسبيا.

وفى يوم السبت 25 شوال عام 1405ه اخبرنا انا و الشيخ عمر فلاته ايضا امام المركز الاسلامى الثقافى في فى مدينه “شيكاغو” الامريكيه و اسم الامام: “مصطفي ابراهيم سرك” و هو متخرج من كليه اللغه العربيه بالجامعه الازهريه سنه 1978م،

ان فتاه يوغسلافيه كانت تسكن مع اسرتها في هذه المدينه ثم ذهبت الى و لايه كاليفورنيا،

و انتظمت في احدي المدارس،

و اتصلت ببعض المسيحيين،

و اشتكت بانها تجد نفسها حزينه في بعض الاوقات،

فقالوا لها: ان عيسي عليه السلام ” Jesus ” هو الذى سيحل لها مشكلاتها،

اذا هى امنت به،

و قالوا لها: ان محمدا صلى الله عليه و سلم كان مجنونا،

و ان اتباعه كانوا فقراء متخلفين،

فامنت بالمسيحيه و ارتدت عن الاسلام.
و عندما رجعت الى اسرتها،

غضبوا عليها و امرها ابوها ان تعود الى الاسلام،

فرفضت،

و قالت: انها مستعده ان تموت من اجل ايمانها بالمسيحيه مؤكده بذلك شده ايمانها بها،

و هى الان خارج منزل اسرتها.
و لا يغرن اخواننا الدعاه المتجولين في العالم،

ما يرزن من نشاط اسلامى طلابى او غيره في بعض دول الكفر،

كالولايات المتحده الامريكيه و كندا و بعض دول اوربا،

فانهم لو اختلطوا بالجاليات المسلمه في تلك البلدان،

و تعرفوا على كثير من الاسر المسلمه لراوا البون الشاسع بين ربح النشاط الاسلامى و الخساره الفادحه التى تصيب تلك الاسر في دينها و سلوكها،

و بعد ابنائها الذين يدرسون في مدارس البلدان الكافره عن مبادئ الاسلام.
هذه نبذه موجزه عن حاله المسلمين في البلدان غير الاسلاميه و من اراد ان يعرف الحقيقه المره عن تلك الحال،

فليشد الرحال الى تلك البلدان،

و يختلط بالجاليات و الاسر الاسلاميه في منازلهم،

و ليزر ابناءهم في المدارس الرسميه و في النوادى الرياضيه و الثقافيه و الاجتماعيه ليري ما لم يدر في حسبانه.
كيف و المنصرون يخرجون ابناء المسلمين من دينهم الى الدين النصرانى في عقر دارهم.

[راجع كتاب ” غاره تبشيريه جديده على اندونيسيا ” لابى هلال الاندونيسي.

طبع دار الشروق]


حكم زواج المسلم بالكتابيه في دار الكفر اليوم

سبق ان جمهور العلماء يرون جواز زواج المسلم بالكتابيه في دار الاسلام مع الكراهه و بعض العلماء يري جواز ذلك في دار الحرب،

مع الكراهه الاشد،

و بعضهم يري تحريم ذلك في دار الكفر.
وان بعض السلف يري تحريم الزواج بالكتابيه في دار الاسلام و دار الكفر على السواء.
و سبق ان دار الكفر في هذه الازمان ليست دار حرب محضه كما كانت دار حرب في الماضي،

و ليست دار عهد محضه بل كثير منها تعتبر بلاد حرب غير مباشره كما هو الحال بالنسبه للدول التى تساعد اليهود ضد المسلمين بالمال و السلاح و غيرهما،

و هى مستعده للحرب المباشره في اي لحظه تشعر فيها بالخطر على مصالحها او مصالح اليهود،

كامريكا و بعض دول اوربا،

او بالرجال،

مثل الاتحاد السوفييتى سابقا و بعضها دار حرب مباشره كحال الاتحاد السوفييتى سابقا في حرب افغانستان كان هذا قبل ان تغادر القوات السوفييتيه ارض افغانستان) و انكي من ذلك و اشد ان تلك الدول تحارب المسلمين في بلدانهم،

حربا سياسيه بدعم الاحزاب المواليه لها بالسلاح لضرب بعضها بعضا،

و اقتصاديا كذلك …
و كثير من الاتفاقات الدوليه المبرمه بين دول الكفر و حكومات الشعوب الاسلاميه تكون في صالح دول الكفر اكثر من كونها في صالح المسلمين،

بل ان الضرر الذى يلحق الشعوب الاسلاميه من تلك الاتفاقات،

اكثر من النفع الذى تحصل عليه منها.
كما ان بعض المعاهدات تخالف مقاصد الاسلام،

و من اهمها ابطال معنى الجهاد في سبيل الله،

الذى هدفه الاول هو الدعوه الى الله،

و دخول الناس في هذا الدين،

او خضوعهم لنظامه العام بدفع الجزيه و الا قوتلوا،

كما كان عليه الرسول صلى الله عليه و سلم و اصحابه،

و من تبعهم من السلف الصالح،

و هو الحكم الشرعى الباقى الى يوم الدين.
و سبق بيان حاله المسلمين في ديار الكفر،

و انهم معرضون للذوبان في المجتمع الكافر،

و ان بعضهم يرتد عن الاسلام،

و بعضهم يبقي مسلما بالاسم و الانتساب،

و هو قد ضاع في تلك المجتمعات الكافره و الناجون من ذلك قليل.
فاذا نظرنا الى ديار الكفر من جهه ما تقوم به من حرب مباشره ضد المسلمين،

او غير مباشره فان القياس يقتضى تحريم زواج المسلم بالكتابيه فيها قياسا على تحريم ذلك عند بعض العلماء في دار الحرب،

و اذا نظرنا اليها من جهه ما بينها و بين حكام الشعوب الاسلاميه من معاهدات و اتفاقات،

فالقياس يقتضى اباحه الزواج بالكتابيه في ديار المسلمين وان كانت لا تعتبر ذميه و لا حربيه اما الزواج بها في ديار الكفر التى فيها شبه بدار الحرب المحضه و شبه بدار العهد فان فيه اشكالا،

لان هذه الدار التى هذه صفتها جديده لم تكن موجوده في عهد الرسول صلى الله عليه و سلم،

و لا في عهد خلفائه لان الديار كلها كانت اما دار اسلام و يدخل فيها اهل الذمه ،

و اما دار حرب – و يدخل فيها دار العهد المؤقت و عندما كان المسلمون يتزوجون بالكتابيات،

انما كانوا يتزوجون بهن في ديار الاسلام،

و ديار الاسلام كانت محكومه بشريعه الله،

و المجتمع فيها كان مجتمعا اسلاميا،

و الكتابيه ذميه و ليست حربيه و اسلام الكتابيه التى يحيط بها المجتمع الاسلامي،

الذى تطبق فيه احكام الاسلام في المنزل و المسجد و الشارع ما مول،

و تربيه ابنائها على الاسلام و تنشئتهم على مبادئه و ادابه هى الاساس،

لان البيئه كلها تساعد على ذلك: الاسره و الجيران،

و المسجد،

و دور العلم،

و المجتمع كله،

لان القوه في كفه الاسلام و المسلمين،

و المراه اقرب الى التاثر بالاسلام من التاثر في و لدها بالكفر و عاداته.
و لو فرض انها حاولت التاثير فيه فانها ستفشل،

و اذا علم الزوج و اسرته او اي مسلم بذلك يبادر الى احباط تلك المحاوله و لو تقدمت بشكوي الى القضاء تطلب فيها الاستقلال بتربيه اولادها،

فان الشرع الاسلامى لا يبيح لها ذلك،

بل يحكم بالاشراف على الاولاد و تربيتهم لمن في اشرافه و تربيته مصلحتهم في دينهم،

و لا يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا.
و اذا فرض ان زوج الكتابيه تساهل معها في تربيه اولاده،

فان المسلمين لا يسكتون عن ذلك،

لتمسكهم بقاعده الامر بالمعروف و النهى عن المنكر،

اما من قبل المحتسبين من المجتمع،

و اما من قبل الحاكم المسلم هذا بالنسبه لدار الاسلام.

المفاسد المترتبه على زواج المسلم بالكتابيه في دار الكفر

اما دار الكفر في هذا الزمان،

فان الزواج بالكتابيه فيها يترتب عليه مفاسد كثيره و منها ما ياتي:

المفسده الاولى: اقامه المسلم في دار الكفر.
و ذلك مخالف لحكم الهجره من دار الكفر الى الاسلام،

كما هو معروف.

المفسده الثانية:
اعانه المسلم المقيم في بلاد الكفر للكافرين على المسلمين،

لما يبذله من جهد و طاقه في تقويتهم بعمله معهم،

سواء كان الجهد بدنيا في المصانع و غيرها،

او عقليا في شتي العلوم المهمه كالطب و الهندسه الفلك و غيرها،

و يدخل في ذلك تقصيره في قتال الكفار المحاربين للمسلمين و هى مفسده عظيمه لا يجوز اغفالها [ احكام القران للجصاص 1 / 366 ].

المفسده الثالثة:
تعرض المسلم لعادات اهل الكفر و اخلاقهم و معاملاتهم التى يكون كثير منها محرما في دينه،

و قد لا يقدر على ترك ذلك لاضطراره الى الاختلاط بهم في المنازل و اماكن العمل و التنقلات،

و يخشي عليه ان كان جاهلا ضعيف الايمان،

ان يترك دينه و يدخل في دين الكفر و هذا و قع.

المفسده الرابعة:
فقد معنى الولاء و البراء الذى امر الله به المؤمنين،

كما قال تعالى: (يا ايها الذين امنوا لا تتخذوا اليهود و النصاري اولياء بعضهم اولياء يعض و من يتولهم منكم فانه منهم ان الله لا يهدى القوم الظالمين) [ المائدة: 51 ] و قوله تعالى: (انما و ليكم الله و رسوله و الذين امنوا يقيمون الصلاه و يؤتون الزكاه و هم راكعون و من يتول الله و رسوله و الذين امنوا فان حزب الله هم الغالبون يا ايها الذين امنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا و لعبا من الذين اتوا الكتاب من قبلكم و الكفار اولياء و اتقوا الله ان كنتم مؤمنين) [ المائدة: 55 57 ].
و قوله تعالى: (قد كانت لكم اسوه حسنه في ابراهيم و الذين معه اذ قالوا لقومهم انا براء منكم و مما تعبدون من دون الله كفرنا بكم و بدا بيننا و بينكم العداوه و البغضاء ابدا حتى تؤمنوا بالله و حده.. [ الممتحنة: 4 ].
و الغالب ان المسلم الذى يخالط الكفار و يؤاكلهم و يشاربهم و يصاهرهم يذهب من قلبه العداء لهم،

و يقل في قلبه و لاؤه لله و لرسوله و لعباده المؤمنين.

المفسده الخامسة:
الرضا بالمنكر الذى يراه يتكرر امام ناظريه في كل وقت: من شرب الخمر و اكل لحم الخنزير و الكفر بالاسلام و وسائل الزنا،

بل و الزنا نفسه،

و قد يقع هو نفسه في تلك المعاصي،

لان احساسه بمفاسدها و كونها من مساخط الله تعالى يضعف في نفسه لتكرارها و بقائها في محيط اهلها.

المفسده السادسة:
تاثير امراته الكتابيه عليه بعاداتها و اخلاقها،

اكثر من تاثيره هو عليها،

لان المحيط الذى يعيش فيه هو محيطها و البيئه بيئتها،

و هى تاكل لحم الخنزير و تشرب الخمر و تختلط بالاجانب من الرجال امامه،

محارم و غير محارم و هى كاشفه اغلب جسمها،

و قد تصافحهم،

و قد تراقصهم و هو يري ذلك كله و يسكت عنه فيالف الدياثه و قد ينالون منها ما و راء ذلك كله،

و هو يدرى او لا يدري،

كما انه هو قد يختلط بقريباتها و صديقاتها اختلاطا فيه مفاسد كثيره على دينه و خلقه،

و كيف ينجو من التاثر بذلك و هو في محيطه و بيئته؟!
شرط مفقود في الغالب
و لابد هنا من التاكيد على صفه الاحصان التى اباح الله بها للمسلم ان يتزوج الكتابيه في قوله تعالى: (والمحصنات من الذين اوتوا الكتاب) [ المائدة: 5 ] فان اشتراط هذه الصفه يدل على عدم جواز زواج المسلم بالكتابيه التى لا توجد فيها صفه الاحصان،

و قد اختلف في صفه الاحصان هذا على قولين:
القول الاول: ان المراد بها العفه فاذا كانت الكتابيه عفيفه لم تقارف الفاحشه جاز نكاحها،

و ممن فسر الاحصان بالعفه عمر بن الخطاب رضى الله عنه،

فانه عندما كتب اليه حذيفه بن اليمان: “احرام هى يعنى الكتابيه كتب اليه عمر قائلا: لا،

و لكنى اخاف ان تواقعوا المومسات منهن،

قال ابو عبيدة: يعنى العواهر …”
و قال مطرف عن الشعبى في قوله تعالى: (والمحصنات من الذين اوتوا الكتاب من قبلكم) قال: احصان اليهوديه و النصرانية: ان تغتسل من الجنابه وان تحصن فرجها.. [ احكام القران للجصاص 2 / 324 ]،

و ممن قال بذلك: السدي،

و مجاهد و سفيان.
القول الثاني: ان المراد بالاحصان هنا الحريه اي يجوز نكاح الكتابيه الحره دون الامه وان كانت قد اتت بفاحشه اذا تابت منها،

بشرط ان تكون بموضع لا يخاف الناكح فيه على و لده ان يجبر على الكفر.
و قد رجح هذا القول ابن جرير الطبري،

و ذكر القائلين به في تفسيره جامع البيان عن تاويل اي القران 6 / 107-2-108 ] و على كلا القولين فان الكتابيه التى في دار الكفر و ليست في دار الاسلام يرجح جانب الحذر منها،

لما في بيئتها من الفساد الواضح،

و كيف تكون عفيفه من توصم بالعار و الامراض النفسيه اذا بلغت سنا معينا،

و لم تجد من يعيش معها معيشه غير مشروعه كما يعيش الزوج مع زوجته

و كيف لا يخشي من عدم عفه امراه تختلط بالاجانب في الخلوه كالجلوه كما مضى؟

المفسده السابعة:
ان امراته و هى لا تلتزم بامر الله و نهيه،

قد تنجب ذريه من غيره وينسبون اليه،

و يترتب على ذلك احكام كثيره فاسدة: فيورثون اذا بقوا على دينه و لو في الظاهر و يختلطون بابنائه و بناته على انهم محارم،

و كذلك اخواته و اخوانه،

مع انهم في الواقع ليسوا اولاده.

المفسده الثامنة:
انها قد تنشئ اولاده على الكفر و عادات الكفار و اخلاقهم،

و تاخذهم معها الى الكنيسه و المراقص و المسارح و اماكن اللهو،

و تفسد قلوبهم،

و لا يستطيع هو ان يحول بينها و بين ذلك،

و قد اشترط ابن جرير رحمه الله في جواز الزواج بالكتابيه “ان تكون بموضع لا يخاف الناكح فيه على و لده،

ان يجبر على الكفر” [ جامع البيان عن تاويل اي القران 6 / 108 ].
و ليس من شرط الاجبار على الكفر ان يكون بالقهر المادى كالتهديد بالقتل،

او الحبس او الضرب،

بل قد يكون الاجبار على الكفر بالضغوط الاجتماعيه و التعليميه و الثقافيه و السياسيه و تشويه الاسلام،

و هذا كله و اقع في بلاد الكفار.

المفسده التاسعة:
ان القانون الاسرى في مصلحتها في بلادها،

فلو اراد ان يطلقها فان القانون يجبره على مغادره منزله و تركه لها و لاولادها،

و يحكم لها بالاولاد ما داموا دون سن معينه كالثامنه عشره فيخسر اولاده و تربيهم هى كما تريد،

و هو يشاهد ذلك فلا يقدر على حمايتهم من ذلك،

بل ان المراه الكافره التى يتزوجها المسلم وينقلها الى بلاده في اي شعب من شعوب المسلمين،

اذا كرهته تستطيع ان تذهب في غفله منه الى سفاره بلادها في ذلك الشعب باولادها،

فتصبح بذلك كانها في بلاد الكفر تحميها دولتها و قوانينها و تنقلها مع اولادها الى بلادها،

و لا تستطيع دوله الشعب المسلم ان تفتكها و لا تفتك اولادها.

المفسده العاشرة:
ترك المسلم التزوج بالمسلمه وايثار التزوج بالكتابيه و في ترك التزوج بالمسلمه الموجوده في بلاد الكفر تعريض المسلمات للفتنه اما بالزنا الصريح او باستباحه زواجهن بالكفار الذين لا يحل لهم ان يتزوجوا المسلمات،

و هذا الامر موجود في بلاد الكفر،

فقد و جدنا كثيرا من المسلمين يشكون من هذه الحاله و يتمنون ان يجدوا لبناتهم ازواجا مسلمين من نفس البلد الذى يتزوج فيه المسلمون الكافرات لاغراض دنيويه كالحصول على الاقامه او التجنس او الوظيفة.
و قد ذكر العلماء ان من اسباب كراهيه بعض اصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم،

كعمر رضى الله عنه،

الزواج بالكتابيه الذميه في دار الاسلام زهد المسلمين في الزواج بالمسلمات،

كما قال ابن جرير رحمه الله: “وانما كره عمر لطلحه و حذيفه رحمه الله عليهم نكاح اليهوديه و النصرانيه حذرا من ان يقتدى بهما الناس في ذلك،

فيزهدوا في المسلمات،

او لغير ذلك من المعانى فامرهما بتخليتهما” [ جامع البيان عن تاويل اي القران 2 / 378 ].
و اذا كان هذا السبب يؤدى الى كراهه الزواج بالكتابيه في دار الاسلام،

خشيه من الزهد في الزواج بالمسلمات اللاتى لا يجدن الازواج الراغبين فيهن غالبا،

فانه اي هذا السبب صالح لتحريم الزواج بالكتابيه في دار الكفر،

اذا ادي الى ترك الزواج بالمسلمه و افتتانها بالزنا او الزواج بالكفار،

و هو محرم عليها كالزنا،

من باب اولى.
و اذا كان زواج المسلم بالكتابيه مباحا،

و المسلمون انما تعاطوه في دار الاسلام،

و مع ذلك و جد من يري تحريمه من السلف و عامه اهل العلم كرهوه،

و كثير منهم حرموه في دار الحرب،

و اذا علمنا تلك المفاسد التى تترتب عليه في دار الكفر فما حكمه؟!.
ان كثيرا من هذه المفاسد ليست مفروضه فرضا،

و انما هى و اقعه مع كثير من المسلمين المقيمين في دار الكفر ممن يتزوجون الكافرات،

و قد تكون هناك مفاسد كثيره يعرفها اولئك المسلمون الذين يقعون في شراك الاستيطان في بلاد الكفر.
و لو لم يكن من تلك المفاسد الا خشيه و قوع المسلم نفسه في الارتداد عن دينه،

او التخلق باخلاق الكفار التى لا يقرها الاسلام،

و كذلك مفسده تنشئه نسله على الكفر و عادات الكفار،

لو لم يكن من تلك المفاسد كلها الا هاتان المفسدتان لكانتا كافيتين في القول بتحريم زواج المسلم الكتابيه في بلاد الكفر،

فكيف بها اذا اجتمعت كلها؟!.

اذا افضي المباح الى محرم صار محرما
و معلوم ان المباح هو ما استوي طرفاه،

اي: فعله و تركه،

فهو ليس مطلوب الفعل و لا مطلوب الترك شرعا من حيث هو مباح،

فاذا كان و سيله الى مندوب صار مطلوب الفعل ندبا،

و ان كان و سيله الى مكروه صار مطلوب الترك كراهه فاذا كان ذريعه الى محرم صار مطلوب الترك تحريما.
وان كان و سيله الى و اجب،

صار مطلوب الفعل و جوبا

و نكاح المسلم الكتابيه مباح من حيث هو،

فاذا صار ذريعه الى تلك المفاسد التى كل مفسده محرمه و حدها،

فانه يصير مطلوب الترك تحريما لذلك.
هذا هو الحكم الذى اطمانت اليه النفس بالنسبه لزواج المسلم بالكتابيه في ديار الكفر،

ما دامت تلك المفاسد تترتب عليه،

فاذا ادعي مدع ان تلك المفاسد لا تترتب على ذلك و اثبت حجه على دعواه،

فالامر عندئذ يختلف،

و ما اخال احدا يثبت ذلك اللهم الا في مسائل فرديه نادره و العبره بالغالب و ليس بالنادر.

ولا اظن ان الذى توصلت اليه في هذه المساله يخالف ما ذهب اليه علماء الاسلام قديما،

فان تحريم الزواج بالكتابيه في دار الكفر في هذه الايام اكثر شبها بدار الحرب في الماضي،

و قد حرم الزواج بالكتابيه في دار الحرب: الخليفه الرابع على بن ابى طالب و ابن عباس رضى الله عنهما،

و رجح ذلك بعض علماء المذهب الحنفي،

و كرهه اخرون منهم،

كما كرهه كراهه شديده الامام ما لك،

و هو كذلك في المذهب الشافعي،

و صرح بتحريمه علماء الحنابله [ راجع الفصل الثانى من هذا المبحث ] و عللوا ذلك بمساله ركونه اليها و سكناه في دار الحرب،

و تنشئه اولاده على الكفر و محبه اهله.
و هذه المفاسد و غيرها موجوده في دار الكفر في هذه الايام.

ما يفضى الى المفسده اربعه اقسام:
ذكر ابن القيم ان ما يفضى الى المفسده اربعه اقسام:
القسم الاول: و سيله موضوعه للاضافه الى مفسدة.
القسم الثاني: و سيله موضوعه للمباح قصد بها التوصل الى مفسدة.
القسم الثالث: و سيله موضوعه للمباح،

لم يقصد التوصل بها الى مفسده لكنا مفضيه اليها غالبا،

و مفسدتها ارجح من مصلحتها.
القسم الرابع: و سيله موضوعه للمباح،

و قد تفضى الى المفسده و مصلحتها ارجح من مفسدتها.
ثم قال: “فالشريعه جاءت باباحه هذا القسم و استحبابه او ايجابه،

بحسب درجاته في المصلحه و جاءت بالمنع في القسم الاول،

كراهه او تحريما بحسب درجاته في المفسدة.
بقى النظر في القسمين الوسط،

هل هما مما جاءت الشريعه باباحتهما او المنع منهما،

فنقول الدلاله على المنع من وجوه..”
و ساق تسعه و تسعين و جها مستدلا بها على المنع [راجع اعلام الموقعين 3 / 136-159)].
و معنى هذا: ان المباح الذى وضع و سيله و لم يقصد به التوسل الى مفسده لكنه يفضى اليها غالبا،

و مفسدته ارجح من مصلحته يكون محرما،

و الزواج بالكتابيه في ديار الكفر من هذا النوع كما هو و اضح.
و معلوم ان مدار الشريعه الاسلاميه و مبناها على مصالح العباد،

كما قال ابن القيم رحمه الله: “فان الشريعه مبناها و اساسها على الحكم و مصالح العباد في المعاش و المعاد،

و هى عدل كلها،

و رحمه كلها،

و مصالح كلها،

و حكمه كلها،

فكل مساله خرجت عن العدل الى الجور،

و عن الرحمه الى ضدها،

و عن المصلحه الى المفسده و عن الحكمه الى العبث،

فليس من الشريعة” [ نفس المرجع ].
و هناك قاعده شرعيه عظيمه و هى ان الدين من الضرورات التى يجب حفظها،

و الزواج بالكتابيه في دار الكفر قد يعود على هذه الضروره بالنقض،

اما دين الزوج المسلم واما دين ذريته،

و اما دينه و دين ذريته.

[ راجع اول الجزء الثانى من كتاب الموافقات ].

الضروره تقدر بقدرها
اذا كان حكم زواج المسلم بالكتابيه في دار الكفر هو التحريم لما مضي من المفاسد المترتبه عليه،

فما حكم المشقه المترتبه على تحريمه بالنسبه لمن يضطر الى السكن في دار الكفر من اصناف المسلمين الاتية؟
صنف السفراء و الموظفين التابعين لهم الذين تندبهم حكوماتهم للقيام بمصالحها في تلك الدول.
صنف الطلبة: الذين يبتعثون لاخذ العلوم التى لا غني لبلادهم عنها،

و هى لا توجد في بلادهم.
صنف بعض المسلمين الذين يؤذون في بلادهم: بالاعتداء على دينهم او انفسهم او اعراضهم او اموالهم او تلك الامور مجتمعه من قبل حكام بلادهم الظلمه بسبب مخالفتهم لهم في بعض تصرفاتهم المخالفه للاسلام،

او بسبب بعض الاتجاهات السياسيه المختلفه و لا يجدون من ياذن لهم بالهجره الى بعض البلدان الاسلاميه فيضطرون الى الانتقال الى بعض بلاد الكفر التى يحصلون فيها على امن نسبي،

كما هو الحال في بلدان الغرب،

كالدول الاوربيه الغربيه و الولايات المتحده الامريكيه و كندا و نحوها.
صنف المسلمين الذين هم اصلا: من بلاد الكفر.
صنف التجار: الذين يحتاجون الى البقاء في بلاد الكفر.
و الجواب: ان الضروره تقدر بمقدارها.
فاذا خاف هؤلاء الاصناف من الوقوع في جريمه الزنا،

بسبب المغريات و السبل الداعيه اليه في تلك البلدان،

فعليهم ان يتزوجوا مسلمات صالحات من بلادهم و يسافروا بهن معهم،

و ان يحاولوا ايجاد مساكن متقاربه لهم في البلد الذى ينزلون فيه،

لتكون اسرهم متجاوره حتى يحصل بينهم التزاور و التعاون على الخير،

ليعيشوا عيشه اسلاميه حسب الاستطاعة.
و هذا ممكن للسفراء و الموظفين التابعين لهم،

و كذلك بالنسبه للطلاب الذين يتمكنون من الدخول في جامعه واحده و كذلك الجاليات الاسلاميه التى عندها مقدره على شراء مساكن متجاوره في حاره واحده و استئجارها،

فان هؤلاء يبقون مددا طويلا في تلك البلدان،

و عليهم ان يتقوا الله في تربيه اسرهم و يحافظون عليها قدر استطاعتهم،

و اذا وصل اولادهم الى سن يتمكنون معها على الدراسه فان عليهم ان يبعثوا اولادهم الى بلدانهم،

و يجب على حكام شعوبهم ان يسهلوا لهم و سائل التعليم و الاشراف على تربيتهم في مدارس خاصه بها اقسام داخليه الا اذا كان لهم اقارب يشرفون على تربيتهم،

او تقوم حكومات الشعوب الاسلاميه بانشاء مدارس خاصه في بلدان الكفر،

تتولي اعداد مناهجها و مدرسيها و ادارييها من المسلمين،

و تكون بها اقسام داخليه تتولي الاشراف على الطلاب و تربيتهم تربيه اسلاميه شامله حتى لا يقعوا في احضان الكفار الذين يخشي منهم افسادهم بالعقائد الكافره و عادات الجاهلية.
و هذه الحاله تشمل الطلاب و السفراء و من يتبعهم من الموظفين و بعض الجاليات التى يتمكن افرادها،

من بعث اولادهم الى بلدانهم او ايجاد مدارس اسلاميه خاصه بهم في بلاد الكفر.
و كذلك الذى يدخل في الاسلام من اهل تلك البلدان،

اذا تمكن من الحصول على زوجه مسلمه صالحه و مجاوره الاسر المسلمه ليتعاون معها على تربيه اسرته و اولاده.
و قد و جدنا يعض المسلمين،

تمكنوا في بعض المدن الولايات المتحده الامريكيه من استئجار منازل لاسرهم متقاربه و هم من الطلاب،

و كذلك بعض الجاليات الاسلاميه كما في مدينه ديربورن التى تسمى: القريه العربية.
اما المسلم الذى يحتاج الى البقاء في تلك البلدان فترات قصيره للتجاره و نحوها،

فعليه ان يصبر و يتقى الله في ترك المحرمات،

و اذا راى انه يخاف على نفسه فليصطحب معه اهله و بعض محارمها لمرافقتها عند انشغاله،

فاذا قضي حاجته رجع الى بلاده.
و كل من يقدر على ترك السكني في بلاد الكفر،

فلا يجوز له البقاء فيها خشيه الفتنه على نفسه و اسرته،

و من اضطر الى البقاء فيها و الله اعلم بالمضطر و لم يجد مسلمه يحصن بها نفسه و خاف على نفسه الزنا فيجوز له من باب الاضطرار ان يتزوج الكتابيه اليهوديه او النصرانيه التى ما زالت تعترف بدينها و لم تتنكر له بالالحاد و لكن يجب عليه ان يتخذ الوسائل التى تمنعها من الانجاب له،

لانه اذا انجبت له اولادا خاف عليهم من افسادهم بتنشئتهم على الكفر و عادات الكفار،

فانه شبيه بالاسير في بلاد الحرب و التاجر،

و قد مضي بانهما لا يتزوجان الكتابيه و لا يطان زوجاتهما المسلمات،

خشيه من اعتداء الكفار عليهن و انجابهن اولادا ليسوا من ازواجهن المسلمين [كما مضي في الفصل الثاني] الا اننى اري ان الزوجه المسلمه يمكن لزوجها ان يطاها وينجب منها اذا كانت صالحه و غلب على ظنه تمكنه من تربيه اولاده منها في بلاده،

او في مدرسه اسلاميه في نفس البلاد التى يعيش فيها كما مضى،

و انما قلنا بوجوب اتخاذ الوسائل التى تمنع الانجاب من الكتابيه لما مضي من المفاسد المترتبه على الزواج بها في بلاد الكفر،

و من ذلك تنشئه الاولاد على الكفر و اخلاق الكفار،

فاذا غلب على ظنه تنشئتهم على الاسلام،

فلا يجب عليه حينئذ ان يتخذ و سائل عدم الانجاب،

و هذا يشمل المسلم الوافد الى بلاد الكفر و الذى يدخل في الاسلام من اهل ذلك البلد.

النتائج

وبعد فان الصحيح ما عليه جمهور علماء المسلمين من جواز زواج المسلم بالكتابيه في بلاد المسلمين و هى الذميه التى تخضع لاحكام الاسلام العامه وان الافضل مع الجواز ترك ذلك و قد كرهه اغلب العلماء.
و انه لا يجوز للمسلم الزواج بالحربيه و هى الكتابيه التى تعيش في بلاد الحرب،

علي الصحيح من اقوال العلماء.
وان بلاد الكفر اليوم حكمها حكم بلاد الحرب في هذا الحكم بالذات،

لان المفاسد التى تترتب على زواج المسلم بالكتابيه في بلاد الحرب،

تترتب على زواج المسلم بالكتابيه في بلاد الكفر اليوم.
و اذا دعت الضروره ان يتزوج المسلم بالكتابيه في بلاد الكفر و غلب على ظنه ان ذريته ستنشا تنشئه اسلاميه فلا يجب عليه ان يتخذ الوسائل التى تمنع الانجاب،

و ان غلب على ظنه عكس ذلك وجب عليه اتخاذ ذلك.
اما اذا غلب على ظنه فتنته هو في دينه او فتنه اولاده منها او من غيرها،

فانه لا يجوز له ان يتزوج بها مطلقا،

و عليه ان يتقى الله و يبتعد عن الحرام و يبحث عن زوجه مسلمه صالحة.
هذا ما ظهر لى في هذا البحث،

فان كان صوابا فالله هو الذى و فقنى للوصول اليه،

و ان كان خطا فاستغفر الله و اتوب اليه،

و في كلا الامرين اسال الله ثوابه فانى ما قصدت الا رضاه.

171 views

هل يجوز للكتابية اخد مسلم ولي لها في عقد الزواج